السبـت 27 ذو الحجـة 1423 هـ 1 مارس 2003 العدد 8859 الصفحة الرئيسية
 
زين العابدين الركابي
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
هل استُدْرِجَ الرئيس بوش؟

هل استدرج الرئيس الامريكي جورج بوش الى هذا الموقف الصعب الذي لا يتبدى فيه ـ بيقين ـ: وجه مستقبله السياسي بعد سنتين تقريبا. فآخر استطلاع للرأي أُجرى منذ ثلاثة ايام، اظهر ان 47% يؤيدون اعادة انتخاب الرئيس بوش في انتخابات 2004. وهذه نسبة تدل على الانخفاض الحاد في الخط البياني لشعبيته بالمقارنة بالشهور التي اعقبت احداث 11 سبتمبر 2001، اذ بلغت النسبة التي تؤيد اعادة انتخابه يومئذ 74%.. صحيح ان هذا التدني له علاقة بالاوضاع الاقتصادية، لكن مما لا شك فيه: ان للسياسة الخارجية المتبعة اثرا عميقا في تضاؤل التأييد.

فهل استدرج الرجل الى هذا الفخ: فخ (المعارضة العالمية) لشن حرب على العراق، وفخ (الانقسام داخل المجتمع الامريكي نفسه) بسبب هذه الحرب ذاتها؟

كان الرئيس جورج الاب وهو يتوجه الى حرب تحرير الكويت قد:

أ ـ انهمك في حركة دبلوماسية عالمية او كونية قادها بنفسه حول العالم، واسفرت هذه الحملة عن (اجماع عالمي) على دحر القوات العراقية من الكويت. وقد انتظم في هذا الاجماع: غريم الولايات المتحدة وخصيمها الاول وهو: الاتحاد السوفيتي ـ سابقا ـ .. ومما أعان جورج بوش الاب على عقد هذا الاجماع: وجود (الدليل المادي) القاطع الساطع وهو: ان بلدا مستقلا ذا سيادة قد غُزي واحتل، في حين ان ادلة اليوم لا تبلغ من مواطن الاقتناع اي مبلغ، ولذا كانت المعارضة العالمية القوية.

ب ـ حَشَدَ القوات بعد ان استوثق من الاتفاق الدولي الكبير على هذه القضية.

اما الآن فقد انتشرت القوات الامريكية قبل ان توجد (قناعة دولية) قوية وغالبة بشن حرب على العراق.

وهذه ورطة بلا ريب. فمن الذي استدرج الرئيس الامريكي الى هذا المضيق؟.. تقول صحيفة «يديعوت احرونوت» الاسرائيلية: «ان اوساطا جمهورية مقربة تؤكد: ان الرئيس بوش لم يكن متحمسا لقرار خوض حرب. صحيح انه رغب في التخلص من صدام حسين عبر عملية تصفية نقية كانقلاب مثلا، او اي بديل آخر كان سيجعل بوش يخرج منتصرا من دون خوض تعقيدات الحرب. لكن ها هو الرئيس عالق عشية الحرب في صيغتين منهارتين، فهو لا يمكنه الابتلاع، ولا التقيؤ.. وتشعر الاوساط السياسية في واشنطن بان مصير الرئيس بوش قد حسم بالتوجه الى الحرب. ومهما فعل، فان الحكاية العراقية ستورطه على الساحة الداخلية الامريكية. واذا تذكرنا الانتخابات التي ستجرى في نوفمبر 2004 وجدنا ان العد التنازلي لولاية بوش قد بدأ فعلا».

فمن الذي خطط لهذا الاستدراج وزيّنه للرئيس تزيينا؟.. وخلاصة الاستدراج هي: لنبكر بحشد القوات حتى نضع الجميع امام الامر الواقع.. وحين حشدت القوات بكثافة هائلة، جاءت حجة جديدة وهي: ان عودة القوات بلا قتال: تُعد (انتحارا سياسيا) مؤكدا للقيادة الامريكية.

وثمة امريكيون مرموقون يشعرون بالاستدراج، ويبصرون المأزق، ويعبرون عن ذلك بشجاعة وامانة ووطنية اصيلة.. وسنقصر الاستشهادات على (الامريكيين) لانهم اعرف بشؤون بلدهم، ولان افكارهم ومواقفهم من شأنها ان (تثبّت) المعارضين للحرب ـ من غير الامريكيين ـ على قناعاتهم. فقد تكثفت حملة سياسية اعلامية نفسية من اجل بلوغ هدف محدد وهو: التشكيك العاصف في القناعات المعارضة للحرب الى حد تصوير هؤلاء المعارضين وكأنهم متوحشون ومتخلفون ومجردون من الاخلاق، وتصوير دعاة الحرب وكأنهم هم الانسانيون والتقدميون واصحاب الاخلاق الرفيعة.

والامريكيون الواعون بالاستدراج، المجاهرون بتبصير قومهم بالمأزق القومي، هم من (النخبة) التي لا يشك الامريكيون في ولائها، ولا في خبرتها، ولا في رؤيتها للشأن الامريكي العام: في الداخل والخارج.. ومن هؤلاء:

1 ـ الجنرال المتقاعد (باستر غلوسون) الذي قاد الحملة الجوية في حرب تحرير الكويت عام 1991. هذا الجنرال المحترف ـ الذي عمل كذلك مستشارا لمدير الـCIA لمدة سنوات خمس بعد تقاعده من الجيش ـ قد قال بوضوح: «ان الحرب المحتملة ضد العراق: جريمة، لانها ستخاطر بحياة امريكيين وحلفاء على نحو يفوق الضرورة.. كيف يمكن الدفاع، من الناحية الاخلاقية، عن الوقت المتاح لاتخاذ قرار سياسي باستخدام القوة العسكرية، ثم محاولة الاندفاع الى عملية عسكرية وانهائها في غضون ايام؟ ان ذلك جريمة.. لا يجب بناء استراتيجية على اساس استخدام قوات جوية وقوات خاصة فقط ولايام قليلة. ففي هذه الحال، فان كل ما يفعله المندفعون للحرب هو: مطالبة الامهات والآباء الامريكيين والحلفاء بفقدان المزيد من ابنائهم وبناتهم.ان استراتيجيتنا خاطئة. انها تخاطر بالحياة بطريقة تفوق الضرورة. والغالبية تحجم، على ما يبدو، عن انتقاد القادة العسكريين. حسناً. انا عسكري محترف. واعتقد ان من واجب المحترفين العسكريين ان يعبروا عن آرائهم وعن الحقيقة عندما يعتقدون ان القرارات العسكرية لا تسير في الوجهة الصحيحة».

2 ـ الدبلوماسي المشهور (ريتشارد هو لبروك) الذي كتب يقول: «ان الادارة الامريكية اليوم اسيرة دوامة خطرة اذ ان كلا من توجهها العسكري والدبلوماسي غير متوافقين، ثم انها فشلت، بنسبة ما، في الحفاظ على دورها القيادي التاريخي. لقد خسرت ادارة بوش في الايام الماضية مواقع على كل الجبهات. وهكذا فان الادارة تسير في طريق صعب وضيق، ويبدو ان عليها ان تشن حربا في ظروف تراجع التأييد الشعبي لها، ليس في الخارج فقط، ولكن داخليا ايضا. الادارة تغامر اذن. فالسياسة المعتمدة على القوة العسكرية فحسب، لن تكون ناجحة على المدى الطويل، حتى القوة العظمى، بل لانها القوة العظمى تحتاج الى الكثير من الاصدقاء والحلفاء للحفاظ على تأثيرها الكوني.. خلال العقود الستة الماضية، مزجت الولايات المتحدة في نهجها بين قوتها الحربية المتفوقة وبين الاخلاق والقيادة السياسية. ولسوء الحظ، فان بعض الاعضاء داخل الادارة والكثير من مؤيديهم خارجها تخلوا عن هذه التقاليد وتصرفوا وكأن التفوق الكامل في اشياء مثل الرؤية الليلية وغيرها من الانجازات التقنية الحديثة، يسمح للولايات المتحدة بتجاهل اهمية العلاقات التقليدية. هذا قصر نظر».

3 ـ في ندوة عقدت في 5 فبراير المنصرم برعاية مجلس العناية بالعلاقات الخارجية، وكان موضوع الندوة هو استجلاء آراء المعارضين والمؤيدين للحرب.. في هذه الندوة، قال البروفسور (ستيفن والت) الاستاذ بجامعة هارفارد ـ وهو جمهوري محافظ ـ: «اذا نحن قارنا المزايا بالاضرار في هذه الحرب، سنرى كم هي هذه الحرب بلا معنى، او على الاقل ليست هي البديل الافضل.. كان لدى الاتحاد السوفيتي 40 الف رأس نووية، سيطر عليها طغاة لا يتورعون ـ مثل صدام حسين ـ عن الابادة الجماعية، ولكنهم لم يستعملوها ولم يبتزونا بها، فلماذا يظن فريق بوش ان صدام بما لديه من قدرات محدودة سيفعل؟ علينا ان نعيد ترتيب اولوياتنا، ونحدد مع من هي معركتنا الاساسية؟.. لا يوجد دليل على ان صدام حسين راغب في مهاجمتنا، بينما رغبات تنظيم القاعدة وسواه من قوى الارهاب هي رغبات مؤكدة، والحرب ضد العراق ستسهل مهمة الارهابيين في حشد الانصار. ان سمعتنا بين الحلفاء تضررت من حرب لا تخدم مصلحة محققة: حرب بلا مبررات جعلت مهمة بناء تحالف دولي مؤيد لنا شاقة حيث مارسنا فيها ضغوطا تجعل هذا التحالف يتم بالاكراه. واذا التزمنا بالمنطق والادلة فهي حرب بلا ضرورة، دوافعها خليط من قراءة سيئة للتاريخ، واسباب غير مترابطة، وآمال غير مؤكدة، واخبار قديمة. والخلاصة هي: ان مبررات الحرب الاجهاضية: اما ضعيفة او معدومة».

اذن عُرف المستدرَج (بفتح الراء)، فمن المستدرِج (بكسر الراء)؟.

نستشهد ـ ها هنا كذلك ـ بأفكار ورؤى نخبة امريكية:

أ ـ شهادة البروفسور (بول شرويدر) استاذ التاريخ بجامعة الينوي. فقد قال: «بالتأكيد تم دفع خطة الغزو بقوة على ايدي عدد من ذوي النفوذ المؤيدين لاسرائيل من شاكلة الصقور المحافظين الجدد، داخل الادارة وخارجها: ريتشارد بيرل، وبول وولفويتز، ووليم كريستول واخرون».

ب ـ شهادة (زبيغنيو بريجنسكي) ـ المستشار الامريكي الاسبق للأمن القومي ـ ..وهذا هو نص شهادته: «ربطت الصحافة الاوروبية بشكل يتفوق على الصحافة الامريكية بين سياسات الادارة الامريكية الحالية المتعلقة بمنطقة الشرق الاوسط وبين المقترحات التي قدمها العديد من اصدقاء حزب الليكود الاسرائيلي عام 1996 لرئيس الوزراء الاسرائيلي حينئذ بنيامين نتنياهو. وهؤلاء الاصدقاء الذين يشغلون الآن مواقع مؤثرة في الادارة الحالية هم السبب في اصرار الولايات المتحدة على شن حرب على العراق».

ج ـ شهادة الجنرال باستر غلوسون الملخصة في هذه العبارة «الرئيس بوش ليس مسؤولا عن ورطة الحرب. وانما المسؤولون مخططون آخرون معروفون».

د ـ شهادة ريتشارد هولبروك. فقد قال: «بعض اعضاء الادارة الحالية يتصرفون بقصر نظر».. فهل من العقل والضمير والامن الدولي: ان يصبح العالم كله ضحية لحفنة من الناس لا يكترثون باستقرار العالم، ولا تهمهم مصلحة امريكا نفسها؟

> > >

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال