الجمعـة 14 ربيـع الاول 1424 هـ 16 مايو 2003 العدد 8935 الصفحة الرئيسية
 
محمد العربي المساري
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
خطاب الإصلاح: التباسات ومفارقات

ستبقى مثيرة للجدل، من الناحية النظرية، المبررات التي تكرر ذكرها لإقدام الولايات المتحدة على ضرب العراق. وترتبط بذلك الجدل المبررات التي ذكرها المعارضون لتفسير معارضتهم، والمؤيدون لتفسير تأييدهم، وكذلك بعض المقولات الرائجة في تفسير تأييد جزء من العملية، والاستعداد للانخراط في ما تبقى.

وكل ذلك يبعث في الذهن تداعيات لصفحات من التاريخ، هي إن لم تدل على أن التاريخ يعيد نفسه، فهي على الأقل تهدي إلى وجود قسمات مشابهة، يمكن ذكرها هنا مقرونة بالعبارة التي تطالعنا أحيانا في بداية بعض الأشرطة السينمائية، التي تقول كل تشابه في الوقائع أو في الأشخاص هو وليد الصدفة.

يذكر بإلحاح أن عملية العراق، وما يتم تحضيره للمنطقة، يتطلبها إصلاح بل تغيير الأوضاع، لدمقرطة المنطقة. وذلك بعد أن استعصى على دول المنطقة أن تتدمقرط بوسائلها. وعلي غرار ذلك كان قد تم تبرير حركة الاستعمار التقليدي، إذ قيل إن الغرض هو تمدين المجتمعات المتأخرة في أفريقيا وآسيا، التي هي في حاجة إلى وصاية من الخارج كي تلتحق بالقرن العشرين. وهذا التشابه يغري بالقول إن الخطاب هو نفسه وإنما تغير القاموس.

وجد مغاربة بداية القرن العشرين أنفسهم في خضم نقاش مرير من هذا القبيل. كان المغرب آخر حلقة في زحف الأوربيين على شعوب الجنوب بعد أن استمرت مراودة فكرة إخضاعه عقودا طويلة قبل سنة 1912. وكان في البلاد تيار يبشر بأن الإصلاح بأدوات داخلية، هو الذي يعصمه من التحرشات الأجنبية. ولكن لم يوفق المغاربة حينذاك إلى تطبيق الإصلاح من الداخل، فوقعوا في الضغط الذي مارسته الدول المتحفزة للإجهاز عليه، وفرض الإصلاح من الخارج.

في ذلك الوقت كانت فرنسا وإنكلترة وإسبانيا وألمانيا المتنافسة على الاستفراد بالمغرب تحضر لترتيب الأوضاع الكفيلة بتأمين الوصول إلى اللحظة الأخيرة كما بيتوها هم، في حين كان المغرب يتخبط في أزمة، ففرض عليه التسليم بأن هناك شرعية دولية علي المغرب أن ينصاع لها. فقد أنس الأوربيون في انفسهم دائما القدرة على سن قواعد منظمة للعلاقات الدولية كما تواطأوا عليها هم، وكما قبلها غيرهم، مثلما حدث بعد الحرب العالمية الثانية، إذ رتب المنتصرون الأوضاع، في نطاق النظام العالمي التقليدي الذي ساد حتى الآن.

وكانت الخطوة الحاسمة نحو ترتيب «الشرعية الدولية» (طبعة بداية القرن العشرين) هي عقد مؤتمر في مدينة الجزيرة الخضراء (ميناء في الجنوب الإسباني، يسميه المغاربة الخوزيرات، وسموا الاتفاق الناتج عن المؤتمر الذي عقد فيه بشروط الخوزيرات). وانعقد ذلك المؤتمر في ما بين فبراير وأبريل 1906. وهناك اتفقت 11 دولة أوربية زائد الولايات المتحدة، على أن المغرب لا بد له أن يخرج من نظامه العتيق لينخرط في القرن العشرين، بدولة منظمة على النمط الحديث، لها جهاز إداري، وقوانين عصرية وتراتيب جبائية وأجهزة تجعلها مؤهلة للتعامل مع العالم المتمدن وفق الضوابط والقواعد التي يسير بها ذلك العالم.

وحددت دول الخوزيرات ـ كما جاء في ديباجة الاتفاق ـ هدفها كما يلي: «أن يسود في المغرب الأمن والسلام والازدهار». و«لا يمكن ذلك إلا بإدخال إصلاحات ضرورية للتحديث، مع تأكيد مبدأ ثلاثي هو سيادة السلطان، ووحدة تراب مملكته، والحرية الاقتصادية في ما بين الدول بمعنى تساوي حظوظ جميع الدول في التعامل معه».

وهذه العبارات البريئة التي تماثل اليوم التحرير والدمقرطة والتحديث، تمت ترجمتها في أرض الواقع على نحو آخر هو الذي أوصل المغرب بعد ست سنوات من ذلك إلى أن يفرض عليه نظام الحماية، الذي تحول إلى استعمار مباشر، تطلب إقراره الدخول في معارك عسكرية طاحنة لتطويع المغاربة استمرت حتى سنة 1934.. وهذا ما يمكن من فهم تطير العرب من التصريحات المطمئنة التي يسمعونها من الغرب.

وكانت تلك النداءات للتحديث قوية الوطأة على مغرب ذلك الزمان. والذي حدث باختصار هو أن المغرب كان لانعزاله عن النهضة التي كانت تعتمل على بعد 14 كلمترا من ساحله، ولتخبطه المرير الذي حال دون أن يقرر مصيره بنفسه، حاول أن يصد الضغط المباشر الذي كانت تمارسه عليه فرنسا، بالدعوة إلي مؤتمر الخوزيرات، لكي لا يبقى رأسا لرأس معها، ويحاول أن يقع تدويل الحوار بشأن «المسألة المغربية» في نطاق تعددي. وجنى من ذلك نفس ما حدث له في مؤتمر مدريد 1981 الذي دعا إليه، لمناقشة مسألة الامتيازات، أي أنه كان صوتا واحدا من بين 13 وفدا. أي كانت المحاولة مقبولة نظريا لكن المغرب كان عاجزا عن مواجهة مصيره.

ورأت النخبة المفكرة في الإصلاحات التي أتت بها وثيقة الخوزيرات افتئاتا على السيادة الوطنية، وعارضت من جهة أخرى تسلل فرنسا من جهة الشرق. وبرز الشريف الكتاني، أحد علماء جامعة القرويين، بالدعوة إلى رفض «شروط الخوزيرات» واستعادة ما اقتطعته فرنسا انطلاقا من الجزائر التي كانت قد احتلتها سنة 1830.

وجمع السلطان «مجلس الأعيان» لإبداء الرأي. وكان الكتاني ومن معه يرون أن موقف السلطان يكون أقوى إذا كان مستندا الى ممثلي الشعب، إذ هكذا تسير الأمور في الأمم الغربية نفسها.

وانتفض الشعب ضد «الشروط»، وتجاوب مع الدعوة شقيق ناقم للسلطان فحل محله في العرش في يونيو سنة 1908، بعد أن التزم ببيعة مشروطة هي في حد ذاتها وثيقة تبين كيف أن المغرب قد بدأ القرن العشرين بحركة تصحيحية منيرة. وفي نوفمبر من تلك السنة نشر مشروع للدستور كان يمكن أن يكون الطريق إلي إنشاء دولة عصرية قادرة على أن تلحق المغرب بركب القرن العشرين وتصون الاستقلال الوطني، لو«ولو».

فشل ذلك التوجه، وتكونت حول السلطان السابق (م. عبد العزيز) بطانة اختلفت فقط حول ما إذا كان على المغرب أن يسلم عنقه لإنكلترة أو لفرنسا. أما خلفه م. عبد الحفيظ فإنه أبعد النخبة المفكرة التي كانت تنادي بالدستور، وكون حكومة من قواد القبائل الغائبين عن منطق العصر، من الذين سنراهم في ركاب الاحتلال بعد سنوات. وكانت نهاية الكتاني دامية بينما همشت الجماعة المتنورة، وأصر المغرب على أن يستقيل من القرن العشرين.

ولم يسع السلطان الجديد أن يصمد أمام ضغط الخارج. فكلفت دول مجموعة الخوزيرات سفير فرنسا بطنجة، التي كانت مقرا للخارجية لإبعاد السفراء الأجانب عما يجري في العاصمة فاس، داخل المغرب المريض، بأن يخاطب السلطان بصرامة في شأن الإصلاحات المتفق عليها في ما بين الدول.

وفي سنة 1907 أنشئ بمقتضى اتفاق الخوزيرات بنك الدولة. ثم تم تعيين مهندس فرنسي يساعده مهندس إسباني للإشراف على الأشغال الكبرى (طرق، جسور، موانئ) وأقيمت شرطة نظامية في ثمانية موانئ (حيث يوجد أوربيون) وأحدثت ضرائب جديدة لتنظيم مالية الدولة، وتم تنظيم الجمرك، واستمر الضغط من أجل «الإصلاح».

وكما يقول المؤرخ الإسباني الأب الفرانسيسكاني صمويل إيخان، فإنه لم ينخرم الأمن في المغرب مثلما حدث بعد اتفاقية الخوزيرات وبدء تفعيل الإصلاحات. فقد حدثت اغتيالات لمواطنين أجانب في طنجة ومراكش والدار البيضاء، كما دبرت اختطافات متهورة لأجانب تميزت بطلب فدية مالية مرتفعة للإفراج عن الرهائن، (ها هو المغرب قد حقق سبقا)، وقام شخص مغامر ينتحل شخصية شقيق للسلطان بالمطالبة بالعرش (بوحمارة). وكانت كل عملية من هذه تؤدي الى مزيد من الضغط الأجنبي في شكل قصف مدن ساحلية أو احتلال (وجدة) أو إنزال قوات (الدار البيضاء) مما كان يزيد من حدة الأزمة والانتقاص من السيادة الوطنية، وجعل نفوذ السلطان ليس أكثر من نفوذ شكلي.

ولم تفتأ الدول الرئيسية في حلبة التنافس على المغرب، تردد أنها ملتزمة باحترام سيادة السلطان ووحدة تراب مملكته. ولما كانت ألمانيا شديدة الإلحاح في أن يكون لها نصيب في إعمار المغرب (الأشغال الكبرى التي جرى الكلام عنها في الخوزيرات) فإن شعار «التساوي في الفرص في ما بين الدول» كان هو المدخل لمساومات تمت بالفعل بين فرنسا وبريطانيا لتبادل إطلاق اليد في كل من المغرب ومصر، وبين فرنسا وإسبانيا لتقاسم النفوذ في التراب المغربي (الذي كانت التصريحات الرسمية تؤكد الرغبة في احترام وحدته)، وبين فرنسا وألمانيا بشأن تبادل إطلاق اليد في المغرب والكونغو، بعد أن وصل التأزم بين الجانبين حدا كاد أن يؤدي الى اندلاع الحرب العالمية الأولى بسبب المغرب.

ورافقت كل تلك التسويات تصريحات متكررة بأن الدول الأوربية معنية فقط بأن «يسود الأمن والازدهار في المغرب»، وأن يتمكن هذا البلد من إنجاز إصلاحات في دواليب إدارته. وسجلت اتفاقات التسوية التي تم بمقتضاها تبادل إطلاق اليد بين المتنافسين الرئيسيين، أن محور الاهتمام «مساعدة المغرب على اتخاذ إصلاحات إدارية وقانونية وعسكرية وكذلك في التعليم والاقتصاد والمالية».

وحرصت فرنسا علي ان تعترف لها الشرعية الدولية بأن يكون لها الحق وحدها في «تقديم المساعدات للمغرب». ونص الاتفاق الإنكليزي الفرنسي صراحة على «احترام كيان الدولة المغربية وسلامة أراضيها وعدم الرغبة في تغيير الوضع السياسي بها».

أي أن كل ما حفلت به التصريحات العلنية التي كان يتم الإدلاء بها في البرلمانات كان نقيضا بشكل جذري لما عملت له في الخفاء تلك الدول المتنافسة على إلحاق المغرب بركب القرن العشرين ومساعدته على إصلاح أحواله.

إن تلك الصفحة من التاريخ تبين التباسات القاموس السياسي في ذلك الزمان، وتبرز مفارقات تنطق بأن الإصلاح إذا لم يتم بأدوات داخلية حينما يكون الإصلاح ممكنا، يؤول الى عواقب وخيمة تدفع الشعوب فيها ثمنا باهظا. يمكن القول باهظا جدا.

> > >

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال