الجمعـة 28 رجـب 1424 هـ 26 سبتمبر 2003 العدد 9068 الصفحة الرئيسية
 
نجدة فتحي صفوة
مقالات سابقة للكاتب
إبحث في مقالات الكتاب
 
شخصيات عربية حول عبد العزيز

قد لا يكون من المعروف على نطاق واسع ان اول وزير خارجية للملك عبد العزيز آل سعود كان عراقيا هو الدكتور عبد الله الدملوجي. وقد التحق الدملوجي بخدمة الملك عبد العزيز طبيبا خاصا يوم كان اميرا لنجد، ثم اصبح مستشارا له وعهد اليه بادارة الشؤون الخارجية بعد دخول الحجاز. وحضر الدكتور الدملوجي «مؤتمر العقير» في ديسمبر 1922 ووقع «بروتوكول العقير» مع الحكومة العراقية مندوبا عن الملك عبد العزيز. وفي عام 1928 عاد الدملوجي الى العراق، وقررت الحكومة العراقية بعد مدة تعيينه قنصلا عاما للعراق في القاهرة، فلما علم الوزير المفوض البريطاني في جدة بهذا الترشيح ابرق الى حكومته محذرا ان تعيين الدملوجي في منصب عراقي مهم قد يؤدي الى انزعاج الملك عبد العزيز. ولكن جلالته صرح بأنه لا يرغب في اثارة اي اعتراض على تعيين عبد الله الدملوجي في اي منصب عراقي، بل يتمنى الخير والتوفيق للعراق. وكان ذلك من آيات سعة الصدر وبعد النظر والتسامح الذي اتصف به جلالته، بل كان دليلا ساطعا على نظرته العربية الواسعة وان لا فرق لديه في ان يخدم العربي في اي جزء من وطنه الكبير.

ومن الطريف ان الدكتور عبد الله الدملوجي اصبح بعد ذلك وزيرا للخارجية في العراق، ووقع بعض الاتفاقيات مع المملكة العربية السعودية، بصفته الجديدة، وهذه حالة فريدة في تاريخ العلاقات الدبلوماسية، ان يكون شخص واحد وزيرا للخارجية في قطرين مختلفين، ويوقع معاهدتين او اتفاقيتين ممثلا لاحداهما مرة، وللاخرى في الحالة الثانية.

وكانت سياسة الملك عبد العزيز آل سعود ومواقفه المماثلة العديدة طيلة حكمه، مثالا رائعا للنظرة العربية الواسعة وعدم التمييز بين عربي وآخر. فقد كان بين مستشاريه ورجاله المقربين السوري واللبناني والمصري والعراقي والليبي والفلسطيني، وكانوا جميعا يشغلون مناصب مهمة وحساسة، وخاصة في المجال الدبلوماسي. وكانوا جميعا موضع ثقته التامة. وقد خدموه جميعا بكل تفان واخلاص. وهي حالة لم توجد في اي قطر عربي آخر الا في اندر الاحايين وعلى نطاق صغير.

وكان من ابرز رجاله العرب الشيخ يوسف ياسين الذي كان من اقرب مستشاريه الدبلوماسيين لمدة طويلة. وهو سوري من اللاذقية، وكان في البداية محررا لجريدة «ام القرى» التي كانت اول جريدة رسمية تصدر في المملكة العربية السعودية ـ ثم اصبح وزيرا للدولة للشؤون الخارجية ونائبا لوزير الخارجية.

ومنهم فؤاد حمزة (الدرزي اللبناني) المنافس الرئيسي ليوسف ياسين في وزارة الخارجية وكان نائبا لوزير الخارجية ثم سفيرا للمملكة العربية السعودية في باريس. ومنهم بشير السعداوي الليبي الذي كان احد مستشاريه المقربين. وحافظ وهبة المصري الذي كان سفير جلالته في لندن لمدة تقارب الثلاثين عاما.

ومنهم جمال الحسيني الفلسطيني، وفؤاد الخطيب الشاعر الكبير ووزير خارجية الحجاز السابق في عهد الملك حسين، وقد قربه الملك عبد العزيز وعينه سفيرا له في افغانستان، المنصب الذي شغله حتى وفاته.

ولما هرب رشيد عالي الكيلاني من المانيا بعد اندحارها في الحرب العالمية الثانية، لجأ الى الملك عبد العزيز، فرحب به واكرم وفادته وجعله من مستشاريه المقربين. وعلى الرغم من مطالبة الحكومتين البريطانية والعراقية والحاحهما على تسليمه، رفض اباؤه ان يسلمه، واجاب انه يفضل تسليم احد ابنائه، على تسليم شخص التجأ الى ساحته.

وكان من رجال الملك عبد العزيز المقربين الذين شغلوا مناصب دبلوماسية رفيعة الشاعر الاديب المؤرخ السوري خير الدين الزركلي الذي كان وكيلا لوزارة الخارجية وسفيرا للسعودية في المغرب، وممثلا لها في جامعة الدول العربية. ومنهم طاهر رضوان السوري وكيل وزارة الخارجية وممثل السعودية في جامعة الدول العربية، ومنهم اسعد الفقيه الدرزي اللبناني سفيرها في بغداد ثم في واشنطن، ومنهم حمدي بك، العراقي الذي كان مديراً للامن العام لمدة طويلة. وموفق الآلوسي العراقي الذي كان سفيرا للمملكة في روما، والدكتور مدحت شيخ الارض، الطبيب الخاص للملك عبد العزيز والسفير في مدريد وبرن وباريس. والدكتور رشاد فرعون الذي كان من الرعيل الثاني في خدمة الملك عبد العزيز، وكان طبيبه الخاص الى جانب طبيبه الاول مدحت شيخ الارض، وبعد وفاة جلالته عين سفيرا في باريس ثم وزيرا للصحة. ومنهم توفيق حمزة الوزير المفوض في انقرة وفخري شيخ الارض، القنصل في البصرة والوزير المفوض في اندونيسيا ثم في النمسا، ثم في المغرب. ومن مستشاري جلالته ايضا خالد القرقني الليبي. ولا شك ان هناك آخرين فاتتني اسماؤهم.

وقد اتيح لي، خلال عملي الدبلوماسي في جدة، قائما باعمال المفوضية العراقية فيها، ان احظى بمقابلة الملك عبد العزيز في سنة 1952 وقبل وفاته بمدة قصيرة، فوجدته شخصا مهيب الطلعة، فارع الطول، ضخم اليدين، كريم النفس، ذا ابتسامة ابوية آسرة، وقد تمثلت فيه الخصال العربية الاصيلة، شديد التمسك بالاسلام بدون تعصب، متفتح الذهن، سريع البديهة واسع الافق. وكان متابعا لاحداث العالم، حريصا على مصالح بلاده وامنه ودينه، وكان لقاء تاريخيا اعتز بذكراه كل اعتزاز.

كان الملك عبد العزيز رجل دولة بل صانع دولة من طراز فريد في تاريخ الامة العربية. وقد عاصر في حياته الحافلة اخطر الاحداث العربية والعالمية، شهد الحرب العالمية الاولى، وسقوط الدولة العثمانية واقتسام دول الحلفاء الاقطار العربية التي كانت تابعة لها، وموجات الاستعمار التي اجتاحت العالم العربي والاسلامي بأسماء مختلفة، كالحماية والانتداب والمعاهدات غير المتكافئة، وعاصر الثورة البلشفية في روسيا، والانجازات العلمية الغربية، وبوادر الانفتاح العربي على الحضارة الغربية، فشجع على اخذ المفيد منها وما لا يناقض تقاليده العربية والاسلامية، وحظي باحترام زعماء العالم، وخدم القضايا العربية، ووقف من قضية فلسطين موقفا لا تهاون فيه، فلم يتساهل، ولم يفاوض، ولم يسالم. وحين اشار الرئيس الاميركي روزفلت في لقائه معه الى ما عاناه اليهود في المانيا قال له بصراحة وبساطة ان العرب ليسوا مسؤولين عن ذلك وان المانيا هي التي يجب ان تتحمل تبعته، اذ ليس للعرب ذنب في معاناتهم لكن يطالبوا بالتنازل عن جزء عزيز من وطنهم لتعويضهم عما اصابهم. وقد صرّح روزفلت بعد لقائه معه انه تعلم خلال نصف ساعة من حديثه مع الملك عبد العزيز عن قضية فلسطين اكثر مما تعلمه من عشرات التقارير والكتب التي قرأها خلال سنوات طويلة.

رحمه الله رحمة واسعة في ذكرى الكيان الذي بناه بدهائه وحكمته واخلاصه لأمته.

> > >

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال