الاحـد 04 شـوال 1421 هـ 31 ديسمبر 2000 العدد 8069 الصفحة الرئيسية
 
جمال البنا
مقالات سابقة للكاتب
إبحث في مقالات الكتاب
 
الشيخ الوالد.. من شمشيرة إلى الإسكندرية ـ 1
اذا كان النجاح الذي رزقه الامام البنا رحمه الله يعود الى ايمانه ونبوغه وتوفيق الله، فإن من اكبر اسباب هذا التوفيق التنشئة الاسلامية السليمة التي نشأ عليها السيد الوالد رحمه الله. ولا يقف أثر الوالد عند التنشئة الدينية فلا جدال في ان الابناء يرثون عن آبائهم صفات معينة وقد ورث الامام البنا عن ابيه صفة هي «علو الهمة».

فالوالد نشأ في قرية تدعى شمشيرة كانت احدى قرى مديرية الغربية قديما وهي تتبع الآن محافظة كفر الشيخ وهي قرية صغيرة ولكنها تلامس شاطئ النيل عندما يقترب من مصبه (فرع رشيد) فيكون واسعا متدفقا كالبحر وكانت اسرة الوالد من الفلاحين الذين يملكون قراريطاً محدودة يكدحون فيها، ولكن هذه القراريط الضئيلة اتسعت الى بضعة فدادين بفضل همة والد الوالد الشيخ عبدالرحمن ونجله الاكبر محمد، اذ استصلحاها من الاراضي البور التي كانت متاحة وقتئذ معتمدين في هذا على سواعدهما، وكان المأمول ان يساعدهما في هذا الابن «احمد» الذي كان يصغر محمد ولكن الله تعالى قدر لاحمد الصغير ان يحرث في ارض اخرى.. وفي مجال آخر ويتناقل افراد الاسرة ان امه حلمت بمولده وامرها من بشرها بذلك ان تسميه احمد وان تدخله الكتاب وتنذره للعلم، وسواء صدقت الرواية او لم تصدق فإن هذا هو ما حدث فعلا فلم يحمل احمد الفأس على كتفه ولكنه حمل القلم في يده.

في الرابعة من عمره ذهب به ابوه الى الكتاب، وقبل شيخ الكتاب او كما يطلقون عليه في قرى مصر (سيدنا) الطفل رغم ان سنه كان اقل ممن يذهب الى الكتاب عادة، ويذكر الشقيق الاستاذ عبد الرحمن ان اسمه كان الشيخ محمد ابو رفاعي و «كان كفيفا تقيا يفيض وجهه اشراقا وبشرا» فحفظ القرآن على يديه وتعلم احكام التجويد ونمت بسرعة مدارك الصبي، ومع تقدمه في الدراسة كانت فكرة العمل الذي يمكن ان يمارسه من دون ان ينقطع عن العلم والمذاكرة تشغله، بعد ان استبعد طبعا العمل في الزراعة الذي لا يترك له وقتا او جهدا، وفكر في ان يجعل من هوايته صناعة، وكانت تلك الهواية هي تصليح الساعات وهي هواية غريبة في هذه القرية الصغيرة.

وكانت الساعات وقتئذ كبيرة الحجم تثبت على المعصم ولكن تحفظ في الجيب بسلسلة، وكان لبعضها غلاف معدني اذا ضغط على زر انفتح وظهرت «المينا» البيضاء للساعة وارقامها، بل كان لبعضها مفتاح لطيف صغير لملأ «الزمبلك».

وكان قد ذهب في احدى المرات الى «مطوبس» ليصلح ساعة عند صانع كان يحضر مطوبس يوم السوق ـ يوم الخميس. تطورت الى صداقة ادت به لان يذهب الى رشيد ليتلقى اصول الصنعة على صانع محترف في دكانه. ولكن مهارة الصانع لم ترضه، وفي احدى المرات كان يصلي بالمسجد والتقى بعد الصلاة بإمام المسجد الشيخ احمد الجارم وكان رجلا ذا مروءة. فأخبره بقصته وانه يريد ان يجمع بين العلم والعمل، وانه لم يجد طلبه لدى صانع رشيد فطيب الشيخ خاطره وارشده الى محل كبير للساعات في الاسكندرية يملكه الحاج محمد سلطان واعطاه توصية له، كما عرفه ان بالاسكندرية جامع الشيخ ابراهيم باشا، وهو في الاسكندرية كالازهر في القاهرة، وبهذا يمكنه مواصلة علومه واستكمال حرفته.

وعاد الفتى الى شمشيرة، وقد عقد العزم على السفر الى الاسكندرية وعارض ذلك اخوه الاكبر، ولكن اباه قبل وتحمست امه، وكانت من اسرة علم ودين وكان ابوها صالحا تقيا، واخوها فقيها يحفظ القرآن ويظفر بتقدير واحترام اهل قريته «سنديون» وهيأت له امه «الزوادة» التي تكفيه حتى ينظم اموره.

> > >

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال