الثلاثـاء 20 شـوال 1421 هـ 16 يناير 2001 العدد 8085 الصفحة الرئيسية
 
حاتم البطيوي
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
مذكرات بوطالب «16» ــ في قمة الرباط كان الملك حسين يرى أن الضفة الغربية من يده خرجت وإليها يجب أن تعود ليتفق بشأنها مع الفلسطينيين
يواصل عبد الهادي بوطالب السياسي المغربي المعروف في هذه الحلقة الحديث عن المسيرة الخضراء والموقف الاميركي منها. كما يكشف عن معلومات تخص اللوازم اللوجيستيكية التي تطلبتها المسيرة.

ويعود بوطالب الى سنة 1974 للحديث عن احتضان الرباط لمؤتمر القمة العربي الذي تميز بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل وحيد وشرعي للشعب الفلسطيني. كما يتحدث بوطالب عن تكوين الملك لمؤسسة «المستشارية» التي ضمت اربعة مستشارين كان بوطالب واحداً منهم.

* بعد تنظيم المسيرة الخضراء كيف مضت الأمور مع الأميركيين؟

ـ أصبحت عادية. ولم يكن لهم أي اعتراض وانتهى عندهم هاجس التخوف على حليفتهم إسبانيا بعد أن وقعت على اتفاقية مدريد.

* عام 1974 زار هنري كيسنجر وزير الخارجية الاميركي الرباط. فماذا كان الهدف من تلك الزيارة؟ وكيف كانت علاقتك معه أثناء ممارستك مهام السفير في واشنطن؟

ـ كيسنجر كان يمارس الدبلوماسية المتحركة. ومن الصعب أن يُحصى له كم مرة ذهب الى المشرق لتسوية النزاع العربي ـ الإسرائيلي وتَنقَّل بين عواصم المنطقة. لقد كان طاقة حية من العمل الدؤوب المتواصل. وزيارته للمغرب آنذاك كانت تدخل ضمن هذه التحركات. وكان يهمه أن يطَّلع على رأي الملك الحسن الثاني حول تعاطيه مع مشكلة النزاع العربي ـ الإسرائيلي ويتزود بنصائحه.

وكان كيسنجر قد زار الملك الحسن الثاني خلال شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 1974 حيث كان المغرب أثناءها قد قدم طلب اعتمادي سفيرا بواشنطن، ووصل الرد الأميركي بالقبول على طلب الاعتماد إلى الخارجية بعد يومين أو ثلاثة قبيل زيارته فدعاني الملك للحضور إلى القصر الملكي يوم زيارته. وبعد مباحثات جرت بينهما على انفراد قدَّمني الملك له بكلمات ثناء وتنويه. فكان رد كيسنجر: «أنا في انتظار وصوله إلى واشنطن». وكان تقديمي من لدن الملك إلى كيسنجر مفتاح نجاحي لأن الملك الحسن الثاني كان كريما بحقي ومؤكدا عليه لمساعدتي وتسهيل مهمتي.

* بعد انتهاء المسيرة الخضراء، أصبحت قضية الصحراء متنازَعا فيها في الأمم المتحدة فكيف تعامل المغرب مع هذا الـمُسْتَجَدّ؟

ـ كان توجه الموقف الجزائري بشأن الصحراء مفاجئا ومخيبا للآمال حيث أصبحت الجزائر تؤيد جبهة البوليساريو، وتعتبر أن مشكلة الصحراء لم تحل بالاتفاقية الثلاثية في مدريد. وقدِم عبد العزيز بوتفليقة وزير خارجية الجزائر آنذاك إلى نيويورك ليتصل بالسلك الدبلوماسي العربي المعتمَد لدى الأمم المتحدة ويُطلعه على موقف الجزائر. ولما علم الملك الحسن الثاني بقرب انعقاد هذا الاجتماع طلب أن يكون المغرب حاضرا فيه حتى يعرض أيضا وجهة نظره. وبدت رغبة الملك وكأنها طلب للتحكيم لكن لم يكن ذلك من طبيعة هذا الاجتماع فقرر الملك أن أواجه في هذا الاجتماع الوزير الجزائري.

كنت ما أزال سفيرا في واشنطن في حين كان الدكتور أحمد العراقي وزير الخارجية المغربي موجودا في نيويورك هو وإدريس السلاوي مندوب المغرب لدى الأمم المتحدة. وحسب معلوماتي فإن الملك الحسن الثاني قال: «لا يمكن أن يقابل بوتفليقة في هذه المناظرة الجدلية التي ستجري أمام ممثلي الدول العربية بنيويورك إلا عبد الهادي بوطالب». وحضرت اللقاء، وكان قريبا بجانبي كل من السيدين العراقي والسلاوي. وكانت المساجلة مع بوتفليقة من أكبر المساجلات السياسية التي قمت بها في حياتي، إذ أخذت الكلمة بعد الوزير الجزائري لأرد عليه وشرحت خلالها تأصل مغربية الصحراء في جذور التاريخ والمراحل التاريخية التي مرت بها قضية تحريرها من الاستعمار الاسباني بدءا من قرار محكمة العدل الدولية بلاهاي المعترِف بحق المغرب في الصحراء، وتقديم الصحراويين البيعةَ للملك، وتنظيم المسيرة الخضراء واتفاقية مدريد.

وكان بوتفليقة قد تقدمني للحديث فدافع عن وجهة نظر بلاده، ثم عقَّب على مداخلتي وكان مجاملا ومتودِّدا إلي وتحدث عن ذكرياتنا المشتركة عندما كنت وزيرا لخارجية المغرب.

* قيل الكثير عن المسيرة الخضراء وعن تنظيمها وبدايتها. فهل هناك أشياء تتعلق بها ظلت طي الكتمان؟

ـ أريد أن أضيف بعض الأشياء غير المعروفة من الكثيرين. فقد اشتغلت على هذا الملف للإطلاع على حقيقة ماجريات المسيرة الخضراء، واطَّلعت على وثائق لم يُكشَف عنها أعدتها القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية عن تنظيمها لها وجاءت فيها تفاصيل عن أعداد من ساروا في المسيرة وتفاصيل أخرى عن تنظيماتها ووقائعها.

لقد قيل عنها إنها كانت مسيرة 350 ألف شخص، وعرفت أن الذين شاركوا فيها بلغ عددهم 524 ألف شخص. وفي البداية تـمَّ فتح باب التطوع ووصل عدد المتطوعين إلى ما يناهز 3 ملايين متطوع ثم وقع التفكير في اختصارها إلى مليون وأخيرا إلى حصرها في 524 ألفا. وكان الملك الحسن الثاني أمر أن يشارك في المسيرة جميع فصائل الشعب المغربي من مختلف مدنه وقراه. كما فُتح الباب لمساهمة الوفود التي تأتي من البلدان الشقيقة والصديقة. فكان هناك متطوعون من السعودية والعراق وقطر والكويت والأردن ولبنان والسودان وسلطنة عمان والغابون. ومتطوعون من الولايات المتحدة لا ينتمون إلى هيئة حكومية. وكانوا ضد الاستعمار ومن أنصار التحرير. وكان الكل يرفع علم بلاده.

هذا التأطير البشري كان يتطلب أيضا تنظيما ماديا مُحْكَما. فالملك الذي استوحى تنظيم المسيرة من عبقريته وتفكيره فكر في مساهمة الجيش الملكي في تنظيمها واختار ثلاثة ضباط هم المقدَّم عبد العزيز بناني، (الآن جنرال قائد المنطقة العسكرية المغربية الجنوبية) والمقدَّم محمد الزَيَّاتي، والمقدَّم محمد أَشَهْبار (كان أمينا عاما لوزارة الدفاع إلى أن تقاعد منذ سنوات). وهؤلاء الثلاثة كانوا عضد الملك الذين سهروا على تنظيم المسيرة. وسهر على تأطير المشاركين في كل عمالة (محافظة) عون من أعوان وزارة الداخلية (قواد وباشوات). وتألفت المسيرة من وحدات كانت كل واحدة منها تتوفر على ما هي في حاجة إليه لتسير باستقلال عن الوحدات الأخرى لكن في التحام كامل بينها. وقام تأطير المسيرة على ثلاث ركائز هي:

1 ـ وُضِع على رأس كل قبيلة رئيس فيها يعرف أعضاء قبيلته.

2 ـ وُضِع قائد (حاكم قرية أو مقاطعة في المدينة) ومعه 5 شيوخ (مخاتير) للإشراف على تأطير 2500 مشارك لا أكثر. وبلغ عدد هؤلاء المؤطِّرين 165 قائدا و592 شيخا.

3 ـ عُهد إلى 150 ضابطا و5 نواب ضباط بأن يتولوا الإشراف على كل وحدة من وحدات الجيش. كما فكر الملك في أخذ كافة الاحتياطات فوضع حول المسيرة سياجا بشريا يتكوَّن من رجال الأمن المدنيين حتى لا يتسرب إليها من ليس مسجلا في لوائحها وحتى لا تقع فوضى داخلها. وكان أفراد الأمن يُؤطِّرون المشاركين من دون أن يحس بهم أحد. كان عددهم قليلا إلا أن حضورهم كان ضروريا.

وقبل انطلاق المسيرة وخلال الأيام التي فصلت بينها وبين دعوة الملك إلى فتح باب التسجيل تلقى المؤَطِّرون تكوينا سريعا لُقِّنوا فيه دروسا في التوعية التربوية السياسية وكيفية المخاطبة والتعامل مع المشاركين في المسيرة، ودُرِّبوا على تقنية استعمال الكثير من الأدوات التي سيحتاجونها. كما كان في المسيرة فقهاء وحفظة القرآن وكلهم تلقوا تكوينا روحيا وخلقيا من لدن أئمة مساجد المغرب المؤهَّلين.

وحمل المشاركون في المسيرة المصاحف في إشارة إلى السِّلْم، وأن المغرب ليس بصدد القيام بغزوة من الغزوات. وتم طبع 500 ألف نسخة ووُزِّعت على المشاركين. وجميع هذه الاستعدادات تمت في ظرف 18 يوما لا غير. وبوشر تعبيد طريقين: الأول يمتد من طان طان إلى طرفاية والثاني من طرفاية إلى آخر نقطة متاخِمة لحدود الصحراء المستعمَرة من طرف إسبانيا وتسمّى «طاح». وبلغت مساحة هذين الطريقَيْن 100 كلم تم تعبيدهما في ظرف 18 يوما فقط.

ومن حيث اللوازم السَّوْقية «اللوجيستيكية»، كانت هناك 12 ألف شاحنة و113 قطارا تنقل المتطوعين من جهاتهم التي يقطنون فيها إلى مراكش، ومنها يُنقَلون إلى طرفاية على متن الشاحنات.

وحُدِّدت ثلاث وجبات يومية لإطعام كل واحد من المشاركين والمشاركات. وحرص الملك الحسن الثاني على أن تتكوَّن هذه الوجبات في مجموعها من 3200 وحدة حرارية، أي بمعدَّل أكثر من 1000 وحدة حرارية في كل وجبة، و10 لترات من الماء الصالح للشرب لكل فرد. وبلغ مجموع المياه التي زُوِّدت بها المسيرة خمسة ملايين من اللترات، كما زُوّدت المسيرة بــ 400 ألف بطَّانية و 400 ألف من أدوات الأكل (معالق وسكاكين وصحون ومناديل) و20 ألف براد للشاي ومثلها للقهوة، وعشرات الآلاف من مختلف القُدور التي يُطبخ فيها الأكل، و 10 آلاف مفتاح للقوارير المستعملة في الشرب، وصينيات للشاي من مختلف الأحجام والأشكال. وأُتِي من كل جهة من جهات المغرب بطباخين يتقنون الطبخ المعروف في النواحي التي يقطُن بها المشاركون حتى لا يُحسَّ أحد بأنه خرج من بيته وتغير عليه لون الطعام الذي تَعَوَّد عليه. كانت المسيرة تتوفر على 15 طنا من الشموع، و 15 طنا من الصابون، و4500 طن من «الفرينا» المشحونة في أكياسها، و9 ملايين من عُلَب الحليب، و2500 طن من قوالب السكر، و2500 طن من الزيت، و1500 طن من سمك التونة (الطون)، و1500 طن من سمك السردين المعلَّب، و900 طن من التمور، و1500 طن من عُلب الدخان، (السجائر) و17 مليون ليترا من المحروقات. وزُوِّدت المسيرة بوحدات طبية على أساس وحدة طبية لكل 5 آلاف متطوِّع، و200 سيارة إسعاف ومستشفيات متنقلة بحيث يستقبل كلُّ مستشفى 4500 مريض.

لقد حقق الملك الحسن الثاني في المسيرة الخضراء جميع مقاصده. وكان يريد أن يضغط بها ضغطا معنويا شعبيا على إسبانيا لتدخل معه في مفاوضات. ولما كان الملك الحسن الثاني يتقن فن التوفيق بين المتناقضات أو الخيارات التي لا يمكن لغيره التوفيق بينها فإنه بمجرد ما وجد الاستعداد من إسبانيا بوعد قطعته على نفسها لإرجاع الصحراء وضع ثقته في ذلك الوعد وطلب من المسيرة أن ترجع، وتم التوقيع على معاهدة مدريد الثلاثية.

* في عام 1974 انعقد مؤتمر القمة العربية في الرباط وفيه تم الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني فماذا تذكرون عن هذه القمة؟

ـ حينما انعقدت هذه القمة كنت خارج العمل الحكومي وكان ذلك قبل ذهابي سفيرا إلى واشنطن. لكنني علمت أن هذه الفترة كانت فترة تعاون بين الدولتين وكانت الجزائر هي التي كانت تسعى إلى التقرب للمغرب وكان ذلك قبل تنظيم المسيرة الخضراء.

* التقرب على أي أساس؟ ـ في هذه الفترة لم تعد الجزائر تعتقد بجدوى استمرار تجربة المغرب العربي. وكانت تريد أن تستقطب إلى جانبها كبرى الدول في مجموعة المغرب العربي أي المغرب، خاصة بعد أن تمت لصالحها تسوية الحدود (التي سبق لي الحديث عنها). وهذه الفترة يمكن أن نسميها شهور العسل بين الرئيس بومدين والملك الحسن الثاني، فمنذ أن انتهت قضية الحدود أخذت العلاقات بينهما تتقوَّى والمشاورات تجري عبر الاتصال الهاتفي المباشر أو عبر مبعوثين خاصين. وقد راهنت الجزائر على أن تضع يدها في يد المغرب لإقامة المغرب الثنائي في انتظار إقامة المغرب الخماسي.

وعندما انعقدت القمة كانت هناك مشكلة الفلسطينيين الذين طلبوا من الملك الحسن الثاني أن يتدخل لدى الملك حسين ليرفع يده عن الضفة الغربية. وكانت للملك حسين وجهة نظر خاصة. كان يرى أن قرار مجلس الأمن 242 يتحدث عن انسحاب إسرائيل من الأراضي التي كانت احتلتها بعد 1967 ومن بينها الضفة الغربية والقدس، وكان يفهم من القرار أن الأمر يتعلق باحتلال أراضي دول أعضاء في الأمم المتحدة: مصر والأردن وسورية كانت الأراضي العربية المحتلة تحت سلطتها عند قيام حرب 1967 . الملك حسين كان يقول بعدم إثارة هذا الموضوع في القمة، ويرى أن يبقى هو المخاطَب والمفاوِض مع إسرائيل والمجتمع الدولي إلى أن تنسحب إسرائيل من الضفة الغربية والقدس الشرقية. لم يلتزم الملك حسين رسميا بأن الأرض ستعود إلى الفلسطينيين، لكنه كان يبدي كل استعداد للنظر في هذا الموضوع بعد أن يكون هو الذي أنهاه. فهذه الأرض من يده خرجت وإلى يده يجب أن تعود ليُتفق بشأنها مع الفلسطينيين في ما بعد. كانت للملك حسين وجهة نظر يمكن فهمها، هي أن المفاوضات كان يمكن أن تكون لو جرت حول استرجاع أراضي دول وليست على أراضي شعب لم يكن يحكمها قبل حرب 1967 بل كانت تحت سلطة الأردن. وفعلا فإن إسرائيل لوَّحت مرارا إلى أن من حقها ألاّ تُرجِع هذه الأراضي كلها إلى فلسطين لأنها استولت عليها وهي تحت حكم الأردن، وأن القرار 242 لا ينطبق عليها.

إلا أن الملك الحسن الثاني بما كان له من تعلق كبير وإيمان بعدالة القضية الفلسطينية وبتحرير الشعب الفلسطيني وبحقه في أن تكون له دولته المستقلة، أخذ بوجهة نظر منظمة التحرير الفلسطينية ووضع ثقله كاملا ليحمل الملك حسين على تغيير موقفه. والمغرب هو الذي هيأ مشروع القرار الذي جاء فيه النص على أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الوحيد والشرعي للشعب الفلسطيني. كما أن غالبية الدول العربية كانت تؤيد منظمة التحرير لأنها كانت تدافع عن قضية عادلة وكانت المنظمة مهيبة الجانب بل كانت بعض دول المنطقة تخشى من شعبيتها على نظمها. ولاحظ الملك حسين أن التيار السائد لم يكن مع أطروحته. وإرضاء لأخيه الملك الحسن الثاني وبعد تشاور بينهما بادر إلى الموافقة على قرار الاعتراف بمنظمة التحرير الممثل الوحيد والشرعي للشعب الفلسطيني. وكان في ذلك شهما كريما كعادته. وأريد أن أضيف أنه قبل إثارة هذا الموضوع في القمة كان هناك تنسيق بين الملك الحسن الثاني والرئيس بومدين الذي كان متحمسا للوصول في هذه القمة إلى وضوح الرؤية حول الأراضي المحتلة.

* في السياق نفسه، يقول محمد حسنين هيكل إنه سمع معارضة هذا المشروع من الرئيس محمد أنور السادات وهنري كيسنجر، الأمر الذي جعل قرار الملك الحسن الثاني لغزا غير مفهوم في حينه، باعتبار أن المعارضين للمشروع هي الأطراف التي كان ينبغي للملك الحسن الثاني التنسيق معها؟

ـ ما يمكن أن أقوله في هذا الصدد انه عندما طُرح الموضوع لم تتحفظ عليه مصر ولم تعارضه ولم يبرز في هذا المؤتمر هذا الصدى الذي يردده السيد هيكل. وربما كان ما قاله الكاتب المصري واردا في السياسة المصرية قبل عقد القمة وتغير موقف مصر أثناءها.

* إذن كيف تفسر حماس الملك الحسن الثاني لهذا المشروع لدرجة أنه هدد بمغادرة قاعة المؤتمر؟

ـ كان الملك الحسن الثاني متحمسا للقضية الفلسطينية فوضع يده في يد منظمة التحرير الفلسطينية بإخلاص وساعدها بقوة. وكان يعرف أن الأراضي الفلسطينية ضُمّت إلى المملكة الأردنية يوم 24 أبريل ( نيسان) 1950 في عهد الملك عبد الله المؤسس للمملكة الأردنية. وكان يريد أن يصحح الوضع ويُرجِع عقارب ساعة التاريخ إلى الوراء. ولا يمكن القول إن الملك الحسن الثاني هدد بمغادرة القاعة وهو رئيس القمة ومُضيفها. فهذا تصرف لا يقوم به رئيس القمة وخاصة في بلاده. والحسن الثاني كان دائما حريصا على إنجاح القِمم التي تعقد في المغرب. وكان يدير جلسات القمم بأعصاب هادئة ويتودد إلى الحاضرين بأسلوبه الخاص.

* بعد المسيرة الخضراء بدا الملك الحسن الثاني في أوج قوَّته في الحكم. إلى أي مدى ساهمت المسيرة في ترسيخ هذا الوصف؟ ـ مما لا شك فيه أن صورة الملك بعد المسيرة أصبحت أكثر إشراقا، ذلك أن الشعوب دائما تلتف حول قادتها الناجحين ولا تغفر للفاشلين كما يقول الشاعر العربي: والناس من يلْقَ خيرا قائلون له ما يشتهي ولأم المخطئ الـهَـبَل مما لا شك فيه أن انتصار المسيرة الخضراء كان انتصار الملك الشخصي مثلما كان انتصار المغرب، وأن صفاته «الكاريسماتية» ازدادت تألقا. فقد أصبح يُذكَر باسم الملك محرِّر الصحراء، أو الملك المحرِّر. والملك الحسن الثاني كان يعلم أنه لو انهزم في المسيرة الخضراء أو أثبت عنه أنه قام بحركة طائشة أو انتحارية لكان من واجبه أن يتنازل عن العرش. وقد قال لنا ذلك مرارا. لكن أكاليل الظفر حَفَّت به من كل جانب، واستطاع أن يحل المشكلة بالطريقة التي خطط لها وانتهت إلى النهاية التي كان يرجوها. وبذلك أصبح مثار إعجاب وتقدير في الداخل والخارج.

كان المغاربة يحبون الملكية لكنهم أصبحوا بعد تحرير الصحراء أكثر حبا لها وتعلقا بها. خصوصا وقد كان يقال إن الملك الحسن الثاني استشار بعض كبار الوطنيين في موضوع المسيرة الخضراء قبل أن يُعلِن عنها وأنهم نصحوه بألاّ يغامر، وتوقعوا الفشل لهذه المغامرة. وهؤلاء الذين كانوا يشكُّون في قدرته على تحقيق هذه المعجزة هم أنفسهم أقروا بعد بلوغها قصدها بأن المسيرة لم تكن فقط نحو الصحراء بل كانت مسيرة عظمى في تاريخ أمجاد المغرب. إذ لا يعرف في تاريخ التحرير من الاستعمار أن أرضا تحررت بأسلوب المسيرة الخضراء وبالسرعة التي تمت بها.

وقد أعطى ذلك كله للملك من جهة أخرى المزيد من الاطمئنان على تعلق شعبه بشخصه وبمؤسسة الملكية التي أصبح الشعب أكثر من كل وقت مضى يقدر رسالتها ويُجمِع على أنها تؤدي دورا تاريخيا لا يمكن الاستغناء عنه لكن المسيرة لم تكن نهاية فقد راهن الملك على توفير مستقبل زاهر للصحراء حافل بالرفاهية والتقدم. وأنفق المغرب على صحرائه بدون حساب، وتحولت أرض الصحراء من رَبْع خال إلى مدن تغيرت فيها ظروف العيش، وأصبحت بعض مدنها مجهزة بما لا تتوفر عليه الأقاليم المغربية الأخرى. لقد راهن الملك على تحقيق إنجاز واقع جديد وسعيد للصحراويين ونجح في رهانه.

* أكدتَ في حديثك الآن ما كان نُسب إلى الملك من أنه قال لو فشلت المسيرة لاعتزلت الحكم. فهل سبق أن فكر الملك في اعتزال الحكم في ظروف أخرى لا يعرفها الناس؟ ـ لا أعلم شيئا عن هذا ولا أعتقد أنه حصل. وحينما تحدث عن اعتزال الحكم لو فشلت المسيرة فليس لأنه كان يفكر فيه بل ربما قال ذلك مُتأسِّيا بالحكمة القائلة «إن الفاشلين لا يستحقون أن يحكموا». وعندما حقق النجاح كان في منتهى الراحة والسعادة.

* بعد عودتك من واشنطن، عـُـيّنتَ مستشارا للملك الحسن الثاني، وبقيتَ في هذا المنصب حتى عام .1978 فهل لك أن تحدثنا عن مؤسسة «المستشارية» في القصر الملكي المغربي؟ ـ عندما استُدْعِيت من لدن جلالة الملك لأكون أحد مستشاريه الأربعة: أحمد رضا كديرة، وإدريس السلاوي، وأحمد بن سودة، وعبد الهادي بوطالب لم أكن أعرف طبيعة المهمة الجديدة فقال لنا الملك: «ستكونون مستشارين لي بالديوان الملكي. ودعوني أشرح لكم شروط اختيار المستشار والمؤهلات التي يجب أن تتوفر له ليشغل عن جدارة هذا المنصب الكبير. أنا لا أختار مستشارا لي إلا من تقلب في وظائف وزارية كبرى ونجح فيها، وإلا من يتوفر على التكوين السياسي لرجل الدولة. والمستشارون هم خُلَصائي وجلسائي المقرَّبون إليَّ، فلا أختارهم إلا من بين الذين يعرفونني ويعرفون توجهاتي وممن لا يضايقني أن أستقبلهم ولو في غرفة نومي وحتى من دون أن أكون قد غادرت الفراش». وأفاض الملك في شرح المهمات التي تنتظرنا.

وبعد أن انتهى من كلامه، سأله كديرة: «نحن يا جلالة الملك مستشارون لكم أم مستشارون في الديوان الملكي؟». فكان جواب الملك: «الأمر عندي سيّان». فعلق كديرة قائلا: «لا يا جلالة الملك، إذا كنا مستشارين في الديوان الملكي فإننا لا نعرف العمل الذي سنقوم به، لأن بالديوان الملكي موظفين سامين يقومون بمهامه، بل يوجد به حتى من هم في رتبة وزراء». فحسم الملك وقطع حديث كديرة قائلا: «أقصد مستشار الملك».

الملك الحسن الثاني حين يتحدث في مجلسه الخاص لم يكن يقول عن نفسه جلالة الملك، بل يقتصر على كلمة مستشار الملك. وأذكر مرة أنني نعَيـْت إليه بالهاتف صديقي المرحوم علي الكتاني يوم وفاته وهو رجل أعمال بالدار البيضاء، ولي معه علاقة مصاهرة، فقلت لجلالته: «إني أخبر جلالتكم بوفاته لما أعلمه من قرب الراحل منكم وتعلقه بكم. ولما قدمه للبلاد من خدمات من موقعه كرجل أعمال». فقال الملك : «أحسنت في ما فعلت». وسألني: «متى سيُدفَن؟». فقلت له: «اليوم عند صلاة الظهر». فقال: «سأبعث لكم ولي العهد ليحضر الجنازة، وصلوا على الراحل في المسجد الأعظم». قلت له: «يا جلالة الملك، ماذا تعنون بالمسجد الأعظم؟». فقال «يا أستاذ أتنتظر مني أن أقول لك مسجد الحسن الثاني؟ إن المساجد لله». لقد كان الملك يتجنب الحديث عن نفسه باسم جلالة الملك. وفي هذه المرة تجنب أن يقول عن المسجد العظيم الذي بناه تحفة رائعة «إنه مسجد الحسن الثاني».

وأعود للحديث عن وظيفة المستشار لأقول إن الملك عندما أعلن للمراسم (التشريفات) الملكية عن تسميتنا أكد على أننا مستشارو جلالته لا مستشارون بالديوان الملكي. والظهائر (المراسم) الملكية التي تَوصَّل بها كل واحد منا جاء فيها وصفنا «بمستشار جلالتنا» رعيا للتقاليد المخزنية.

* وما هي الاختصاصات التي أُنيطت بكل واحد من المستشارين؟ ـ عندما عيَّنَنا جلالته مستشارين عقد جلسة عمل معنا لتحديد اختصاص كل واحد منا. وقال: «مهمتكم أن تتابعوا عمل الوزراء، وتكونوا واسطة بيني وبينهم في ما يبعثونه إلى الديوان الملكي، وتقدموه إليّ مع ملاحظاتكم عليه، وتقترحون عليّ أفكاركم بشأنه لأتخذ القرار على ضوء ذلك». وأردف قائلا: «وليس معنى هذا أنكم ستكوِّنون حِجابا فاصلا بيني وبين الوزراء. وأرجوكم أن تجتمعوا في ما بينكم وتستعرضوا الوزارات التي مرَّ كل واحد منكم بها فيتخصص كلٌّ منكم في الوزارات التي كان على رأسها. وهكذا كان كديرة يشرف على وزارتي الخارجية والداخلية. وإدريس السلاوي على وزارات المالية والاقتصاد والتجارة والصناعة، وأحمد بن سودة على وزارتي الشبيبة والرياضة، والأوقاف والشؤون الإسلامية، وعبد الهادي بوطالب على وزارات العدل والإعلام والتعليم وشؤون البرلمان. وكان أول اجتماع عقده الملك بمحضرنا عندما استقبل الدكتور عز الدين العراقي وزير التربية الوطنية وجاء إليه ببرنامج طموح عن تجهيز مرافق التعليم بوسائل التقنية التكنولوجية الحديثة. فأصدرتُ باسم القصر الملكي أول بيان يتعلق بهذا الموضوع. وأصبحت أكتب البيانات عن نشاطات الملك وألقيها أحيانا في الإذاعة والتلفزيون. كما أصبحت هذه البيانات تتضمن خلاصة ما راج في الاستقبالات الملكية ولا تقتصر على خبر الاستقبال وأسماء الحاضرين. بقي أن أقول إن أول مستشار حُصرت مهمته في قطاع واحد كان هو أندريه أزولاي الذي سماه جلالته «مستشارا مكلفا بالشؤون الاقتصادية». وبعد ذلك أصبح الملك يتجه إلى إحداث رتبة وظيفية باسم مستشار في الديوان لكن لم يخرج ذلك إلى حيز الوجود إلا أنه عندما كان يطلب حضور المستشارين إليه كان يقول للمراسم «نادوا على المستشارين في الديوان» حتى لا يقول نادوا على مستشاري جلالة الملك».

* ماذا يعني مستشار الملك بالضبط؟ ـ لقد سُئلت مرة في برنامج تلفزيوني بالمغرب: «ما معنى المستشار؟» فكان جوابي: «لا يعني المستشار الملكي أن الملك في حاجة إلى أن يستفسر المستشار في كل ما يتخذه من قرارات وتدابير، وأن يطلب منه أن يقول رأيه في الشاذَّة والفاذَّة، أو أن يعمل برأيه في كل شيء. المستشار وظيفة لها معنى لغوي وآخر اصطلاحي. المعنى اللغوي يفهم منه طلب المشورة. أما المعنى الاصطلاحي فهو يعني رجل دولة تتوفر فيه كفاءات وتكون خلفه تجارب واسعة ويستعمله الملك حين يشاء في المهمة التي يراها بتقديره الخاص». وكان جوابي هذا يهدف إلى تصويب ما كان أُشيع ـ وخاصة في عهد حكومة أحمد عصمان الثانية ـ من أن المستشارين الأربعة أصبحوا يؤلفون الحكومة الأرفع قدرا والأكثر اختصاصا والتي تعلو على الحكومة.

كان الوزراء يحضرون إلى مكتب المستشار المختص بوزارتهم ليتناقشوا معه من دون أن يخاطبوا الملك مباشرة. ولكن لم يكن هناك ما يمنعهم من الاتصال بالملك. وكان الملك يطرح مواضيع للنقاش مع المستشارين ويستمع لكل واحد منهم. وكان يأخذ برأي واحد منهم تارة أو يوفق بين الآراء تارة أخرى، وأحيانا كان يبتدع قرارا آخر لا ارتباط له بآراء المستشارين. لذا كنا نقول ـ نحن المستشارين الأربعة ـ إننا لا نمارس الحكم، لأننا لا نمتلك سلطة القرار التي يملكها الوزراء الذين يمضون على القرارات أو بالعطف على المراسيم. كنا بجانب أعلى سلطة في الحكم. وكما كان يقول إدريس المحمدي رحمه الله: «أفضل أن أكون مديرا للديوان الملكي حتى أتكلم في أذن الحكم».

* يقال في العالم العربي: «إن المستشار لا يُستشار. وإذا استُشير فإن رأيه لا يؤخذ بالاعتبار». إلى أي مدى ينطبق ذلك على تجربتكم مع الملك الحسن الثاني؟

ـ هذه القاعدة لو دخلتها النسبية لكانت صالحة بالنسبة لمستشاري الملك: القولُ إن المستشارين لا يُستشارون غير صحيح، والقولُ إنهم إذا استُشيروا لا يُعمل برأيهم غير صحيح كذلك. لأن الملك كان يعمل أحيانا برأيهم ولكن لم يكن المستشارون يُستشارون دائما ولا كان يُعمل برأيهم دائما. وهو ما يخالف القاعدة أو المقولة التي قلتَها. هذه المقولة ربما كانت صالحة في نظم سياسية استبدادية دكتاتورية علما بأن سلطات الاستبداد لا تضع بقربها مستشارين.

* كيف كان الملك الحسن الثاني يتعامل مع الآراء التي لا تُعجبه أو لا تَرُوقه؟

ـ الآراء التي لم تكن تروقه لم يكن يعمل بها. ولكن لم يكن يغضب أو يلوم من يشير إليه بها إلا في السنوات الأخيرة من عمره حيث أصبح يتضايق ممن يخالفه لأنه كان يعاني من مرضه الذي توفي على إثره رحمه الله.

وبخلاف ذلك لم يسبق له أن نهر مستشارا لأنه تقدم إليه برأي مخالف أو عَتَب على مستشار لأنه لم يُقدّم له الرأي الذي يرتأيه هو. وكانت طريقة تقديم الرأي عنده أهم من الرأي نفسه. وإذا كان لأحد مستشاريه مخالفة لسياسة ما فإن القوالب والأشكال التي تُقدَّم بها النصيحة أو الاعتراض تكون هي الحاسمة. لكن في جميع الأحوال لم يكن مقبولا أن يُخِل المستشار بالحُرمة وواجبات التوقير والاحترام. والمفروض في مستشار الملك أن يحسن فن مخاطبة الملك وأن يتحدث إليه بما لا يُحرِجه ولا يُزعِجه، وأن يحسن اختيار الظرف الصالح للتوجه إليه بالرأي الصالح. وإذا كان الملك يثق الثقـــــة الكاملة في المستشار فإنه يتساهل في ما قد يبدو على نصــــح المستشار من خطـــــأ في تقديم رأيه أو في شكل الصيغة التي يخاطبه بها.

* وكيف كانت آنذاك العلاقة بينك وبين المستشارين الآخرين وهم كديرة والسلاوي وبن سودة؟

ـ علاقتنا كانت ممتازة وخاصة في السنوات الأولى. ولكن رغم أننا كنا متساوين في المسؤولية فإن رضا كديرة كان حريصا على أن يتميز عن سائر المستشارين بالاستئثار بكبريات الرتب وبتوسيع دائرة اختصاصاته. لقد كان له حنين إلى أن تعود له سلطته الواسعة عندما كان يجمع بين وظيفة المدير العام للديوان الملكي (أكبر رتبة في الدولة) وبين وزارات السيادة كما أصبحت تُعرَف بهذا الاسم في ما بعد.

* كيف ذلك؟

ـ كان كديرة يطمح إلى أن يكون المستشار الأول أو الخاص للملك. وبعض الصحف الفرنسية أشارت إليه على أنه مستشار الملك الخاص. وهذا ليس صحيحا ولم يقبله الملك قط.

حسب الوثائق القانونية المحدِّدة لاختصاصات كل مستشار. كان المستشارون الأربعة الأولون على قدم المساواة في المسؤولية. لقد كان يحدث أن نتفق على رأي واحد من دون تنسيق سابق أو اتفاق بيننا على موقف واحد قبل أن نجتمع بالملك الحسن الثاني. كلٌّ كان يعمل في مكتبه باستقلالية، لكن كان الملك يخلو أحيانا بصديقيه: كديرة والسلاوي أكثر مما كان يخلو بنا أنا وبن سودة. ويَخصُّهما بالتشاور في بعض قضايا الأمن أو تشكيل الحكومات. بينما كان يخصنا ـ بن سودة وأنا ـ بقضايا العالمين العربي والإسلامي التي أصبحتُ المسؤول الوحيد عنها بعد مرض الأخ بن سودة (شافاه الله)، بالإضافة إلى تحرير رسائل الملك وتوجيهي موفَدا منه أو حاملا رسائله إلى مختلف الملوك والرؤساء. لقد رفضت أن يتكرس التمييز بين المستشارين. وطلبت من الملك أن يسند إليَّ مهمة سامية أخرى أفيد فيها أكثر. وسألني الملك عن سبب ذلك. فقلت له بكل وضوح: «لديك يا جلالة الملك أربعة مستشارين ولكنك تعتمد أكثر على مستشار واحد». ففهم جلالته ما أعني خاصة وقد أضفت: «إنني لا أريد أن أدخل مع أي مستشار في منافسة»، فكان جوابه رحمه الله: «سأسند إليكم منصب الحلُّوفة (الخنزيرة) (وصفها بذلك لصعوبة تسييرها) التي عملتَ فيها سنوات بنجاح وتستطيع أن تقهرها. سأعهد إليك بوزارة الإعلام لكن برتبة وزير الدولة (وزير الدولة في المغرب أكثر درجة من وزير). وبصفتي وزير الدولة أصبحت في رتبة البروتوكول أتقدم المستشارين وآخذ رتبتي بعد الوزير الأول ورئيس مجلس النواب.

عينني الملك وزير دولة في الإعلام وظل يعهد إليّ بنفس المهام التي كنت أقوم بها لما كنت مستشارا له، بل أصبحت لي صلات به أكثر توثقا إذ كان استقباله لي يتم بدون حضور أي مستشار. وبصفتي وزير الدولة في الإعلام رافقت الملك الحسن الثاني في زيارته إلى الولايات المتحدة تلبية لدعوة الرئيس الأميركي آنذاك جيمي كارتر. وكان برفقته أيضا المستشاران كديرة والسلاوي.

* بعد تعيينك على رأس وزارة الدولة في الاعلام يوم 8 نوفمبر (تشرين الثاني). 1978 كيف أصبحت علاقتك بكديرة؟

ـ كنت أعامله كمستشار للملك. لم يكن أي مستشار يتدخل في شؤون وزارة الإعلام. لأن علاقتي بالملك كانت مباشرة. التحقت بصفتي الجديدة بالحكومة التي كان يرأسها أحمد عصمان الذي كان يفهم دوره الذي حدده الملك للوزير الأول. فهو المنسِّق بين الوزراء وليس رئيسا للحكومة. لقد كان الملك يقول بالنسبة لجميع من أولاهم منصب الوزير الأول: «أنا ليس عندي رئيس حكومة. أنا عندي الوزير الأول، أي الرقم الأول في البروتوكول الذي يأخذه في لائحة زملائه الوزراء».

* وكيف كانت علاقتك بعصمان؟

ـ أحمد عصمان رجل دولة مُحـنَّـك لا يمكن إلا أن يُحتَرم لما يتمتع به من دماثة الخلق وحسن العشرة. وعلاقتي به كانت طيبة جدا طيلة المدة التي عملنا فيها معا بمودة واحترام متبادلين. وكنا ـ وهو على رأس الحكومة ـ لا نفترق وننسق بيننا ونلتقي على وجهة النظر الواحدة إلى أن استغنى الملك عن خدماتي في وزارة الدولة للإعلام للأسباب التي سأذكرها لاحقا. وفي نفس الوقت طلب الملك إلى عصمان أن يقدم استقالته.

> > >

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال