الاحـد 15 محـرم 1425 هـ 7 مارس 2004 العدد 9231 الصفحة الرئيسية
 
منى الطحاوي *
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
الحركة النسوية تستحق التشجيع.. لا الإدانة

توصلت عام 1995 الى ان الدعوة الى المساواة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بين الجنسين (فيمينيزم) لا تنتمي الى الغرب فقط. فقد توجهت في ذلك العام من القاهرة الى بكين لحضور المؤتمر العالمي للمرأة الذي عقدته الامم المتحدة، وكان للخلفيات الدينية حضور واضح فيه. لم تكن قناعتي نابعة من انعقاد المؤتمر في حد ذاته وإنما جاءت من التنوع الواسع للنساء اللائي التقيتهن في اجتماع المنظمات غير الحكومية بمدينة هويايرو. شاركت بالطبع مجموعات نسائية من العالم العربي، كما كانت هناك مشاركات من قارتي آسيا وأفريقيا. وكن يدركن جيدا ان النضال من اجل حقوق المرأة لا يزال متواصلا وأن النساء وحدهن هن اللائي سيحصلن على هذه الحقوق من خلال المطالبة بها. كنت ادرك قبل تلك الرحلة الى الصين ان النضال من اجل حقوق المرأة ليس حكرا على الغرب. فقد اجريت مقابلات مع عدد من النساء الشجاعات اللائي قدن هذا النضال في مصر، وهن يواصلن في واقع الامر العمل الذي بدأته رائدات الحركة النسوية مثل هدى شعراوي التي ستسخر اذا قلنا لها ان النضال من اجل حقوق المرأة حكر على الغرب وحده او ان المطالبة بالمساواة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بين الجنسين ظاهرة غريبة على ثقافتنا. مواقف البعض في عالمنا العربي ازاء المطالبة بهذه المساواة يذكرني بقصة طريفة حدثت لي عندما كنت في مؤتمر بكين، فقد استقللت مع بعض الصحافيات سيارة أجرة عائدات من موقع المؤتمر الى الفندق الذي كنا ننزل به. مررنا في طريقنا الى الفندق بساحة تيان آن مين حيث علقت صورة ضخمة للزعيم الصيني الراحل ماوتسي تونغ، وتذكرنا هناك جموع الطلاب والعمال الشجعان الذين وقفوا في مواجهة القوات الصينية في تلك الاحداث. من الذي يمكن ان ينسى صورة ذلك الطالب الصيني الذي كان يقف لوحده أمام دبابة؟ ومن الذي يمكن ان ينسى المئات الذين قتلوا في تلك الاحداث عندما فتحت القوات الصينية النار عليهم؟ لاحظنا خلال مرورنا بأحد جنود حراسة ساحة تيان آن مين وهو يمسك بملاءات بيضاء، لفت هذا المنظر انتباهنا، إلا ان واحدة من الصحافيات شرحت لنا قائلة ان الحكومة الصينية اعطت لكل جندي يعمل في حراسة الساحة مجموعة من الملاءات ظنا من السلطات بأن النساء اللائي جئن لحضور المؤتمر كلهن من السحاقيات المتطرفات اللائي سيتظاهرن في ساحة تيان آن مين ويخلعن ملابسهن. عند ذلك يتعين على الجنود التوجه نحوهن وتغطية اجسادهن العارية بهذه الملاءات البيضاء. ان الحكومة الصينية غير ودودة تجاه حقوق المرأة. فقد ظللنا نسمع لسنوات روايات عن عمليات الاجهاض الاجبارية في ظل التزام الحكومة بسياسة طفل واحد لكل اسرة، اذ كان يجري اجهاض الاجنة لانها انثي او يتم التخلي عنها بعد ولادتها لكي يحاول الزوجان انجاب ولد بدلا من ذلك.ونحن لا نواجه مثل هذه المشكلة في العالم العربي، كما ان اعتقاد الحكومة الصينية ان كل النساء اللائي يعتقدن بالمساواة بين الجنسين سحاقيات هو سوء فهم غير موجود في بلادنا.

ولكن لسوء الحظ هناك العديد في البلاد التي ننتمي اليها في هذا العالم يفضلون نفي وجود أي متاعب او مشاكل نحتاج الى حلها. فهم يعتبرون النظر في مثل هذه المشاكل وحلها مفهوم غربي. ومن المحزن انهم يعتبرون الحاجة للتفتح والنقد الذاتي مفهوم غربي. لماذا فقدنا القدرة على النظر لحياتنا وتحديد الخطأ ومحاولة اصلاحه؟ وربما يحتاج الامر لشخص ما لم يعش على هذه الارض او لم يغادر مسكنه لسنوات طويلة لنفي ان المرأة لا تتمتع بكل حقوقها في العالم العربي.

ولابد من القول ان العديد من جماعات المرأة في بلادنا تناضل بلا كلل لضمان حصول المرأة على هذه الحقوق. وهذه المجموعات لا تتحرك طبقا لأجندة غربية ولا صهيونية ولكن بهدف مساعدة نساء بلادهن. ان جماعات المرأة في العالم العربي تفهم جيدا ان مشاكل نساء بلادهن مختلفة تماما عن مشاكل المرأة في اميركا او بريطانيا او استراليا.ويمكن القول ان جماعات المرأة الغربية تخطئ احيانا. ففي عام 2002 كتبت مقالة لصحيفة «واشنطن بوست» انتقدت فيها جماعة نسوية اميركية تعرف باسم «فيمنست ماجورتي». وبالرغم من ان الجماعة قامت بجهد طيب للفت انظار العالم لاوضاع المرأة الرهيبة في افغانستان في عهد طالبان، فإنها وقعت في خطأ سخيف يكشف عن عدم الحساسية الفكرية التي تعاني منها الكثير من هذه الجماعات.فقد كانت تلك الجماعة تبيع في صفحة الهدايا في موقعها على الانترنت قطعا من برقع افغاني مقابل خمسة دولارات. وكانت تلك القطع مجهزة بدبوس، وكان من المفروض على كل من تشتري مثل هذه القطع تثبيتها على ياقة السترات او البلوزات لاظهار دعمهن للمرأة الافغانية. وكتبت في مقالي ان مثل هذه الهدايا تجعل من المرأة الافغانية مثار سخرية. ودعوت تلك المجموعة وغيرها في الغرب الى عدم الهوس بما ترتديه المرأة وإنما بنوعية حياتها.

ومن المهم القول ان النساء في العالم العربي تفهم هذه الجوانب، ولهذا السبب يمتلك عملهن أهمية كبيرة. لقد رأيت ذلك على أرض الواقع سنة 2000 في القاهرة حينما صادق البرلمان المصري على تعديلات تتعلق بقانون الأحوال الشخصية الذي سمح لأول مرة في تاريخ مصر للنساء بطلب الطلاق على أرضية عدم التكافؤ. ويستند القانون إلى مبدأ إسلامي اسمه الخلع، ومع ذلك بذلت المنظمات النسائية المصرية جهدا كبيرا للحصول على هذا الحق. وعلى الرغم من أن الحق مشمول في الإسلام فإن النساء في مصر ظللن محرومات منه طويلا. من سيجلب اهتمام الرأي العام لهذا الموضوع لو لم تبذل المنظمات النسائية كل جهودها للنضال من أجل هذا التعديل القانوني؟ ونفس الدور الحاسم الذي لعبته النساء في مصر كان واضحا بالنسبة للنساء العراقيات في الفترة الأخيرة حينما وقفن ضد قانون 137 الذي اقترح إلغاء قانون الأحوال الشخصية لسنة 1959. فمن خلال المظاهرات ومن خلال المعارضة الصاخبة لهذا القانون تمكنت النساء العراقيات من إقصاء هذا القانون عن الدستور العراقي المؤقت الجديد وساعدن على ضمان نسبة 25% من النساء في الحكومة الانتقالية. وهذا أقل من نسبة 40% التي طالبن بها لكنه أكثر بكثير من الـ14% من نسبة النساء في الكونغرس الأميركي، لذلك فتهانينا للنساء العراقيات. كذلك فإن الحملات التي تشنها النساء من أجل حقوقهن تستمر كل يوم في العالم العربي عن طريق تلك المنظمات النسائية المواظبة في متابعة الأرث الذي تركته الأمهات والجدات في الحركة النسائية في العالم العربي.

إنه لمن المحزن حقا ان نقرأ، أو ونسمع، بين الحين والآخر، آراء لكاتبات يتجاهلن أهمية العمل الذي كانت تقوم به تلك المنظمات النسائية، وكيف مهد عمل تلك المنظمات الطريق للكثير من الفرص التي يتمتعن بها الآن. نعم، محزن أن بعض النساء اللواتي يتمتعن الآن بالفرص والمكاسب التي حاربت من أجلها الحركة النسوية العربية في الماضي القريب، لا يترددن في إدانة تلك المنظمات ذاتها. ونعم ايضا، أنا من دعاة المساواة بين الجنسين... وانني فخورة بذلك.

* كاتبة مصرية مقيمة في نيويورك

Mona2003@nyc.rr.com

> > >

التعليــقــــات
أيمن الدالاتي، «الوطن العربي»، 07/03/2004
أين هي المساواة التي تفخرين بها؟
واضح أن الكاتبة منى الطحاوي لم تقرأ جيدا الحجج المنطقية لبعض سيداتنا الكاتبات اللاتي فندن عدم واقعية اسطوانة حقوق المرأة في بلادنا العربية والاسلامية, وتجد من هذه الاسطوانة فرصة للسفر حول العالم وعقد الندوات, لذا أعلنت عن إصرارها في مقالتها:الحركة النسوية تستحق التشجيع..لاالادانة, فقالت :
نعم أنا من دعاة المساواة بين الجنسين..وإنني فخورة بذلك.
حسنا ,مادمت واثقة لدرجة تدعوك للفخر , فلما لاتردين على زميلاتك من النسوة في منطقهن الذي يعارض رأيك, بأسلوب الحجة والبينة؟ ولما لاتتكرمين علينا , وتشرحي لنا كيف تكون المساواة بين الجنسين؟
أنا عدت لمكتبتي ولسجلات التاريخ والواقع فلم أجد مساواة بين آدم وحواء حتى الان , ولافي كل بلدان العالم؟!..فهل لك أن تبيني لنا أين وماهية هذه المساواة التي تدعين لها بفخر؟.
Hanan Ghanem، «Syria - Damascus »، 07/03/2004
الأستاذة منى:
أؤيدك الرأي، لابد لنا من شكر رائدات الحركة النسوية في الوطن العربي والعالم فلولا جهودهن وإصرارهن لما حصلت النساء على المكاسب التي يتمتعن بها اليوم. أنا مع الحركات النسوية لكني لست أرى في السعي وراء المساواة مع الرجل فائدة تذكر، وهل الرجال متحررون بالفعل لنطلب المساواة معهم، هل سأكون سعيدة مثلا لمساواتي برجل أحمق أرعن لايعرف الشرق من الغرب؟ أو آخر متطرف لايحترم المرأة كانسان له كيان ووجود؟ أعتقد أن غاية مانريده هو القوانين الاجتماعية المنصفة التي تحترم المرأة كانسان كامل متحرر من كل الموبقات الاجتماعية والسلفية. إن عملية تحرر الفرد العربي (وليس المرأة فقط) بحاجة إلى جهود جميع الأفراد والى إرساء مبادىء تنويرية كاملة، ونشر الوعي السياسي على كافة المستويات وليس الإقصاء المتعمد لكل طاقة ايجابية خوفا منها وتجنبا لها كما يحدث حاليا.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال