الثلاثـاء 18 رمضـان 1425 هـ 2 نوفمبر 2004 العدد 9471 الصفحة الرئيسية
 
غسان الإمام
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
عرفات زارعُ الفوضى في حقل السياسة

درس الهندسة، لكن لم يؤمن قط بأن الخط المستقيم هو أقصر الطرق بين نقطتين. ومع ايمانه الديني العميق، ظل يعتبر السياسة مؤامرة مستمرة. ولهذا السبب لم يكن الرجل موضع ثقة لدى الزعامات العربية التي تبادله الرؤية المكيافيلية ذاتها.

ياسر عرفات امتداد لعصر سياسي عربي اتسم باحتكار الزعامة والقرار وطول الاستمرار والبقاء، من دون اية رغبة في التغيير. لكن مع قدرة هائلة على تحييد الانصار والمنافسين، وايضا الاعداء في أحيان كثيرة. بل تفوق على النظام العربي في ابتكاره ديبلوماسية شخصية ناجحة كسبت له ولقضيته العادلة حضورا دوليا كبيرا، ديبلوماسية تعتمد العناق والقبل والمصالحة في ذروة العداء والخصومة، على الرغم من عدم امتلاكه الشكل الديبلوماسي المقبول، كالطول والوسامة والرشاقة وأناقة اللباس المدني.

في رؤيتي للرجل، لا أقول من منطلق العداء ان عرفات زارع كبير للفوضى في السياسة العربية، شأنه في ذلك شأن قادة من أمثال الخميني والسادات والقذافي. وفوضى هؤلاء مشوبة بعشوائية ذكاء فطري يعتمد في قراره على ايحاء الزعامة المطلقة، وإلهام الغريزة السياسية، أكثر من اعتماده التخطيط والدراسة، والرؤية العميقة للمستقبل.

أعني بالفوضى «خربطة» اللعبة السياسية، بمخالفة قواعد القانون الدولي في التعامل التقليدي بين الدول، ومفاجأة العالم بمواقف وسياسات غير متوقعة. كان عرفات متقلبا، لكنه أكثر انضباطا من الخميني، وأشد من القذافي انتباها ومسايرة للموقف الدولي. عشوائية فوضاه سجلت نجاحا له على صعيد «التكتيك»، لكن حفرت له فخاخا واخفاقات مريعة على مستوى الاستراتيجية.

ثقافة الفوضى عند عرفات بثت دائما البلبلة في معسكر الآخرين. اعتمد الرجل تمويل الاعلام والاعلاميين للتشويش، ولإحكام المغالطة، وللتغطية على الالتفاف والمداورة. ولجأ الى عقد وفك تحالفات غير متوقعة. وجد عرفات في صدام ندا للأسد الذي اخرجه من لبنان. ثم اقام علاقة سرية مع نظام أمين الجميل، لدعمه ضد الوجود السوري الذي حل محل الوجود الفلسطيني هناك.

كانت القيادة الصهيونية التاريخية تعددية، فيما كانت القيادة النضالية الفلسطينية فردية مطلقة عند أمين الحسيني، ثم عند عرفات الذي كان يباهي بديمقراطية منظمة التحرير التي كان يعرف كيف يحتكر قرارها، وكيف يحيد زعماء تاريخيين ممثلين فيها، من أمثال جورج حبش ونايف حواتمة.

الفلسطينيون شديدو الريبة في قياداتهم وزعمائهم. لم ينج أحد منذ الحسيني الى عرفات من التخوين. لكن الرجلين لم يكونا في التحليل الأخير خائنين، وإنما مخطئين في التقرير والتقدير. كان رهان الحسيني على المانيا الفاشية خطأ استراتيجيا فادحا. وكان رهان عرفات على أوسلو خطأ لا يقل فداحة.

كان الحسيني غامضا في السياسة وعشوائيا ارتجاليا في المقاومة. عرفات فوضوي في السياسة وعشوائي في الممارسة. وأحاطت فوضوية عرفات مسيرته السياسية الطويلة بكثير من الغموض والحيرة. ليس معروفا الى الآن أين ولد، في القدس أم في القاهرة؟ لهجته المصرية توحي بأنه قاهري المولد والنشأة. وحتى اسمه لفّته البلبلة. يقال ان اسمه الاصلي كان عبد الرحمن. بل لف الغموض انتماءه في مطلع حياته السياسية، فكان قريبا الى الاخوان المسلمين، قبل ان يتحول ناصريا متطوعا في حرب السويس.

ليست واضحة الى الآن اسباب حماسة عرفات والفلسطينيين لاحتلال صدام الكويت التي شهدت ميلاد منظمة «فتح» عندما كان عرفات مقاولا ورجل أعمال هناك. صدام في غدره بالخليجيين، غفر لعرفات قبلته الشهيرة على خد الخميني، ولعله أقنع الزعيم الفلسطيني بأن الطريق الى فلسطين تمر عبر الخليج. كان الانحياز لصدام كارثة بالنسبة لعرفات ولـ 400 ألف فلسطيني يعملون في الكويت. ولم تستطع ديبلوماسيته في تبويس اللحى ان تستعيد ثقة الخليجيين به. فما زال «الختيار» ضيفا «غير رسمي» على لائحة «الضد».

كان بث الفوضى كارثيا في علاقة عرفات والفلسطينيين بالعالم العربي. ففي حين فكك عرفات والقيادات الفلسطينيين وحدة القضيتين الفلسطينية والعربية، في مخالفة للتاريخ الذي أكد دائما ان تحرير فلسطين كان عملا جماعيا وليس فلسطينيا منفردا، فقد تورطت عشوائيته في صميم السياسات العربية المحلية. لم تكن مذبحة الفلسطينيين في الأردن درسا وعبرة، تلك التي كلفت عبد الناصر حياته، فقد خرج عرفات بحماية ولي عهد الكويت، ليكرر مأساة التورط في اللعبة السياسية الخطرة والضيقة في لبنان.

عندما خرج عرفات من لبنان بحماية أميركا، عاد الى البقاع الذي تحتله سورية. التباين العميق بين عقليتي الاسد وعرفات أدى الى اخراجه من لبنان مرة أخرى. غفر عرفات لاسرائيل وصالحها في أوسلو، ولم يغفر قط للاسد الاب. وما زالت العلاقة فاترة مع الاسد الابن الذي غير رأيه، ورفض استقبال ابي عمار.

قوة عرفات السياسية تنبثق من اعتبارين اثنين: استقلاليته عن النظام العربي، على الرغم من عشوائية تحالفاته، ثم استمراريته الطويلة التي رسمته رمزا لنضال شعبه. هذه الاستقلالية جعلته شديد القرب من مصر عبد الناصر ومبارك، لأنها رفضت اقامة تنظيم مليشياوي فلسطيني يزايد على عرفات.

كانت أوسلو خطأ عرفات التاريخي: تسوية غامضة، ومتاهة خرائط انسحاب وإعادة انتشار وفك ارتباط. التسوية الفلسطينية المنفردة سمحت للأردن بعقد تسوية مماثلة، وتركت سورية معلقة. عودة عرفات الى الداخل افادته في التعرف عن كثب على العقل السياسي الإسرائيلي، لكن مزايدة «الإخوان» الحماسيين و«الجهاديين» الايرانيين عليه بالعمليات الانتحارية، أوصلت اليمين الاسرائيلي الاستئصالي الى الحكم، وجمدت تنفيد مراحل أوسلو.

لقد سجل عرفات نجاحا كبيرا في رفضه تسليم مفاتيح القدس الى باراك بمباركة كلينتون، في مقابل استعادة الضفة وغزة. أدرك عرفات ان المساومة على القدس عمل انتحاري في زمن صعود المشاعر الدينية. غير ان لجوء عرفات الى بث الفوضى والبلبلة في صميم العلاقة مع اسرائيل، مكّن اليمين الاستئصالي من تجميد أوسلو، وكسب إدارة بوش، وتحييد عرفات سجينا في «المقاطعة».

السجن الطويل جرد عرفات من القدرة على ضبط قياداته الحزبية المدنية والأمنية. مقاطعة أميركا له شجعت خصومه وأنصاره على المطالبة بصلاحياته وسلطاته. ثم خطفت الاصولية الانتحارية منه المبادرة والانتفاضة.

نعم، ما زال عرفات رمزا لنضال شعبه، لكنه لم يعد قائدا وحيدا له. جمود نظامه حال دون اصلاح ادارته ومكافحة فساد حاشيته، ودون ترضية جيل جديد من الساسة والقادة الميدانيين الثائرين على «التوانسة» العائدين من المنفى والمحتكرين للقرار والسلطة.

ثم يأتي المرض مع التقدم في السن (75 سنة) ليتحدى ايضا سلطة عرفات. حاول الرجل الاحتيال على المرض بتردده في المعالجة. لكن المرض كان أقوى من كل الدول التي ناصبته العداء، وتوقعت مرارا وتكرارا سقوطه. إن عاش عرفات فسيبقى جسدا متحركا. إن سمحت اسرائيل بعودته بقي محاصرا في «المقاطعة»، فسجنه في الداخل، في تقديرها، أفضل من حريته وديبلوماسيته الناجحة في الخارج.

ستمر مياه كثيرة تحت الجسر الفلسطيني، قبل ان ينتصب فوقه قائد آخر برتبة ومكانة عرفات. الى ان يحدث ذلك، فخوفي أن يخطف عسكر الأمن الذين ترعرعوا في فوضى عرفات وعشوائيته، السلطة من عسكر السياسة. لعل دهاء عرفات في اصطحاب محمد دحلان معه، يرمي الى الحيلولة دون محاولة الزعيم الشاب ملء الفراغ، أو للاتفاق معه على ترشيحه خليفة له تقبل أميركا به وتتفاوض اسرائيل معه.

> > >

التعليــقــــات
أيمن الدالاتي، «الوطن العربي»، 02/11/2004
حتى تبقى وحيدا في السلطة عليك زرع الفوضى والإضطراب والخلل في الآخرين من حولك, فلا ينتظمون في حقيقة واحدة يواجهونك بها, فتهوي من كرسيك..هذا مافعله عرفات تماما , وهو كل غايته العملية من كل القضية..ويبقى أن يتعافى ويعود لرهانه الناجح في البقاء إلى ماشاء الله, وبغض النظر عما تفعله إسرائيل بالقضية الفلسطينية التي تسعده أن يكون رمزها وليس فعلها.
Bassam، «أمريكا»، 02/11/2004
كلامك جميل يا غسان. لكنني أكاد أبكي على حالنا. فمنذ صعود عرفات ومن معه من جيله في البلدان المحيطة بإسرائيل، خسرنا أراضي يقوم نفس من خسرها بالمكوث على صدور شعوبهم بإسم إسترجاعها. منذ أن صعد عرفات إلى منصة القيادة، ومعه من معه من الزعماء العرب الآخرين، قتل من أبناء الدول المجاورة إسرائيل وبإسم فلسطين مئات الألوف من البشر، ويرفض عرفات وأمثال عرفات ترك الساحة لغيرهم والإعتراف بهزائمهم المتكررة، وبالكوارث التي خلقوها بإسم فلسطين، وإمتلأت حساباتهم كلها بمليارات الدولارات في بنوك من يقولون أنهم أعداءهم في دول الغرب.
لكن شعوبنا العربية لا تستحق أفضل من ذلك على ما يظهر. رأيتهم في التلفاز يصرخون بالروح بالدم، وآمنت أن هذا الشعب لا يستحق الحياة، فعبادة الشخص أصبحت مزروعة في أدمغتهم وقلوبهم ولن يتحرروا في المدى القريب. أعداء العرب هم العرب.
Sami Jamil Jadallah، «Fairfax, VA, USA»، 02/11/2004
I do agree with Mr. Al-Imam and his assesment of Arafat as a leader. Even though I am a long time critic of Arafat and his leadership no one can say that he has committed treason as is legally defined, serving the enemy. Arafat committed impeachable acts for which he should be tried and convicted. He has betrayed the Palestinian people and cause throught his 40 ears of leadership, in Jordan, in Lebanon, in Kuwait and now in Palestine. Like Hajj Amin Hussaini before him, Arafat was ruthless in getting rid of his enemies and unlike Hajj Amin, Arafat with the people money bought loyalty and support from those around him who kept him in power.
aid gab، «المملكة المتحدة»، 02/11/2004
salam all, though i do not like politicians, but of not having a government is terrifying to most poeple, i do not think that yasser arafat did the right thing by leavingthe authority without somebody who can take his seat in a democratic way , he should think about what is good for the palastinian peole who suffered enormously from israel savage aggression and occupation , they deserve better than a dictator, he should not behave like that, great nation uder some special circumstances, though arafat sacrifice his life for palastine, but he should be thinking of who is going to lead his poeple after him
سليمان الحكيم، «العراق - بغداد»، 02/11/2004
ان الاسم الحقيقى لياسر عرفات هو محمد عبد الرؤوف القدوة, وليس عبد الرحمن كما قيل للأستاذ الامام , أما بخصوص ما ذكره الأستاذ الامام عن تعقيدات بين صدام وعرفات بسبب قبلته للامام الخمينى فلا اساس له من الواقع لأن عناق عرفات للخمينى كان أشبه بعناق بروتوس لقيصر لحظة غرس خنجره فى ظهره, فمنذ الأسابيع الأولى للثورة الايرانية بدأ عرفات بالتآمر عليها من خلال احتضانه لمنظمة مجاهدى خلق تمويلا وتسليحا ودعما لوجستيا بل والتوسط لاقامة علاقات بينهم وبين دول خليجية مجاورة للعراق, وفوق ذلك كله كان عرفات الوسيط الذى سعى لدى العراق لقبول مجاهدى خلق على أراضيه واقامة حلف استراتيجى بين الطرفين, ان قصة الاندفاع الفلسطينى نحو اللعب فى الساحات الاقليمية بعد العجز عن مناطحة اسرائيل, تستحق أن تروى على صفحات أكثر جدية من مقال سريع وان كان لا يخلو من المصداقية.
المحامى سليمان الحكيم - مسؤول أمنى سابق فى حركة فتح
مارتن شوماني، «موسكو»، 02/11/2004
مشكلة كاتبي المقالات السريعة محزنة حقا، فهم يبحثون عن متعة يقدمونها للقراء فتأتي على حساب المصداقية. هذا المقال غير صادق ومليئ بالمفارقات والمغالطات. وضع الكاتب عرفات في مركز صانع الأحداث والتاريخ والهزائم والانتكاسات التي حلت على المنطقة وحمله مسؤوليات شخصية مباشرة بدون أي تبرير موضوعي للوقائع. والكاتب يظهر انتهازية واضحة في التقرب من دول الخليج، فهو يكتب في صحافتهم، ولا يليق ان يخرج عن خطهم وسياساتهم، فهو يدعي مثلا عدم تفهم وقوف عرفات والفلسطينيين الى جانب صدام!!
وأنا أريد أن أسأل الكاتب سؤالا يعرف جوابه أكثر مني وهو: لماذا يكون العقاب دائما للأضعف هل نسيت مسيرات التأييد لصدام أثناء غزوه للكويت التي اجتاحت العواصم العربية من مراكش الى دمشق مرورا بالقاهرة والجزائر والخرطوم، ولو أن الظروف الخارجية ساعدت صدام على البقاء في الكويت هل كنت يا ترى ستجند قلمك لتحريرها أم ستمدح دهاء عرفات وبطولة صدام؟؟؟

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال