الاثنيـن 28 ذو القعـدة 1425 هـ 10 يناير 2005 العدد 9540 الصفحة الرئيسية
 
حسن ساتي
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
وداعا سودان ابن خلدون.. ومعه ذلك الماضي الفقير

مسكين هذا السودان، ظلمه المؤرخون مثلما ظلمه بنوه، ففيلسوف الإسلام عبد الرحمن بن خلدون (1332 ـ 1406) الذي قال لنا أساتذتنا في الجامعة انه مؤسس فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع، لم يتعرف على السودان، في ذلك الزمن المتقدم نسبيا، مثلما تعرف على مصر والمغرب، فقال في مقدمته المشهورة: «إن المصريين لا يدخرون قوت يومهم، فيما يختزن الفرد في المغرب حنطة عام»، فتعامل مع السودان ككم مهمل، عنى به كل الجغرافيا الجنوبية لمصر، فقال: «إن أهله يمتازون بالخفة والطيش وقدرة الرقص على مختلف الإيقاع»، ثم مضى مشتطا ليقول ان تجارة أهله وقبائله تتم بالمقايضة وبالجلود وما شاكلها، لأن أهله لا يتعاملون بالحجرين الشريفين، ويقصد الذهب والفضة، ليختتم بالقول ان قبائله يغير بعضها على بعض، وانهم أغلب الظن ليسوا في عداد البشر.

ومسكين هذا السودان، فقد زاره صحافي بريطاني، ليشهد تجربته الديمقراطية في مطلع خمسينات القرن الماضي، والسودان أول قطر أفريقي، بالاشتراك مع غانا، ينال استقلاله عام 1956، بعد اثيوبيا وليبريا، فشاهد ديمقراطية وستمنستر بكل طقوسها ولكن في بلد يمارس أهله سباق الهجن، فخرج بكتاب يسخر من التجربة، أسماه «حيث ضحك الإله» (Where God Laughs).

ولم لا، فقد ضاق الأفق بالشاعر السوداني سيد أحمد الحردلو في ستينات القرن الماضي، فأخرج مجموعة قصصية باسم «ملعون أبوكي بلد»، وتوالت الدهشة لتصل بالأديب الطيب صالح ليطلق في تسعينات القرن الماضي عبارته التي سارت بين الألسن مسار الشمس: «من أين أتى هؤلاء الناس؟».

ومسكين هذا السودان، جرب (الحكم الائتلافي)، ولكنه طائفي في مطلع الاستقلال (بحكومة السيدين)، والإشارة للسيدين الراحلين عبد الرحمن المهدي وعلي الميرغني، فانقض عليها انقلاب الفريق (إبراهيم عبود 1958 ـ 1964) ليجرب السودان الحكم العسكري، وبعده الثورة الشعبية، وبعده الحكم الديمقراطي 1964 ـ 1969 ، وبعده الحكم العسكري ثانية 1969ـ 1985، ثم الثورة الشعبية ثانية، فالحكم الديمقراطي 1986 ـ 1989، ثم الانقلاب العسكري بنظام الإنقاذ الحالي 1989 ـ 2005، ليدخل مرحلة جديدة بتوقيع اتفاق الأمس وطي صفحة أطول حروب القارة الأهلية التي التهمت نحو مليونين من بنيه وتركت نفس العدد في عداد النازحين.

مسكين هذا البلد، لم تكن كل انقلاباته العسكرية بعوامل داخلية، إن لم يكن العامل الخارجي أو الإقليمي هو الذي يتقدم العامل الداخلي، فانقلاب عبود 1958 كان بعد محاولة من الجارة مصر لإعادة توحيد الأحزاب الاتحادية، وانقلاب 1969 جاء بعد غضب القاهرة من رفض حكومة المحجوب لمشروع روجرز الذي قبلته، وانقلاب 1989 تزامن، إن لم يأت بعد أيام معدودة من ملاسنة بين الرئيس مبارك والصادق المهدي.

ومسكين هذا البلد لأن مسيرة 48 عاما بعد الاستقلال لم تتعرف على مستحقات التباين العرقي والديني والثقافي، فغاب ذلك عن آباء الاستقلال، مثلما غاب عن ورثتهم، فاعتبروها كما طلاء الجدران، يمكن أن تسكن بترميم الشقوق بالرمل والحجارة والخرسانة، وهي ليست كذلك، مثلما اعتبر ورثة ميراث آباء الاستقلال، على ضعف ذلك الميراث، أن العقائدية يمكن أن تقطع بالوطن وقضاياه أرضا، فتعاملوا مع قضايا بذلك التعقيد، كما المتعجل (المنبت) مع دابته، ألهبها بالسياط، فلم يبق لها على ظهر، ولم تقطع به أرضا. أدخله اليساريون في التأميم، وهو الاقتصاد اليافع، فانتهى به المطاف بالخضوع لفواتير صندوق النقد الدولي، وأدخله الإسلامويون بالإسلام السياسي في معارك مع كل العالم، فكاد لهم الكيد كيدين، وأصبح السودان في عداد الدول الداعمة للإرهاب، لتستقبل المنافي ملايين السودانيين.

كل ذلك ماض، ولكن من قال إن الماضي لا يظل على تآمره على الحاضر والمستقبل.

فلماذا لا يكون اتفاق السلام الموقع بداية لتحصين السودان ضد تآمر هذا الماضي، ولن يكون ذلك بالطبع باقتسام الثروة والسلطة فقط، مثلما لن يكون بالتهوين القاتل لقضايا التمايز العرقي والديني والثقافي، بعد ان اكتسبت هذه القضايا منبرا وآذانا في عصر العولمة وحقوق الإنسان، ومثلما لن يكون بمصافحات أمام عدسات التلفزيونات أو بأمان تلوكها النخب.

المشوار طويل..

ومع ذلك، فليقل السودانيون: وداعا سودان ابن خلدون.. بل والسودان الإنجليزي المصري.. وقبل ذلك لكل ذلك الماضي الذي خلا، وللأسف، من أي وميض للإشراق، ولكن بقطع الطريق على كل أخطائه حتى لا تعود، فيعيد التاريخ نفسه علينا.

h.satti@asharqalawsat.com

> > >

التعليــقــــات
محمد خليل النوبي، «وادي حلفا - السودان»، 10/01/2005
ابن خلدون زار مصر والمغرب وتحدث عنهما ولكنه لم يزر بلاد السودان وهو اسم مطلق لحزام واسع يمتد حتى موريتانيا فما ذكرت ربما وليس تأكيدا سودان اليوم فبلاد النوبة كانت في مدنية وملك منظم تعتنق دينا سماويا هو المسيحية بل ما ورده عن ارض ما بعد بلاد النوبة جنوبا وغربا التي تحدث عنها هكذا وهي شمال السودان حتى جنوب الخرطوم فقد كانت عن مساءلة ملك النوبة لأحد حكام بني امية الفارين والذي احتمى بملك النوبة عن معاقرته الخمر الذي حرمه دينه الاسلام اما أسباب الانقلابات التي اوردتها فهي غير صحيحة خاصة في حالتي نميري والبشير فطرد الحزب الشيوعي من برلمان انتخب فيه شعبيا باختراح من الأزهري رأس الدولة كان سببا مباشرا ومنطقيا لانقلاب نميري بينما انقلاب البشير لا يخفى على احد فالجبهة الاسلامية والتي ينتمي اليها البشير كانت تخطط للانقلاب عيانا بيانا ووجدت في مذكرة الجيش وتوافق كل الاحزاب للسلام مع قرنق ولمؤتمر دستوري يلغي قوانين سبتمبر التي فرضوها ايام نميري سببا وان لم يكن منطقيا بحكم اللعبة الديمقراطية بالهجوم عليها ووأدها. ان محاولة المثقفين السودانيين بتأويل ادمانهم على السقوط والفشل على الآخرين وصناعة اعداء لا يعرفون حتى موقع السودان اصبح شيئا مقززا وغير مقبول خاصة انه قاد البلاد والعباد الى ما هم عليه من حال لا يخفى على احد فحال السودان من فعل طبقته المستنيرة والتي وصفها د. منصور خالد بمدمنة الفشل " النخبة السودانية وادمان الفشل" هو حال الغراب الذي دهن ريشه باللون الأبيض فما قبلته الحمائم ليكون معها ولم ترضى به الغربان عندما نكس راجعا لها لذا ارى ان اول ما يستحق النظر عاجلا هو تحديد هوية هذا الشعب حتى يعرف من هو اولا قبل ان يدعو الآخرين على تعريفه.
Omar Elhassan، «Virginia, USA»، 10/01/2005
Dear Mr. Satti
It is good to read this article as I enjoyed most of what you've written in the past. I can feel clearly the glimps of optimism in the article concerning the post agreement era. My simple question is: Are we going to avoid another disappointment which we faced during the happy events in the past like those of October and April revolutions or even the happy days of our Independence? can we avoid the causes of those setbacks , Can we restructure our parties and political objectives. Can We dream that a party leader will ,neccessarily, resign the post after the end of his governing term or after loosing an election competition to allow the party democratically elect new leaders? Could we dream that an individual common layman chooses his party on objectives rather than dogmatism and non- negotiable beliefs ? I am out of the country for quite sometime.. do you think that Sudanese men and women changed politically during this period to give me some glimpse of optimism that their choices will be the right ones? do you believe that our historical leaders changed their obsolete methods of running the parties? Can the parties declare openly their practical and emplimentable objectives for ruling ? I raised these questions not because I am doubtful of the future, but to show that I am a little bit worried!

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال