الاحـد 03 محـرم 1426 هـ 13 فبراير 2005 العدد 9574 الصفحة الرئيسية
 
بلال الحسن
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
قراءة في تناقضات قمة شرم الشيخ
يمكن أن نقول كل شيء ونقيضه حول مؤتمر شرم الشيخ (8/2/2005). فهو مؤتمر للسلام وهو مؤتمر للحرب. وهو مؤتمر لإنشاء دولة فلسطينية، وهو مؤتمر لفرض الحل الإسرائيلي. وهو إعلان عن نجاح الانتفاضة، وهو إعلان عن انتهائها. وهو تأكيد لدور عربي فاعل وهو أيضا تأكيد لرضوخ عربي لإرادة شارون.

كل هذه الإشارات المتناقضة موجودة في مؤتمر شرم الشيخ، ويمكن استخلاص شواهد لإثباتها من خلال نصوص الكلمات الثلاث التي ألقيت والتي شكلت كل أعمال المؤتمر العلنية، ولذلك فإن تقييم المؤتمر ونتائجه يحتاج إلى رؤيته من خلال السياق الذي تم فيه، وليس من خلال كلماته ووقائعه.

في سياق أعمال المؤتمر، تبرز زيارة وزيرة الخارجية الأميركية الأولى للمنطقة، وما نفثته من مواقف أثناء تلك الزيارة، جعلت من نفسها ومن وزارتها ومن إدارتها الأميركية، المرجع الذي سيقرر النتائج الفعلية للمؤتمر. لقد تركت كوندوليزا رايس لدول المؤتمر أن تتحرك، وأن تدعو لانعقاد المؤتمر، وأن تشترك فيه، ولكنها تركت لنفسها صياغة التقرير النهائي بعد ثلاثة أشهر. لماذا؟ لأن الأحداث اشتطت على الأرض بحيث أن التدخل الأميركي أصبح ضرورة لضبط التوازنات.

أول التوازنات الأميركية المطلوبة، كان ضرورة عقد مؤتمر شرم الشيخ من أجل أهداف أميركية بحتة. لقد تعرض المخطط الأميركي في الشرق الأوسط إلى نكسات، أبرزها نكسة المقاومة في العراق، ثم جاءت الانتخابات العراقية لتشكل أول انتصار سياسي أميركي، وهو انتصار يمكّن الرئيس جورج بوش من القول في مطلع رئاسته الثانية، إن سياسة إدارته إيجابية وناجحة. وحين تتم انتخابات ثانية في فلسطين، وتأتي بعد وفاة الرئيس ياسر عرفات وغيابه عن واجهة الحياة السياسية، وتأتي حاملة الرئيس محمود عباس إلى منصب الرئاسة، وهو المعروف باعتداله وبدعوته إلى وقف عسكرة الانتفاضة.. حين تتوالى كل هذه الأحداث الفلسطينية، فإن الرئيس بوش يرى في الوضع فرصة لاحتضان الحدث الفلسطيني، والسعي إلى القول بأن الحدث هو بمثابة الانتصار الثاني لسياسة إدارته في الشرق الأوسط. وجرى هنا بسرعة فائقة، الاتصال بمصر والاتفاق معها على الدعوة إلى مؤتمر يعقد في شرم الشيخ، ليتم الإعلان عن بدء مرحلة سلام جديدة تطل على المنطقة.

في هذا السياق كان لا بد من لجم آرييل شارون كي لا يفوت الفرصة (الدعاوية) الأميركية بإجراءاته المتسرعة، فهو يصر منذ أربع سنوات على تحقيق انتصار عسكري على الانتفاضة الفلسطينية، ولكن الكل يعرف أنه فشل في ذلك، وأن الانتفاضة انتصرت عليه عندما استطاعت أن تحقق «استمرارها»، وعندما استطاعت أن تطور «أساليبها» (تطوير صواريخ القسام ــ حفر الأنفاق تحت مواقع الجيش الإسرائيلي ــ أنفاق تهريب السلاح من سيناء ــ دفع أجيال جديدة إلى ميدان المواجهة). أدركت واشنطن أن شارون يستطيع مواصلة حمام الدم، ولكنها أدركت أيضا أنه لا يستطيع تحقيق الانتصار. لقد جرى أمر مماثل في الانتفاضة الأولى، وأسفر ذلك عن عقد اتفاق اوسلو (1993)، وها هو الأمر يحدث ثانية في الانتفاضة الثانية، وأسفر ذلك عن عقد قمة شرم الشيخ.

لقد صورت الصحف الإسرائيلية مشاركة شارون في قمة شرم الشيخ على أنها انتصار شخصي له، فكثيرا ما وصل إلى شرم الشيخ كعسكري إسرائيلي اثناء سنوات احتلال سيناء، فينزل من طائرته وحيدا ليلقي أوامره ويرحل، ولكنه وصل هذه المرة ليجد الأعلام الإسرائيلية ترفرف من حوله، وليجد ثلاثة زعماء عرب في استقباله. ولكن هذه الصورة المشرقة أرادت أن تخفي أن شارون الذي أراد أن يرسم لنفسه صورة البطل الذي أخضع الانتفاضة، قد جاء إلى شرم الشيخ ليعلن بلسانه وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية. صحيح أنه هدد وتوعد، وقال «إن التجربة قابلة للانكسار»، ولكن تهديده ووعيده كان منصبا حول يوم بدء الانسحاب من قطاع غزة. قال لمحمود عباس بصراحة: لا أريد انسحابا تحت النار. وهدد: سيكون ردي غير مسبوق. وبرر: المنسحبون سيكونون رجالا ونساء وأطفالا وحتى حيوانات، ولا أتحمل أي إيذاء لهم. حسنا .... ولكن ماذا يعني الانسحاب تحت النار؟ ألا تشكل مواجهات أربع سنوات من الانتفاضة انسحابا إسرائيليا من قطاع غزة تحت النار؟ ثم ألا يسجل العسكريون دائما، وعند سقوط موقع ما، أنهم يرفضون دخول الموقع سلما، وأنهم يريدون دخوله دخولا عسكريا، فيكتفون بإطلاق طلقة واحدة، ليسجلوا أن دخولهم كان دخولا عسكريا؟ ألم يفعل الإسرائيليون ذلك عندما دخلوا مدينة صور عام 1982؟ فما الذي يمنع إذاً أن يطلق الفدائيون الفلسطينيون طلقة واحدة في الهواء، عند بدء انسحاب الجيش الإسرائيلي، ليقولوا للتاريخ إن الانسحاب قد تم تحت النار؟

ولكن مساعي كوندوليزا رايس للجم شارون لم تقتصر على دفعه نحو حضور قمة شرم الشيخ، كانت هناك إجراءات عملية على الأرض لا بد من وقفها، حتى لا يفشل المؤتمر قبل أن ينعقد. وهنا وجهت رايس لشارون إنذارات متوالية: ممنوع الضغط على محمود عباس لتفشيله. ممنوع القيام بأي إجراء من جانب واحد من شأنه تغيير الوضع القائم (أملاك الفلسطينيين في القدس). يجب التقيد بموعد الانسحاب من قطاع غزة بدقة (شارون كان يهدد بتأجيل الانسحاب). ولا شك أن هذه الممنوعات الأميركية المرفوعة في وجه شارون تشكل دعما مباشرا لمحمود عباس، وقد مهدت الطريق فعليا لانعقاد قمة شرم الشيخ، أما بعد تلك النقطة، فإن الدور المصري ينتهي ليبدأ الدور الأميركي المباشر، وهو دور أميركي أمني سيكرر كما يبدو الدور الأميركي الأمني الذي لعبه في السابق شخصان هما جون ميتشل صاحب التقرير الشهير الذي حمل اسمه، وجورج تينيت رئيس المخابرات الأميركي السابق الذي أعد ورقة أمنية تنفيذية حملت اسمه أيضا (ورقة تينيت ـ 13/6/2001) من دون أن تنفذ. وقد رسمت رايس مراحل الدور الأميركي كما يلي:

أولا: تعيين منسق أميركي يتولى مهمة المراقبة لاتفاق وقف النار، ولمساعدة الفلسطينيين في إصلاح أجهزتهم الأمنية، واختير لهذه المهمة الجنرال وليام وورد. (اختير لها سابقا الجنرال زيني).

ثانيا: تقديم مساعدة مالية فورية للسلطة الفلسطينية قيمتها 40 مليون دولار، خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، من أصل 350 مليون دولار تعهد بوش بتقديمها.

ثالثا: دعوة عباس وشارون لزيارة البيت الأبيض في الربيع المقبل (أي بعد ثلاثة أشهر أيضا).

لقد حددت رايس بهذه البنود خطتها للعمل خلال ثلاثة أشهر: هدوء أمني تشرف عليه واشنطن، وربما تسعى إلى فرضه أيضا. وتنمية اقتصادية فلسطينية تحسن من الظروف المعيشية الصعبة التي يعاني منها الفلسطينيون، ثم تبدأ في نهاية الأشهر الثلاثة عملية جس النبض الأولى سياسيا في البيت الأبيض، وهي عملية جس نبض ستتركز بالدرجة الأولى على الفلسطينيين، فإذا نجحوا في الامتحان الأمني ـ الاقتصادي، فسيبدأ عندها تطبيق خارطة الطريق ، إنما حسب الفهم الأميركي ـ الإسرائيلي لها، أي التوجه نحو إنشاء دولة فلسطينية مؤقتة على 42% من أرض الضفة الغربية، على أن يليها بعد ذلك تفاوض مديد حول قضايا الحل النهائي (تتحدث إسرائيل عن 15 سنة تفاوض)، وتكون الدولة الفلسطينية المؤقتة آنذاك تحت إشراف وهيمنة إسرائيل. وبالطبع فإن محمود عباس سيكون له هنا رأي آخر، فهو سيطلب تفاوضا سريعا على قضايا الحل النهائي، مع إبداء استعداده للتنفيذ المتدرج، وهو أمر يرجح أن ترفضه إسرائيل ليبقى كل شيء على حاله.

هنا ماذا سيكون موقف محمود عباس؟

يوجد لموقفه احتمالان نظريان لا ثالث لهما: أن يقبل العرض الأميركي ـ الإسرائيلي، ويكون آنئذ قد وصل إلى دولة (اقتصادية) مؤقتة ودائمة في الوقت نفسه، يقوده الاكتفاء بها إلى صدام مع المجتمع الفلسطيني الذي يتطلع إلى الاستقلال والسيادة، أو أن يرفض العرض الأميركي ـ الإسرائيلي، ويتكرر معه ما حدث بالضبط مع الرئيس الراحل ياسر عرفات، حين قال «لا» في كامب ديفيد، فتحول بين ليلة وضحاها من رجل سلام إلى رجل إرهاب موصوم باللعنة، ويتحول الإعجاب به الذي عبر عنه الرئيس بوش، إلى خيبة أمل تدمغه كعرفات بأنه «رجل غير ذي صلة».

Belal2001@club-Internet.fr

> > >

التعليــقــــات
DR AID GAB، «Great Britain_England »، 13/02/2005
So basically ,there is no light in the end of the tunnel, that is pretty depressing, a provisional Palastinian state , what is that suppose to mean, not a viable state,after 15 years may be, already 50 years are gone with the wind, may ALLAH save us all, that was the worst scenario ever
أيمن الدالاتي، «الوطن العربي»، 13/02/2005
يمكن أن( نتكلم) هوائيا بكل شيء ونقيضه عن مؤتمر الهاوية في شرم الشيخ, لكن واقعيا لايمكن أن( نقول) عنه إلا :رضوخ عربي لإرادة شارون.
رامي منصور، «فلسطين 48»، 13/02/2005
شارون وبوش يسعيان حثيثاً لاقامة دولة قلسطينية تجاورها اسرائيل من كافة الجهات وعلى اقل من نصف الضفة الغربية (في احسن الحالات 42% من الضفة كما قال شارون) ليصبح الصراع بين دولتين وليس صراعا بين دولة احتلال وشعب محتل، اي الاختلاف حول الحدود وليس صراعاً انسانياً في جوهره ومعالمه واضحة صراع بين اصحاب البلاد الاصليين وبين مستعمرين.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال