الاحـد 15 ذو الحجـة 1421 هـ 11 مارس 2001 العدد 8139 الصفحة الرئيسية
 
جمال البنا
مقالات سابقة للكاتب
إبحث في مقالات الكتاب
 
الشيخ الوالد يستكشف المسند
عندما اطلع الشيخ الوالد على مسند الامام احمد بن حنبل الشيباني في اجزائه الستة (كل جزء في قرابة 600 صفحة من القطع الكبير) سنة اربعين وثلاثمائة وألف وهي نهاية الحلقة الرابعة من عمره، وجد نفسه كمستكشف يقف امام قارة عذراء مترامية الاطراف او بحر خضم يذخر بالعلم ويموج بالفوائد، ومع هذا فان الانتفاع به معطل، لأن الامام احمد وضعه طبقا للمسانيد، فهناك مسند عائشة، وهناك مسند ابي هريرة (وهو جزءان من الاجزاء الستة) وهناك مسند عبد الله بن مسعود الخ.. وتحت كل مسند وضعت الاحاديث من دون ملاحظة لترتيب موضوعي، فنجد حديثا عن الصلاة يتلوه حديث عن غزوة بدر يتلوه حديث عن الزواج والطلاق الخ.. فاصبح الرجوع اليه لاستلهام الاحكام الفقهية مستحيلا الا لمن يستطيع ان يحفظ ثلاثين ألف حديث ويميز بين كل منها..

وطرأت للشيخ فكرة ان يصنف الاحاديث طبقا للموضوعات كما هي في كتب الفقه، وكان معنى هذا ان يجعل من ذهنه «كومبيوتر» قبل اختراع الكومبيوتر بقرن من الزمان..

كانت امام الشيخ صعوبتان.. الاولى صعوبة انجاز هذا العمل الضخم الذي لا بد وانه سيستغرق عشرين او ثلاثين سنة. والثانية هي كيف يمكن لهذا العمل.. اذا انجز ـ ان يرى النور، وان يطبع ويوزع؟

ان كل شيء كان يجعل هذا الرجل القادم من شمشيرة.. آخر رجل يصلح، لذلك فهو بعيد عن القاهرة حيث الاضواء والازهر والمشايخ والمطابع، وليس كبيرة له ايراد خاص وانما هو يعيش على ما ييسره الله له من رزق يوم بيوم، وعليه اعالة اسرة كبيرة. ان رجلا في هذه الاوضاع لهو آخر واحد يمكن ان يتصدى لعمل يستغرق عشرات السنين، ويتطلب الفرغ والتركيز، وقد عجز عن ان يقوم به أئمة الامة منذ ان وضع الامام احمد مسنده في القرن الثالث الهجري حتى القرن الثالث عشر، اي طوال عشرة قرون كاملة. وقد حاول الامام ابن كثير هذه المهمة دون توفيق، وقال كلمة تصور «فدائية» من يتصدى له «ما زلت انظر فيه والسراج ينونص حتى كف بصري معه»، فكيف يتصور ان يتصدى هذا الرجل القادم من شمشيرة والذي يشتغل بتصنيع الساعات لهذا العمل الذي عجز عنه ابن كثير، ولم يتصدى له احد من الائمة؟

ولكي تكون الصورة كاملة، نقول ان الشيخ لا بد وان يبلور مصير ما سيقوم به، وما سيأخذ منه عشر سنوات او اكثر، ماذا سيفعل به؟ ان المؤلف انما يؤلف ليطبع وينشر ما يؤلفه، والا فلا قيمة لما اضاع فيه عمره. فكيف يمكن ان يطبع وينشر مثل هذا العمل..؟ أي مطبعة ـ او بمعنى اصح أي دار نشر ـ تقبل كتابا لا تكون له قيمة تجارية مجزوم بها الا بعد طبع كل اجزائه وقد تكون عشرين جزءا، وأين هي هذه الدار، وكم سيأخذ هذا العمل أيضا من السنوات.. ومن المال.. ومن عمر الشيخ؟

وكأن كل هذه المثبطات لم تكن كافية، فقد قرر الشيخ ان يضيف الى الترتيب والتصنيف، وهي المهمة الاصلية، والتي عجز عنها الائمة، شرحا مسهبا لكل حديث. واستخلاص الاحكام الخ.. مما سيرد بيانه، فتضاعف العمل حجما وازداد صعوبة وفنية، وخاصة عملية التخريج المعقدة او استخلاص الاحكام، وما تجعله يعرض فقها جديدا هو «فقه السنة» أي الاحكام المستخلصة من الحديث وليس من المذاهب. وهو ما تبعه عليه بعد ذلك بصورة مختصرة، الشيخ سيد سابق في كتابه «فقه السنة».

هذه الابعاد تصور لنا المهمة التي تصدى لها الشيخ وملابساتها وكانت كلها مثبطة، كلها تجعل هذا الرجل آخر رجل يتصور ان يقوم بها. ومع هذا فما قيمة هذه المثبطات كلها امام الهمة والارادة والعزيمة؟.. ما قيمتها امام توفيق الله واصطفائه عبادا لا يتصور الناس انهم الامثل «قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول، وانا لنراك فينا ضعيفا، ولولا رهطك لرجمانك»، «لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم»، «انى يكون له الملك علينا ونحن احق بالملك منه، ولم يؤت سعة من المال».

وهكذا بدأ الشيخ العمل وكتب في دفتره القديم «في هذا العام (1340 هـ) 1931م ابتدأت في تأليف كتاب الفتح الرباني لترتيب مسند الامام احمد رحمه الله.

> > >

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال