الاحـد 29 ذو الحجـة 1421 هـ 25 مارس 2001 العدد 8153 الصفحة الرئيسية
 
جمال البنا
مقالات سابقة للكاتب
إبحث في مقالات الكتاب
 
وهكذا صدر الفتح الرباني
وصف الشيخ الوالد عمله في ترتيب الكتاب وتصنيفه فقال: «اعلم ارشدني الله واياك الى ما فيه الخير والصلاح ان الله تبارك وتعالى اختار لهذا الكتاب تقسيما عجيبا ما كان يخطر لي على بال، وكنت قسمته قبل ذلك مرات متعددة لم تطمئن نفسي لواحدة منها، فسألت الله تعالى ان يختار لي ما فيه الخير فألهمني جل شأنه هذا التقسيم العجيب الذي لا اعلم احدا سبقني اليه (وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) فانشرح له صدري واطمأن به قلبي. وذلك اني جعلته سبعة اقسام ولست اقصد بهذا التقسيم تساوي الاقسام في عدد الاحاديث، او مقدار الكراريس كلا، بل باعتبار الفنون وان كان بعضها اطول من بعض فكل قسم منها يصلح ان يكون مؤلفا مستقلا مقدما الأهم فالمهم مبتدئا بقسم التوحيد واصول الدين لأنه اول ما يجب على المكلف معرفته ثم الفقه ثم التفسير ثم الترغيب، ثم الترهيب، ثم التاريخ، ثم القيامة واحوال الآخرة. مراعيا في وضع كل قسم عقب الآخر حكمة عظيمة يدركها المتأمل، وكل قسم من هذه الاقسام السبعة يشتمل على جملة كتب، وكل كتاب تندرج تحته جملة ابواب. وبعض الابواب تدخل فيه جملة فصول، وفي اكثر تراجم الابواب ما يدل على مغزى احاديث الباب تسهيلا للمراجع، وتقريبا للمراجع، وما وضعت كتابا او بابا او فصلا عقب الآخر الا لحكمة تظهر للمتبصر».

ولم يتعد الشيخ الواقع في ما قال، فالحق ان الكتاب بتقسيمه، وتبويبه وشرحه، واستخلاصه للاحكام جاء نسيجا وحده وجمع ما بين الحديث والفقه بأسلوب سلس بعيد عن التعقيد. كان «فتحا ربانيا» كما سماه.

ومنذ ان امسك الشيخ بقلمه ليضع اول سطر في «الفتح» لم يدعه الا في الايام الثلاثة الاخيرة في حياته، عندما اشتد عليه المرض، وحتى في هذه الايام نفسها فإنه عندما نقل الى بيت الشقيق الاستاذ عبد الرحمن، ليكون تحت العناية الطبية اخذ معه بعض المراجع اللازمة لاتمام شرح بقية الجزء الثاني والعشرين الذي كان قد طبع نصفه بالفعل.

وخلال هذه المدة الطويلة تعرض الشيخ لضغوط عديدة. واضطر بعد كتابة شرح الجزء 15 و16 و17 الى استبعاد هذا الشرح الذي كان مطولا وكتبه من جديد، مختصرا: وكمثال على اهمية تصنيف المسند، وقيمة عمل الشيخ فيه نورد هذا المثال: دارت مساجلة على صفحات العدد الثاني من المجلد الحادي والثلاثين من المنار في باب المراسلة والمناظرة بين السيد محمد رشيد رضا صاحب المنار والشيخ احمد محمد شاكر حول حديث عن عبد الله بن مسعود في الاعلان عن المنافقين وهل هو في المسند ام لا. وذهب صاحب المنار نقلا عن «فتح البيان» الى ان الحديث موجود في المسند بينما نفى الشيخ شاكر ان يكون موجودا في احاديث عبد الله بن مسعود في المسند. وطرفا المساجلة كما هو معروف من اعلام الاسلام، فالسيد رشيد رضا، رحمه الله هو «راويه» الشيخ محمد عبده وصاحب المنار، والتفسير والمؤلفات العديدة والشيخ شاكر احد الذين عنوا بتحقيق مسند الامام احمد بن حنبل وخدمته خدمة دقيقة، فمنذا يستطيع ان يتصدى للحكم بينهما؟ كتب الشيخ البنا رحمه الله في 17 صفر 1350 الى السيد رشيد رضا بالفصل في الموضوع. فالحديث في المسند فعلا، ولكنه ليس من احاديث عبد الله بن مسعود، ولكن من احاديث «ابي مسعود» وقدم نصه والصفحة التي جاء بها الحديث في النسخة القديمة للمسند المطبوع بالمطبعة الميمنية سنة 1313.

وجاء في خطاب الشيخ: «وعلى هذا فيكون ما نقلتموه عن فتح البيان من عزو الحديث الى المسند صحيحا والصواب الى جانبكم من هذه الناحية وان وقع تحريف في نقل الرواية من ابي مسعود الى ابن مسعود، ويكون ما نقله فضيلة الشيخ احمد شاكر من عدم وجود الحديث في مسند ابن مسعود صحيحا ايضا والصواب الى جانبه من هذه الناحية، وان وجد الحديث في مسند احمد من رواية ابي مسعود الانصاري».

والى جانب هذا التحقيق الذي دق على الشيخين الكبيرين وفصل فيه الشيخ البنا، فإن ما يثير الانتباه اللباقة في مناقشة هذه القضية بحيث ان الشيخ رحمه الله جعل كل واحد منهما مصيبا، ولم يخطئ احدا منهما. وهذه اللباقة هي مما عرف عن الشيخ رحمه الله. ومما ورثه عنه الامام الشهيد.

> > >

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال