الاربعـاء 02 شعبـان 1426 هـ 7 سبتمبر 2005 العدد 9780 الصفحة الرئيسية
 
صافي ناز كاظم
مقالات سابقة للكاتب
إبحث في مقالات الكتاب
 
اعتقالات سبتمبر 1981

اليوم 6 سبتمبر، تمر 24 سنة على ما تم تسميته «اعتقالات سبتمبر الشهيرة»، تلك التي قرر الرئيس السابق السادات القيام بها ضد ما تصوره أعداءه وخصومه المناوئين لتحركاته السياسية. وقد شملت الاعتقالات قائمة من أبرز الشخصيات السياسية والثقافية والقانونية المعروفة من التيارات الفكرية والحزبية المختلفة كافة، الناصري، والوفدي، والماركسي، والإسلامي، والمسيحي، والمستقل، ومن ليس محدد الاتجاه، إلى جانب غير المعروفين، إعلامياً، من الطلبة والأساتذة والصحافيين ومن لا يمكن تصنيفهم على أي مستوى. كانت هجمة بدت للجميع غير منطقية، وغير متوقعة، وغير مدروسة، وصفها البعض بالجنون، والحماقة، والتخبط في أقل التقديرات.

بدأت الحملة فجر الخامس من سبتمبر، غير أنها بدأت معي ليلة الثاني منه. كانت الساعة الثانية بعد منتصف الليل، طفلتي، التي لم تبلغ الثأمنة، في سريرها نائمة في أمان، وأنا بغرفة مكتبي أتهجد في صلاة الليل مستمتعة ببعض الهدوء النادر في شارع العباسية. مفصولة من عملي والحمد لله منذ 11/11/1979، وممنوعة من النشر منذ 8/1971، وعائدة منذ عام من العراق الصدامي، الذي تركته احتجاجاً على ممارساته الوحشية ضد أهله وشعبه. في منزلي، في حالي، لا أخرج إلا حين أقف لاستلام معاشي، السبعين جنيهاً، بين السيدات اللاتي يوقعن ببصمة الإصبع، أشاهد السادات عبر المذياع المرئي في أدائه المسرحي لدور الرئيس والزعيم والقائد الذي يبدو لي كاريكاتوريا طريفا يبعث على الضحك، لولا أنه يحكم البلاد بالفعل، وأحمد الله أنه لم يبلغ صدام حسين في جبروته وجنونه الوحشي. دق الباب الساعة الثالثة صباحاً، تساءلت: من؟، افتحي أمن الدولة. نعم؟ بكل الغضب واجهت الضابط ومجموعة الترويع من العساكر والمخبرين. اتفضلي معنا دقيقتين. حزمت حقيبتي المملوءة بما صرت أعرفه جيداً من احتياجات المعتقل وأنا أسب وألعن وقد انفلق قلبي بكل ما اختزنته، عبر السنوات، من القهر المكتوم والظلم الوقح المستهتر بكل شعارات: الحرية والديمقراطية ومصر واحة الأمن والأمان.. إلخ. أيقظت ابنتي وقلت لها بوداعة: حبيبتي فاكرة لما قلت لك إن السادات جايز يعزمني عنده؟، هزت رأسها وهي لا تزال تحت وطأة النوم، «أيوه يا ماما»، طيب ياحبيبتي أهوه السواق بتاعه جاي ياخدني. «أنا معاك؟»، لا يا حبيبتي أنت دلوقت تتوضي وتصلي وتطلبي من ربنا يخسف الأرض بالظالم الجائر. بكت نوارة الانتصار، فقلت لها: المسلمة لا تبكي، كلمي ربنا.

أراد الضابط أن يحمل عني حقيبتي وعلى وجهه رقة وتعاطف. رفضت المنحة. أخذوني إلى قسم النزهة لأنتظر حتى الفجر ليتم ترحيلي إلى سجن القناطر للنساء. كنت لا أزال متصورة أن الإجراء ضدي في إطار محدود، لكنني ما لبثت أن تبينت شيوخاً وقساوسة يساقون إلى غرفة الحجز، سألت الضابط: ما هي الحكاية؟ لم يرد لكنه كان ضجراً. حين وصلت مكتب مأمور سجن القناطر للنساء تم الترحيب بي من السجانات اللاتي سبق لهن معرفتي في اعتقالي عام 1973 وعام 1975، وأخذتني المشرفة إلى قسم «جرائم الرأي»: «ادخلي شاهندة وفريدة معك!» ـ كانتا هناك منذ تسعة أشهر قبلنا ـ اندهشت شاهندة مقلد وفريدة النقاش. من الرابع من سبتمبر بدأ القدوم المتواصل لشابات صغيرات يرتدين الزي الشرعي، وشابة مسيحية، ثم الدكتورة أمينة رشيد، حفيدة اسماعيل صدقي باشا رئيس الوزراء في العهد الملكي، وأستاذة الأدب الفرنسي بكلية الآداب جامعة القاهرة، والمعروفة بفكرها الماركسي. تكلمت أمينة رشيد بصوتها الفرانكفوني تحكي كيف تم القبض عليها في تجربتها هذه الأولى، فقالت: «جاءني الضابط وطلبني لكلمتين، فقلت له ممكن نأجلها أسبوع لأنك شايفني مشغولة، فقال لا هي حكاية بسيطة وتعودين إلى منزلك. قلت له: إذا كان كده معلهش، لكن هم جاءوا بي هنا، مش هم كده يبقوا كذابين؟» كدت أهلك من الضحك وأنا أسمعها تتعجب بكل جدية من كذب الضابط وتتساءل إذا كانوا حقاً كذابين، كأنها لا تصدق، وهي بداخل الزنزانة ومقفول عليها معنا بالمفتاح في سجن القناطر للنساء.

في يوم 5 سبتمبر كان موعد إلقاء السادات لخطابه الذي يشرح فيه أسباب كل تلك الإجراءات المفاجئة وغير المفهومة. استطاعت شاهندة أن تدبر استعارة تلفزيون من تاجرة مخدرات، وأدخلته سراً إلى زنزانتنا لنشاهد الخطاب ونسمعه. كان السادات يزعق ويجز على أسنانه ويشوح بيديه ويهدد بقبضته طائحاً بعبارات مثل «فتحي رضوان كبر وخرّف» و«المحلاوي أهو مرمي زي الكلب»، و«لن أسمح» و«لن أرحم» و«لأغرينك بهم»....

جلسنا مبهوتات، المسلمات والمسيحيات والعلمانيات، والسادات يخترع حكاية «فتنة طائفية» تهدد البلاد وهو لن يقف أمامها مكتوف اليدين، وأن ديمقراطيته لها «أنياب»! انتهى الخطاب وقد أدركنا أننا وقعنا في يد المجهول. جاء المزيد، الدكتورة لطيفة الزيات، والدكتورة عواطف عبد الرحمن، والدكتورة نوال السعداوي، الذي بلغ بها الهلع مبلغه تردد: أنا مالي، أنا مش شيوعية، أنا لم أفعل شيئاً، أنا.. أنا، كأنها تؤكد منطقية الإجراءات وكأننا جميعاً نستحق الاعتقال إلا هي! ثم نقلنا من قسم «جرائم الرأي»، إلى عنبر المتسولين الذي يمنع عنا الاتصال بقسم «جرائم الرأي».

منعت عنا كل الحقوق، فلا زيارات، ولا طعام إلا طعام السجن غير المناسب للاستهلاك الآدمي، وبالطبع لا صحف ولا رسائل إلخ. عرفنا أن عدد المعتقلين بلغ 1500 وأنه تضمن فؤاد سراج الدين، ومحمد حسنين هيكل، وفتحي رضوان، والشيخ المحلاوي... و... وأسماء أبعد ما تكون عن إثارة أي فتنة، ناهيك عن «فتنة طائفية». أوصلنا الغموض والمعاملة المتعسفة، إلى توقع أي شيء حتى القتل غيلة داخل السجن، إن لم يصدر قرار بإعدام جماعي يروي به السادات غليله المتشوق لإبادتنا.

لم يستدع الأمر تدخل قوات أجنبية لتحررنا من قبضة الغول، تقدم الشاطر حسن، وفتح لنا الأبواب وعدنا إلى بيوتنا متحررين إلى حين.

> > >

التعليــقــــات
مهندس/حسن معوض - بلبيس - مصر، «مصر»، 07/09/2005
السيدة الفاضلة صافيناز كاظم لك الله فأنا عشت هذه الأيام أيام الفتنة الطائفية التي اخترعها السادات وكم كنت أتألم لمن سجنهم السادات وللديمقراطية ذات الأنياب ولمن وصفهم السادات بتشبيهات غير لائقة مثل الشيخ المحلاوي وكل السيدات اللواتي دخلن السجن ولا أدري حتى الآن لماذا دخلن السجن؟ وكلما شاهدت فيلما أيام السادات أضحك كثيرا عندما يأتي المشهد الخاص بأحداث سبتمبر 1981 لا أعاده الله علينا ولا على مصر ولا على أي دولة في العالم.
لمى عبدالعزيز، «المملكة العربية السعودية»، 07/09/2005
كان بودي لو أعطت الكاتبة تفاصيل قليلة عن الشاطر حسن، حتى تكتمل جوانب القصة.
د.عـيـدروس عـبـدالـرزاق جـبـوبـة، «المملكة المتحدة»، 07/09/2005
إن اعتقالا كهذا أعتبره كتاج يزين مسيرتك الحافلة بالحق والذوذ عنه ، فضعي التاج على رأسك ،خاصة إنك كنت في السجن مع كوكبة مصر الزاهرة ، فالكتاب هم ضمير الأمة النابض والمعبر عن أحلام فئات المجتمع العريضة. فلا تحزني ولا تيأسي، فإن الله هو نصير المظلومين ،بالرغم من أنني أراك قـد خرجت أنت ومن معك في السجن مظفرين ومنتصرين بلواء الحق والحرية .إني أغبطك عزيزتي على ذلك الشرف العظيم ،فإني أرى الجانب المضئ من الصورة والنصف الملآنة من الكأس ،ولك مني فائق الإحترام .
moustafa khalil، «المملكة العربية السعودية»، 07/09/2005
لاأدرى ما السر في أن تكتب الأستاذة صافى ناز كاظم عن اعتقالات سبتمبر 1981 في نفس اليوم الذي تجري فيه الانتخابات التعددية لأول مرة في مصر؟ وهل الكاتبة تدعو لانتخاب الشاطر حسن الذي فتح الأبواب وأعاد معتقلي سبتمبر إلى بيوتهم متحررين أم العكس تدعو لعدم انتخابه حين تقول (إلى حين) أي أنها فرحة ما تمت؟ وأرى أن الأستاذة صافي ناز محتارة مثل معظم المفكرين المسلمين في هذه الانتخابات، فليس هناك مرشح محسوب على التيار الإسلامي أو حتى متعاطف مع هذا التيار سوى الحاج أحمد الصباحي الذي وعد بإعادة الطرابيش إلى رؤوسنا العارية وتعيين قارئ للكف في كل وزارة مثل قارئ السورة في المساجد لكي نكون على بينة من أن مستقبلنا مثل ماضينا، أما جماعات الإسلام فقد طلب المرشد العتيد من الإخوة أن ينتخب كل منهم من يشاء (ربما بعد ان يستخير المرشد). والواقع أن التيار الاسلامي سيظل لأمد طويل بعيدا عن الواقع المعاش طالما أن جماعة مثل الإخوان المسلمين باقية بنفس المواقف البالية ولا أقول الأفكار وطالما يتم تسليم قيادتها من كهل إلى كهل مثل أعتى النظم الشمولية ولو أن كاسترو الجماعة ظل حيا لكان هو المرشد حتى الآن دون منازع. المفترض أن هذه الجماعة كانت حلت نفسها منذ أمد بعيد ولا تنتظر أن تحلها الدولة فالجماعة لم تقدم شيئا للمجتمع منذ وفاة مؤسسها، وظل التيار الإسلامي بمصر في وجود هذه الجماعة ضائعا بين جماعات العنف التي ألصقت نفسها بها أو ببعض مفكريها وبين المنظرين للفكر الاسلامي الذين يتداولون عبارات وكتب ليس لها أي علاقة بواقع المجتمع مثل الحوار مع الآخر والإسلام في ظل العولمة وبين طبول دراويش الصوفية وبين من يرفعون قضايا الحسبة على الممثلات والراقصات ويناقشون الفرق بين الحجاب والنقاب وهل غير ذا الظل من الصور حرام ام حلال؟ والناس في دنيا أخرى يكابدون من أجل لقمة العيش ومعظمهم يرون أن أداء العبادات هو غاية المسلم والإسلام والقلائل الذين هم الأمل الذين انخرطوا في أعمال تطوعية لخدمة الناس وهدفهم إرضاء لله.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال