الاثنيـن 16 ذو القعـدة 1426 هـ 19 ديسمبر 2005 العدد 9883 الصفحة الرئيسية
 
محمد صادق دياب
مقالات سابقة للكاتب
إبحث في مقالات الكتاب
 
طز يا أفندم!

كان البحارة العرب الذين يتنقلون بين موانئ البحر الأحمر إبان الحكم العثماني بحمولاتهم من التبغ والبن والتوابل والعطور، ما أن يروا مفتش الجمارك التركي في طريقهم حتى يصيحوا بصوت واحد:

ـ طز يا افندم طز.

وطز بالتركي تعني الملح، وقد كان السلعة الوحيدة المعفاة من الرسوم الجمركية لضآلة شأنها، فيفتح لهم سمسم التركي أبوابه ويمضون.

ورحل الأتراك من ديارنا العربية، ونسوا وهم يحملون متاعهم في ركابهم أن يأخذوا «طزهم» معهم، وتركوها لنا تسرح وتمرح سنوات طويلة، وقد تمكنت بحكم العيش و«الطز» والعشرة أن تدخل القاموس العربي الشعبي من أوسع صفحاته، وغدت المفردة التي يصعب أن تجد بديلا لها في الكثير من المواقف الانفعالية، فحينما يقول لك خصمك سأريك نجوم الليل في عز الظهيرة بدون نظارة شمسية، فلا تجد شيئا تتوكأ عليه للتقليل من شأن تهديده سوى الاستعانة بتلك الـ«طز» التركية. وليت الأتراك أخذوا «طزهم» معهم عند الرحيل، ولم يخلفوا لنا هذه الكلمة التي غدت شعار استهتارنا العربي بكل شيء، فلقد قالوا لصدام: إن العالم قد أرسل إليك فلذات أكباده لمحاربتك، فأشهر في وجوههم سيف الـ«طز» ولم يبال.. يومها ربما ظن الأميركان أن «طز» في القاموس العربي الشعبي تعني «أسلحة دمار شامل»، ففتشوا عنها بعد الاحتلال طويلا دون أن يعثروا عليها، فلقد كانت فص «طز» وذاب. ولو كنت مسؤولا لمنعت هذه الـ«طز» من التداول، فلقد اقترنت هذه الكلمة بجل خلافاتنا العائلية والاجتماعية والدولية، فنحن نلوك هذه الـ«طز» في اليوم الواحد مئات المرات حتى أصبنا جميعا بضغط الدم باعتبار الـ«الطز» أحد الأبيضين الأكثر خطورة في طعامنا، وهما: الملح والسكر.

وفي أحد اللقاءات الثقافية العربية أراد مندوب من إحدى الدول المغاربية أن يمتدح عيون سيدة عضو في وفد دولة مشارقية فنعتها بعيون «الجحشة»، ففجرت تلك السيدة في وجهه سلسلة من الـ«طزات» السريعة الطلقات، وفوجئ المسكين بهذا الهجوم الكاسح لأن عيون الجحشة في تقديره لا تعتبر سبة بحال من الأحوال، فلقد برر قوله بأن عيون «الجحشة» كحيلة ناعسة، ولم يحل الإشكال إلا ذهاب وفد من المثقفين لمعاينة عيون الجحشة على الطبيعة في إحدى الزرائب القريبة، ليتأكدوا بالفعل أن عيون الجحشة تستحق أن ينثر عليها شيء من الـ«طز» خشية الحسد لأنها جميلة حقا، وارتضت السيدة العربية «المشارقية» بالحكم، وقدمت اعتذارها وقد سحبت كل «طزاتها» المبعثرة في فضاء المكان.

وأخيرا: إذا أردنا السلامة من كلمة «طز» هذه المشاكسة المناكفة المخاتلة فلا بد أن نمنحها تأشيرة خروج بلا عودة من قاموسنا الشعبي، وأن نقول في وداعها: «ألف طز»!

m.diyab@asharqalawsat.com

> > >

التعليــقــــات
محمود مرسي، «الامارت العربية المتحدة»، 19/12/2005
وحدث أن صديقي المغربي صادف مصرياً في النرويج فدار بينهما كلام وتعارف جميل، إلى أن سأل المغربي المصري إنت خدام هنا؟ فغضب المصري وتأفف وكاد يرفع يديه ليضربه، فالمصري يعرف في لهجته أن الخدام هو الخادم، بينما يعرف المغربي في لهجته أن خدام تعني موظف .. والطريف أن إدارة شؤون الموظفين في بعض الدوائر المصرية لا تزال تسمى إدارة المستخدمين! كلامك يا أستاذ دياب هو من عيون الكلام بالمعنى العربي المشارقي والمغاربي!
الأمين الزبير علي، «المملكة العربية السعودية»، 19/12/2005
حقيقة لم يسلم كبير ولا صغير في عالمنا العربي من هذا الطز اللعين والذي لا يوجد له ذكر في معاجمنا العربية المشهورة. إذا ما نطقنا هذه الكلمة بضم الطاء باعتبارها كلمة تركية فهي تعني الملح، فطز استخدماها في غير محلها دليل على السخرية واللامبالاة، وقد كانت هذه الكلمة الشرارة الأولى للعديد من الفتن والحروب والخلافات والمصائب، فما أسوأ هذه الكلمة التي يستحيل أن نصدر لها تأشيرة ذهاب بلا عودة بعد أن استفحلت في العقول شيطانية متزامنة مع لحظات الغضب والانفعال.
صلاح النجار، «المملكة العربية السعودية»، 19/12/2005
بمناسبة الطز أروي لكم قصة طريفة حدثت لي توضح اختلاف معاني الكلمات بين اللغات. كنت أشتري فاكهة من محل والبائع جنسيته باكستانية، لكنه حينما تأخر قليلا في إحضار ما طلبته قلت له بسرعة يا جدع ( وجدع بالعامية المصرية معناها شخص جيد) بيد أن الباكستاني بدت عليه علامات التعصب ورفض أن يبيعني اي شيء، فلما سألت آخر عرفت أن جدع بلغة الأردو الباكستانية معناها حمار.
محسد الكاظم، «هولندا»، 19/12/2005
مرة قلت لزميلة مغربية بعد تناولنا الغداء بالعافية ـ وتعني باللهجة العراقية ـ بالصحة والهنا، فأجابتني نار لما تهريك، اتضح بعدها أن العافية هي النار باللهجة المغربية، وعند إخواننا المصريين تعني المرض وهي على النقيض تماما مما نعنيه في الشرق.
حمد الصالح، «الكويت»، 19/12/2005
مقال ممتاز وحبذا لو نشر العديد من هذه الكلمات التي تسبب الكثير من الإشكالات بين مواطني الدول العربية. أنا شخصيا تعرضت إلى إشكال كاد يتسبب في مشاجرة بيني وبين سائق سيارة أجرة أقلني من المطار إلى الفندق في الرباط وبعد أن أعطيته أجرته قلت له (الله يعافيك) وهي تعني في المغرب (عرفت ذلك لاحقا) إن شاء الله تموت!
مجدى شلبى، «مصر»، 19/12/2005
من الكلمات ذات المعانى المتضادة ، كلمة (مبسوط) في اللهجة المصرية ، وتعني سعيد أو غني ، وباللهجة العراقية معناها مضروب ضرباً مبرحاً. أعترف لك يا أستاذ محمد ـ رغم بلوغي مرحلة المشيب ـ أن هذه أول مرة أعلم فيها مصدر ومعنى كلمة (طز) ، رغم اعتيادي على التفوه بها قليلاً ، وسماعها كثيراً .

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال