الاربعـاء 22 جمـادى الثانى 1427 هـ 19 يوليو 2006 العدد 10095 الصفحة الرئيسية







 
رشيد الخيون
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
العراق.. ألا يُرخي حل الميليشيات حواضن الإرهاب؟

تعددت الميليشيات المسلحة حالياً، التي تجوب قرى ومدن العراق كأذرع قوة للأحزاب والمنظمات، ويمكن حصرها بثلاثة أصناف من حيث النشأة: ما نشأ زمن المعارضة، وظل يحتفظ بسلاحه بعد زوال السبب مثل، منظمة بدر. وما ظهر فجأة سط الفوضى وغياب الدولة، مثل جيش المهدي. وما برز تدريجياً مازجاً بين السرية والعلنية، تحت ذريعة المقاومة، مثل كتائب ثورة العشرين، والجيش الإسلامي.

أما البيشمركه الكردية فهي من جنس الميليشيات أيضاً! على اعتبار أنها قوى حزبية. لكنها لا تزال بعيدة عن المواجهة، وتتولى أمن المنطقة الشمالية، وهي بحاجة إلى حراسة متمرسة في حروب الوديان والجبال. لأن خصماً جديداً تدرب على قمم وفي كهوف توربورا أفغانستان، ودخل تحت تسميات مغرية: جند الإسلام، أنصار الإسلام.

كتائب تأصلت من كتائب الإخوان المسلمين بمصر الثلاثينيات والأربعينيات، وتعلمت تفجير الأنفس في صبيحة عيد أو عرس وحتى مأتم. بالتأكيد ليس من مهام البيشمركه مواجهة الجيوش النظامية، إذا نوت التجاوز. لكن علينا تحسب الخطر لو أن تلك الكتائب وجدت طريقها إلى الجبال والوديان، ولم تجد مَنْ يواجهها، ألا تهبط المتفجرات سيولاً إلى أسافل العراق! ومع ذلك، بعد استقرار الحال، لا بد من مركزة السلاح بيد الدولة.

عرفت بغداد أنواع الميلشيات قديماً وحديثاً، حتى أخذت تزاحم الدولة، وكثيراً ما اضطرت إلى مسايرتها لاستغلال نفوذها، أو تجنب شغبها. وكان أخطرها ما ظهر في القرن الرابع الهجري، حتى أضطر الخليفة الراضي بالله (ت 329هـ) إلى منع واحدة منها، تمترست بالسلاح والعقيدة وهم الحنابلة، خشية من الشغب بالطرقات والمساجد (تجارب الأمم). ثم ظهر أمر الفتوة المسلحة، وانتظم الناس فيها. كانت الفتوة العلوية تعقد «اجتماعها في مسجد براثا، بغرب بغداد» (مصطفى جواد، مقال الفتوة وأطوارها). وقد حصلت الفتنة عندما قابل العلوية الشيعية تأسيس الفتوة السُنَّية. قال ابن جبير (ت 614هـ) في هوية الأخيرة: «تعرف بالنَّبوية، سُنّيون يدينون بالفتوة، وبأمور الرجولة كلها... يقتلون هؤلاء الروافض أين ما وجدوهم» (رحلة ابن جبير).

عادت بغداد إلى نظام الفتوة أوان حركة رشيد عالي الكيلاني 1941، وتبنى أمرها الطبيب سامي شوكة (ت 1986)، المعجب بفاشية موسوليني ونازية هتلر (الجادرجي، افتتاحيات جريدة «الأهالي»). أسس شوكة «منظمة من الشباب من ذوي القمصان السُّود»(حميد المطبعي، موسوعة أعلام العراق). وهي عبارة عن ميليشيا قومية، لا تحسب على مذهب أو طائفة.

وبعد ثورة تموز 1958 صدر أمر وزاري بتشكيل ميليشيا المقاومة الشعبية، دفاعاً عن الجمهورية. وكانت ذراعاً للحزب الشيوعي العراقي، وقائدها كردياً اسمه طه مصطفى البامرني. وماذا ينتظر من شباب مسلحين يجوبون الشوارع مزهوين بملابس الكاكي، التي لها القوة والشرعية في اللحظات الثورية، غير مضايقة الناس وإشاعة العنف! لكنها أقل من عام وتحل بأمر وزاري أيضاً. وكان مقابل ذلك التنظيم تشكلت ميليشيات سرية، وأخذت حمأة الصراع تتصاعد عبر الاغتيالات والتصادم في الشوارع، وهناك قائمة طويلة من المغتالين بالأعظمية والأنبار.

ولم ينته الأمر بانتصار البعثيين والقوميين في 8 شباط 1963، بل شكلت ميليشيا الحرس القومي بقانون رقم (35) في التاريخ أعلاه: «يسلح أفراد الحرس القومي بالمسدسات والغدرات (رشاش بور سعيد المصري) والبنادق من الأنواع المتيسرة». وانضم إليها أصناف غير سوية من البشر. إلا أنها تسعة شهور وتحرم بأمر جمهوري أيضاً. وصدر ضدها كتاب «المنحرفون»، وأخذ يُطلق عليها بالحرس اللاقومي. وتزعمها في بداية الأمر ضباط بعثي، شارك في الانقلاب، وهو منذر توفيق الونداوي، سفير صدام في ما بعد. إلى جانب هذه الميليشيات هناك الميليشيا المحدودة العدد التي عُرفت بجماعة الخالصي، وهم مسلحون يأتمرون بأمر الشيخ محمد مهدي الخالصي (ت 1963) بمدينة الكاظمية، لكنها استخدمت العنف وأعانت ميليشا الحرس القومي ثم اختلفا وألغيت بإلغائه.

وبعد حين ظهرت ميليشيا «الجيش الشعبي» البعثية، السنة 1975، وفقاً لمرسوم من مجلس قيادة الثورة. وتشكلت ميليشيا أخرى بقرار من المجلس نفسه، وهو على نمط كتائب سامي شوكة في الأربعينيات: «الفتوة وكتائب الشباب»، وانضم لها طلبة الثانويات والجامعات. كانت تلك التشكيلات مقدمات لعسكرة المجتمع، وتهيئته لكوارث قادمة. ناهيك من فدائيي صدام، وجيش القدس وغيرها من المسميات.

لكن كل الميليشيات المذكورة كانت بقرارات حكومية، ما عدا جماعة الخالصي. أما الميليشيات الحالية فأمرها آخر تماماً. تشكلت منظمة بدر بإيران، كذراع عسكري للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية. ومن هناك أخذت تقاتل النظام السابق، ورغم أنها شيعية صرفة، إلا أنها ضمت عناصر من أهل السُنَّة، من الفارين أو أسرى الحرب. ودخلت العراق بعد سقوط دولة البعث بيد الأمريكان. ثم ظهر ما يعرف بجيش المهدي، وأخذ أهل الجنوب والوسط يعانون من تجاوزاته، وكان قتل السيد مجيد الخوئي (10 أبريل 2003) أول الغيث. وبرز من قياداته شخص يدعى (أبا درع)، اتهم بارتكاب جرائم، حتى برز وكأنه النسخة الشيعية من أبي مصعب الزرقاوي. ولجماعة جيش المهدي محاكم شرعية خاصة بمدينة الثورة، على نمط المحكمة التي اكتشفت بعد الانسحاب من النجف، وخطوط استخباراتية. ومع ذلك يضم التيار الصدري، الذي يعد جيش المهدي ذراعه، عقلاء يحاولون درأ الفتنة والتأثير الإيجابي في الأحداث.

ويدرك المتأمل للتسميتين، بدر والمهدي، خطرهما مثلما هو خطر تسميات الميليشيات وحواضن الإرهاب السُنَّية غرب العراق: كتائب ثورة العشرين، ويشار إلى صلتها بهيئة علماء المسلمين، والجيش الإسلامي، ويشار إلى صلته بالحزب الإسلامي (إخوان المسلمين)، وجماعة التوحيد والجهاد، وجيش المجاهدين وغيرها. تشير تسمية «بدر»، كقوة سياسية وعسكرية، إلى وجود مشركين، بينما ورد في القرآن الكريم: «اليوم أكملت لكم دينكم ... الآية». وتشير تسمية «المهدي»، كقوة مسلحة، إلى ما ليس من اختصاص أحد غير الإمام عند الظهور.

إن وجود هاتين الميليشيتين، وما يشابهها في الجنوب، يحسبه البعض مبرراً لتنشيط حواضن الإرهاب في الغرب، كخط دفاع في حمأة التحرش الطائفي. غير أن كلاً من الحواضن السُنَّية والميليشيات الشيعية مسؤولة عن التهجير الطائفي، وإيذاء الوحدة العراقية. لذا لا يمكن للمصالحة الوطنية أن تستقيم بلا حلها، ومنع مظاهر التسلح غير الرسمية، وردم كهوف الإرهاب. هذا إذا أراد القائمون على الميليشيات والقابضون على مفاتيح بوابات الحواضن استقرار البلاد، ونبذ الإرهاب.

r_alkhayoun@hotmail.com

> > >

التعليــقــــات
علوان حسين الولايات المتحدة الامريكية، «الولايات المتحدة الامريكية»، 19/07/2006
أستاذ رشيد طالما ان هؤلاء جزء من جسد الحكومة , لهم وزراء ونواب ويمارسون إزدواجية في التكتيك السياسي إذ يمدون يداً للسلطة ويحتفظون بيد قابضة على الخنجر لطعنها في أية لحظة يمارسون فيها إرهابهم وتحديهم لها. تمت مثال صارخ هو حزب الله في لبنان الذي يعمل وفق أجندة إيرانية كذلك جيش المهدي الذي يعمل وفق الأجندة الإيرانية أيضاً والذي يشكل خطورة ليست في حاضر الوقت وإنما في مستقبل البلاد من حيث هو دولة داخل الدولة . في تقديري المتواضع لا حل لعقدة الميليشيات سوى حكومة إنقاذ وطني علمانية تنسف من الأساس لعبة المحاصصة الطائفية وتهدم كهوف الإرهاب.
كاظم مصطفى، «الولايات المتحدة الامريكية»، 19/07/2006
كنا نود أن تبين لنا تمويل هذه المليشيات الشيعية والسنية وأن تبين خطرها على المجتمع ككل وأن نتعلم الدرس من لبنان الجريح بسبب وجود حزب وأسلحة خارج مسؤولية الدولة اللبنانية . لن يستطيع العراق أن يحضى بالأمن إلا بالقضاء على كافة المليشيات المسلحة ونزع أسلحتها .
علي الكاش / اليونان، «اليونان»، 19/07/2006
رغم أن المقال تناول الميليشيات بمناظير مختلفة، حسب رؤيتك، فإن خاتمته جاءت متوازنة بعض الشيء، لقد جمعت بين الميليشيات التي انطوت بذل تحت لواء قوات الإحتلال وبين الميليشيات كما سميتها الوطنية التي تقاتل هذه القوات ، وهذا إجحاف ما بعده إجحاف بحق المقاومة الوطنية، وتحدثت عن تجاوزات جيش المهدي في الجنوب، وقد فاتك أن الأمر ليس تجاوزات إنها عمليات قتل مبرمجة، وإصرار على استمرارها، وإلا كيف تفسر لنا تدمير اكثر من (138) مسجد سني وقتل (4000) سني بعد احداث سامراء، او إختطاف المرشح السني من داخل وزارة الصحة الصدرية من قبل الجيش المزعوم، او إختطاف النائبة تيسير المشهداني من قبل جيش المهدي، والمطالبة بإطلاق سراح (25) من ناشطي الجيش مقابل إطلاق سراحها، ولا أعرف إن قرأت عن المقاتل الصنديد أبو درع وما أدراك من هو أبو درع ؟ ثم نسيت الحديث عن مآثر فيلق بدر الذي كان الشرارة الأولى لكل أحداث العنف اللاحقة في العراق، من حيث محاولات الإغتيال التي لا تعد ولا تحصى للبعثيين وقواد الجيش والطيارين، كما لم تتحدث لنا عن أمر بالغ الأهمية، وهو المؤثرات الخارجية على الميليشيا وبالذات إيران ؟ ثم لماذا كل هذا الحياء من الحديث عن البيشمركة ؟
د. هشام النشواتي,CA، «المملكة العربية السعودية»، 19/07/2006
مقال رائع يدل على العمق التاريخي للعنف في المنطقة العربية والإسلامية. المليشيات سرطان خطير في البلد والأمة وهو ينتشر بسرعة ويهدم البلد نفسيا ومعنويا ويؤثر على الاستقرار العالمي لأنه يتحول إلى بؤرة إرهاب كما في ظاهرة بن لادن.
صلاح هادي، «الولايات المتحدة الامريكية»، 19/07/2006
لا شيء يفتك بالجسد العراقي ويحوله إلى شرذمات كالميليشيات. منذ أن سقط صدام وحتى تشكيل الحكومة المؤقتة والحكومة الحالية والميليشيات تعبث وتقتل وتهجر وتسرح وتمرح ولا من حكومي صاحب نخوه يقول كفى حطموا الميليشيات عربية كانت أم كردية.
الجميع يعرف بأن أغلب من في الحكومة هم وراء تلك الميليشيات وهم وحدهم المستفيدين ماديا ومعنويا من وجودها.
وحتى فكرة حل الميليشيات ودمجها بأجهزة الدولة الأمنية لن يزيد الأمر سوى الكارثية وذلك لكون تلك الميليشيات سوف تصبح شرعية وستمارس ما تمارسه الآن بل على أقوى وأشد . الحل في اعتقادي هو أن تتدخل قوات التحالف في حل تلك الميليشيات وبالقوة وإلا لا مستقبل للعراق وسينجح دعاة تقسيم العراق بتقسيمه وبيع أجزاء كبيرة منه إلى إيران.
باسم محمد صالح، «الامارت العربية المتحدة»، 19/07/2006
عزيزي الكاتب مما يسجل لك في كتاباتك هو السرد التاريخي في عرض الموضوع المتناول .. إن المليشيات التي تحدثت عنها في العصر الجمهوري تشكلت وحلت بقرارات حكومية ولأهداف محددة ومع ذلك أساءت في تصرفاتها ومارست العنف وتركت انطباعاً سيئاً حتى لمن أنشأها، واليوم فإن الحال مختلف فالمليشيات تسللت إلى أجهزة الدولة وصارت تمارس أعمالها تحت غطاء القانون مأتمرة بتوجيه مرجعها وليس بالقانون ، ولضعف السلطة ولتفرج قوات الاحتلال عما يجري فإن هذه المليشيات أصبحت هي الفيصل في الكثير من الأمور وصار البعض يعمل متطوعاً لخدمة أهدافها طمعاً أو خوفاً .. لقد أضحت المليشيات بكافة أنواعها هي مصدر الخطر الحقيقي لتدمير العراق المدمر أساساً وأن الأمور لايمكن أن تعود إلى نصابها إلا بحل هذه المليشيات وتطهير عناصر الجيش والشرطة منها ، فلم يعد هناك أي مبرر لوجودها كما أن على الحكومة السيطرة على السلاح بكافة أنواعه وتفعيل القوانين الخاصة بحظر حمله وتحديدات استخداماته، فقد اختلطت الأمور التي يصعب فيها التمييز بين رجل القانون وأي مسلح آخر.
majed alhamadani، «الولايات المتحدة الامريكية»، 19/07/2006
شكرا للاستاذ على هذه المعلومات القيمة وأعتقد أنه يجب أن نتعلم الدرس من الماضي حتى نترك لغة اللوم ونتجه إلى ما ينفع مجتمعاتنا مع شديد الأسف لا يزال البعض يتهم طرفا ويتجاهل الطرف الآخر وإذا استمر الحال سوف نصل إلى اليوم الذي نكره حتى أنفسنا وهذا ما يريده عدونا فإما أن نكون قدر المسؤولية أو نستسلم الى الطوفان القادم على خيول بيض متبرجة بحلي الديمقراطية وحقوق الإنسان التي جاء بها الإسلام منذ أكثر من ألف عام.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2017 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام