الاربعـاء 22 جمـادى الثانى 1427 هـ 19 يوليو 2006 العدد 10095 الصفحة الرئيسية
 
مشعل السديري
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
فردة حذاء لأربعة أقدام

بحثت عنه طويلاً، وأخيراً وجدته، وإذا به (متبرّم) ووجهه (مسخوط) يقطع الرزق، ففكرت أن أتركه بحاله. لأنني بصراحة أكره وأتشاءم واتتطيرّ من كل وجه عكر أو حزين أو غاضب أو حامل لهموم الدنيا على (نافوخه). لأنني بكل بساطة إنسان شفاف أو هفاف أو خيالي أو سرابي لا أحتمل الاعوجاج، وكذلك لا أحتمل الاستقامة، ولا الجمود، ولا التأطير، ولا أخضع لأي تعاليم أو قوانين أو علامات أو اتجاهات، فأنا سعيد جداً (ببعثرتي) وحيرتي وانشطاراتي وتساؤلاتي وجهالاتي التي ليس لها أول ولا آخر. ولو انه كان لها أول وكان لها آخر لما كان لحياتي أي طعم، ولما كان في صدري أي نيران، ولما كان في عقلي أي جنون، ولما كان في قلبي أي غرام، ولما كان الذي يشقيني هو الذي يسعدني، ولما كان الذي يحفزني على الموت هو الذي يضخ في شراييني ألق الحياة.

من مزاياي التي أفخر وأفاخر بها أن ضحكاتي تسابق دموعي، وان أفراحي تزاحم أحزاني، وان عذاباتي تتواضع وتتوارى خجلاً أمام بطن أي فقير جائع، أو أي صدر لسجين مكلوم ومظلوم، أو أي خد لطفل ضائع باك، أو أي قدم لحسناء هوت بها الدنيا دون سابق إنذار، ودون أن تجد فتى أحلامها الذي نسجت صورته ليلة بعد ليلة بمغزلها الذي تحول بين أناملها الرقيقة إلى شفرة مقصلة من دون أي عدل أو شفقة أو منطق.

إن الدنيا رغم روعتها فهي أحياناً ـ للأسف ـ بشعة وقذرة لا تلتفت إلى أحد، وهذا هو الشيء الوحيد الذي يكدر خاطري ويجعلني في أكثر الأحيان أعيش في ذهول.

إنني لا أطلب المستحيل، أريد فقط أن يعيش كل إنسان يومه بيومه في شيء قليل من الأمان، فهل هذا على الله عزيز؟!

إنني أخوف ما أخاف من (الفجيعة)، ليس على نفسي، فهي (بالهاوي والذيب العاوي)، ولكني حقاً أخاف من فجيعة نفسي على غيري ممن أحب، وممن لا أحب كذلك.

إنني لا أفرق بين عباد الله أحداً، ولا بين مخلوقات الله أحداً، فالله لم يوجد الكائنات عبثاً، وإنما أوجدها ليعطف ويحدب ويرعى ويخاف كل مخلوق على صنوه الآخر.

قد يكون في كلامي هذا شيء من الخيال، بل إن فيه الكثير الكثير من الخيال، فأنا أعلم ذلك ولست بالساذج المفرط في سذاجته. لأنني أعرف أن كل مخلوق ما هو إلا آكل ومأكول في نهاية المطاف، سواء كان إنساناً أم حيواناً، أم حشرة، أم نباتاً، أو حتى جماداً، ولكنني من (غلبي) أتوق إلى ما هو أعلى وأجمل وأكمل وأخلد والآن وبعد هذه (التهويمة) التي سجنتني وجرتني من عنقي ومن كراع وراءها، انتبه على حالي وأتذكر وأعود لما بدأت به مقالي من البحث عن ذلك الإنسان الذي وجدته متبرماً.

سألته عن مصيبته، فقال لي: إنها حياتي، فسألته مرّة أخرى: ما لها حياتك؟!، فقال: لقد ضقت بها ذرعاً، فقلت له: إنني أعرف أنك أحببت ثم تزوجت وما زلت هائماً بزوجتك. فقال لي: هذا صحيح إلى حد ما، ولكن يا ليتني عندما أحببت فشلت وخرجت مطروداً أو هارباً من ذلك الحب بدلاً من أن أشتري في كل سنة ثمانية أحذية لثمانية أطفال.. فضحكت من همه السخيف هذا وقلت له: الحمد لله أنني لا اشتري غير (فردّة) حذاء واحدة في كل سنة، لقدم واحدة من أقدامي الأربعة.

meshal@asharqalawsat.com

> > >

التعليــقــــات
الهام مشعل، «المملكة العربية السعودية»، 19/07/2006
أستاذي الفاضل القدير المحبوب مشعل أولا أقدر لك إحساسك المرهف والذي أتمنى من الله أن يكون كل الخليقة لهم هذا الشعور ولكن لا ننسى قول الله تعالى (ومن يتق الله يجعل له مخرجا) فمن أراد أن يكون في أمان من كل ما يحصل في هذه الدنيا فعليه الأخذ بهذه الآية و الله المستعان.
فاطمة سعيد، «الامارت العربية المتحدة»، 19/07/2006
كم اسعدتني كتابتك أخ مشعل ومعك حق فيما ذهبت إليه، لكني أتساءل لماذا عندما يغضب بعضهم او يحزن او يزعل لأي سبب سواء في العمل او المنزل لماذا يصب جام غضبة على الكل؟ ما ذنب الناس الآخرين كي يستقبلوا غضبنا وحزننا؟ ولو من باب المجاملة نبتسم في وجة الاخرين .
نور أحمد، «المملكة العربية السعودية»، 19/07/2006
أستاذ مشعل.. هكذا علمتنا التجارب! أن نمضي في مسيرة مصائرنا ، فالحياة بقدر ما تهب للإنسان من أماني فهي أيضاً تقتلع من نفوسنا أضعاف الأماني.. هكذا علمتنا التجارب! أن نخضع بعض الأحيان حتى تستقيم خطانا فتخضع التجارب لنا.. والحياة في مسيرتها.. آمال وآلام.. صفتان يجمعهما التناقض لكن لابد منهما. الإحساس بالفشل في بعض الأحيان يولد النجاح.. والنجاح لا تصحبه لذته إلا إذا كان هنالك إرهاق للجسد والروح.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال