الاثنيـن 22 رمضـان 1427 هـ 16 اكتوبر 2006 العدد 10184 الصفحة الرئيسية
 
عبد العزيز الخضر
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
حكومة حماس.. وأزمة الاعتراف بإسرائيل

تحاصر حكومة حماس في هذه المرحلة مسألة الاعتراف باسرئيل، ووضعتها مبكرا مع تجربتها الجديدة أمام مأزق تاريخي، ولم تنجح الحيل المتعددة في تجاوز هذا الاشكال مع عدم الوضوح في الموقف من مبادرة السلام العربية التي أقرتها قمة بيروت عام 2002 والتي تتضمن اعترافا ضمنيا باسرائيل. وكانت هذه القضية عاملا مؤثرا في افشال العديد من المحادثات والوساطات المختلفة وازدياد الفجوة بين موقف حماس والمتطلبات الدولية، حيث ترفض حماس حتى الآن أن يتضمن برنامج الحكومة أي اعتراف باسرائيل.

الوعي بإشكال الاعتراف بإسرائيل.. كأزمة مستقبلية متوقعة ستواجه الحماسيين في عدة مراحل كانت متوقعة منذ اللحظة التي حققت فيها الانتصار في الانتخابات، وما يتطلبه العمل السياسي من مرونة تؤثر على نقائها النضالي كحركة مقاومة. الذي لم يكن متوقعا، هو أن تتحول هذه المسألة إلى «حل سحري» تربط به كل الأزمات، بعد أن علقت مستحقات دولية عديدة كالمعونات الأمريكية والأوروبية للسلطة الفلسطينية، وفتح أبواب العواصم العربية والغربية أمام قادة حماس.

من المستبعد الوهم بأن قادة حماس كانوا يظنون أن هذه الأموال هي مجرد تبرعات لجمعيات خيرية وليس له شروط ومتطلبات سياسية، لكن العقاب جاء مبكرا وغير متوقع بحصار غير انساني عن طريق التضييق على المجتمع بلقمة العيش، ومعاقبته عاجلا على اختياره الذي جاء من الشعب الفلسطيني كتعبير في وجه المأزق والانسداد الكبير الذي وضعت فيه اسرائيل عملية التسوية السلمية والفساد الاداري الداخلي.

كانت وثيقة الوفاق الوطني التي جمع فيها كل شيء حول ما تراه حماس وفتح والفصائل الأخرى، أوكلت لفتح الاعتراف باسرائيل وبالشرعية الدولية والمبادرة العربية واقامة مفاوضات والاعتراف بحدود 67. لكن هذا لم يعجب أمريكا التي تريد من حماس أن تعترف صراحة باسرائيل لتحويلها إلى مجرد حزب سياسي لا علاقة له بالمقاومة والتأثير على حالة الممانعة الفلسطينية التي تشكلها حماس، وهكذا وجدت حركة حماس مبكرا ثمن الاستدراج لفخ الانتخابات، باستعجال خصومها انتهاك شعاراتها ونقائها النضالي، وأصبح مطلوبا من حكومة حماس أن تجدد اعترافا موجودا. لا يوجد مفاجأة حول الاصرار الأمريكي والأوروبي على جعل الأولية في فرض الاعتراف باسرائيل ليس على حركة حماس فقط وإنما على الدول العربية، لكن اصرار فتح على أي حكومة الالتزام باشتراطات اللجنة الرباعية على هذه المسألة ليس بريئا. لقد حاولت «فتح» ان تمرر هذه الفقرة الى وثيقة الوفاق الوطني التي لا تشير الى الاعتراف بالاتفاقات الموقعة بين المنظمة واسرائيل، لكن كان هناك اعتراض من القوى الرئيسة كالجبهتين «الديموقراطية» و«الشعبية» وحركتي «حماس» و«الجهاد».

ما يحدث يشير إلى أن مسار التسوية تحول إلى الزام تاريخي يصعب اخضاعه لأمزجة وشعارات ادارات متعاقبة، وإلى حجم الصعوبات والعقبات لتصحيح ما خلفه عرفات في هذه الأجواء الدولية منذ اوسلو عام 1993.

هذه الأيام بدأ التحول من خطاب رفض الاعتراف إلى الحديث عن مسألة الاعتراف المجاني، وأن الحكومة ليس لديها استعداد لأن تعطي إسرائيل شرعية مجانية في الوقت الذي تواصل فيه احتلالها للمناطق الفلسطينية، تبدو محاولة في مسار تصحيح الأخطاء السابقة في عمليات التسوية، لكن جميع الاتفاقات بما فيها المبادرة العربية ليست مجانية شيء مقابل شيء، وهي لا تغير من حقيقة اشكال الاعتراف من المنظور النضالي، والحديث عن مقابل لا يعدو أن يكون تلطيفا خطابيا لأزمة مبدأ، وهو تنازل أكثر صعوبة من قبول حماس بدولة كاملة السيادة على الأرض الفلسطينية التي احتلتها اسرائيل عام 67، الذي كان يمثل تحولا عن أدبيات بعض الحركات الاسلامية التي ترى اقامة دولة فلسطين اسلامية على كامل ارض فلسطين التاريخية. كان رفض حماس من حيث المبدأ الاعتراف باسرائيل يأتي من منطلق اسلامي حيث المكانة الدينية التي تحظى بها فلسطين والمرجعية الفقهية لهذه الحركة، فميثاق حماس الذي ظهر مع بداية الانتفاضة الأولى ينص على ضرورة إزالة إسرائيل من الأرض الفلسطينية واعتبار هذا الأمر واجبا شرعيا إسلاميا.

في هذه المرحلة منطق حركة حماس وأنصارها حول تطورات هذه القضية يمكن فهمه ويتكرر في خطابات قادتها، فهم مع اعترافهم بأن تعامل الفلسطينيين مع اسرائيل لا بد منه عنه بحكم أنها دولة موجودة كأمر واقع، لكنهم يرون استحالة الاعتراف بشرعية الاحتلال، وأي اسرائيل المطلوب الاعتراف بها وما هي حدودها. وهم يرون ان الاعتراف الفلسطيني الراهن بإسرائيل كان من جانب منظمة التحرير الفلسطينية ولم يكن من جانب الشعب الفلسطيني، وأن كل الاتفاقيات المعقودة والتي كانت تالية لهذا الاعتراف رجعت إلى وضع أسوأ من قبل وتراجعت إسرائيل عن كل التزاماتها. فهي أعادت احتلال الضفة الغربية وما زالت تفرض حصارا على قطاع غزة، وهم يرون ان اعتراف حماس باسرائيل لن يحل المشكلة، وينهي الصراع، ويضع حداً للاحتلال والاستيطان، وأمامهم تجربة سابقة فقد اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية باسرائيل عام 1989، وعقدت اتفاقيات مرحلية معها، وقدمت العديد من التنازلات التي هبطت بسقف المطالب الوطنية الفلسطينية الى أدنى حد ممكن، ومع ذلك، فان اسرائيل حافظت على تصلبها بالاحتلال والاستيطان. ووصلت عملية السلام الى مراحل عصية من التدهور والتراجع، على الرغم من اعتراف المنظمة باسرائيل، وتفاوضها معها، وتوقيعها اتفاقات سلام لم تجد طريقها الى التنفيذ، رغم مرور ثلاثة عشر عاماً على ابرامها. واسرائيل في هذه المرحلة لا يهمها وجود شريك فلسطيني لأنها ليست مهيئة للتسوية لأسباب سياسية داخلية.

لكن المأزق الحالي الذي يواجه حماس وهي في الحكومة وليست في المعارضة، في الحكومة تقل فيها الحاجة إلى خطب مقنعة مقابل البحث عن حلول ومخارج عملية أمام هذا الحصار المالي الخانق، وهي الآن أمام خيارات معقدة نجح خصومها في توريطها بها، فإما أن تقفز فوق مثالياتها وما ربت عليه عناصرها وأنصارها وواجهت بها خصومها سنوات طويلة، وتتحول إلى الميدان كحزب سياسي، ولكنها ستفقد بهذا الخيار تماسكها الداخلي وشعبيتها الكبيرة، وتبدو كنسخة أخرى معدلة من فتح مع أي تنازل جديد.

وإما الاستمرار في موقفها وما قد يؤدي اليه من انهيارات وصراعات داخلية.

لو تم القبول مبكرا بالمبادرة العربية علنا وبوضوح لربما خفف من حدة المأزق الذي وضعت فيه حماس نفسه. لأن اعتراف حكومة حماس بالمبادرة العربية قد يكون حلا وسطا يرضي الحركة الإسلامية لأنها تنص على انسحاب اسرائيل الكامل من الأراضي التي احتلتها مقابل تطبيع العلاقات، وطالما أن وثيقة الوفاق الوطني اشارت بوضوح عن الالتزام بالشرعية العربية والدولية، فالحديث عن هذه الشرعية سيتضمن القرارات الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية، فاعلان حكومة حماس كان سيعطي اشارة إيجابية للغرب . وهذا الاعتراف سيضع إسرائيل أمام خيار صعب، وسيزيد من فرص الدعم العربي والدولي للحكومة الفلسطينية.

ومع حالة الاستقطاب السلبية والانقسام الاقليمي بين محور معتدل ورديكالي، وتراكم الأزمة مع استمرار الحصار الحالي، قد تضرر المصلحة الفلسطينية كثيرا، وتخلط الأوراق، ويعاد توظيف جهادها ومشروعيتها الجماهيرية لمصلحة أنظمة ودول تحسن تصدير ازماتهاها إلى الخارج.

> > >

التعليــقــــات
عـيـدروس عبدالـرزاق جبوبة الصومالي، «المملكة المتحدة»، 16/10/2006
رسم الكاتب عبدالعزيز الخضير صورة لحماس وكأنها حركة محتارة حين إكتشفت إن خياراتها محدودة ،وكأنها صحت من سباتها فجأة لتجد نفسها قد تورطت بلعبة أكبر منها .ودليلي على ما أقول هو تلك الوساطة التي تواصلت بها حماس لعدة شهور مع الزعيم اليهودي الأميركي هنري سيغمان عبر ضابط بريطاني سابق يدعى أليستر بروك، حتى وافق سيغمان فالتقى ممثل الحركة في لبنان ،وخرج بإنطباع جيد عن حماس فوجدها جادة وغير مصابة بالتطرف الأعمى، وبإمكان تل أبيب الدخول في مفاوضات معها من أجل تحقيق السلام الموعود. واتهم هنري البيت الأبيض وإسرائيل بالتهرب من تسوية الصراع والتقاعس . إن سلوك حماس هذا المسلك يعكس ديماغوجيتها ،وأنها تتقن أن السياسة هي فن الممكن ،فقد ضاهت فتح في ذهابها بعيدا لحل أزمتها مع المحتل.
محمد خالد الإمام، «الامارت العربية المتحدة»، 16/10/2006
الآن نحن نقف أمام حراك سياسي أميركي جديد تحت عنوان قوى الاعتدال ضد قوى التطرف وذلك حسب معايير الفرز الأميركية. ومع محاولة واشنطن التبشير بهذا الحلف جاءت الدعوات لإحياء ما يسمى المبادرة العربية . والمراقب للشأن السياسي لا يستطيع إلا أن يستغرب عن دوافع الحديث عن مبادرات السلام والمطالبات المتكررة ومن أطراف متعددة للحكومة الفلسطينية بقبول المبادرة العربية . هل لأن اسرائيل وافقت على هذه المبادرة وأعلنت الندم على رفضها لها في بداية الأمر ؟ هل لأن اسرائيل أوقفت عدوانها على الفلسطينيين ؟ هل لأن اسرائيل أعلنت التزامها بقرارات الأمم المتحدة ؟ هل لأن اسرائيل أطلقت سراح الآلاف من السجناء والأسرى المعتقلين في سجونها ؟ .
وبالنسبة للحكومة الفلسطينية التي شكلتها حركة المقاومة الإسلامية فلا شك من أنها ولدت من رحم المقاومة غير أنها ضربت أروع الأمثلة في تاريخنا المعاصر في تعاملها مع المعارضة حيث التزمت بالثوابت والحقوق، حافظت على الوحدة الوطنية، علت على الأحقاد وردود الأفعال، لم تفتح السجون للمخالفين، رعت المقاومين وكانت مظلة لهم وحمت ظهورهم .
هذه الأجواء لا تبشر بخير للمنطقة وللقضية الفلسطينية وخصوصاً ان التاريخ القريب والبعيد علمنا أن من يراهن على واشنطن سيخسر بالتأكيد غير أن الخاسر الأكبر اليوم هو من فضح نفسه وكشف أوراقه دون أي حياء أو خجل .

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال