الخميـس 08 ذو القعـدة 1427 هـ 30 نوفمبر 2006 العدد 10229 الصفحة الرئيسية
 
سمير عطا الله
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
ما هو «الريبورتاج» الفائز؟

اصدرت مجلة «غرانتا» الفصلية البريطانية مؤخرا كتابا يضم منتقيات من اهم «الريبورتاجات» التي نشرتها في العقود الثلاثة الماضية لعدد من ابرز الكتاب والصحافيين الغربيين، من بينهم جون لوكاريه. سألت نفسي، كصحافي، ماذا أختارُ من هذه المختارات التي ظهرت في مطبوعة يعتبر النشر فيها اعترافا بمرتبة صحافية وادبية تشبه الحصول على جائزة اعتبارية؟

احب ان استأذن جنابكم ببعض الاسهاب. ما هو «الريبورتاج»؟ انه، للاختصار، ما لا نعرفه في صحافتنا العربية، والذي بدأت تفتقده الصحافة العالمية منذ فترة. وتسمي الصحافة العربية «الريبورتاج»، التحقيق، وهو ليس كذلك اطلاقا. ويسميه البعض «التقرير» وذلك لا يعطيه شيئا من حقه. ولذلك ابقت اللغات الغربية، بما فيها الانكليزية، على استخدام المصطلح الفرنسي دون حرج، تماما كما تسمي «الموند»، اعظم صحف فرنسا عبر التاريخ، العدد الاسبوعي «عدد الويك اند».

قرأت مختارات «غرانتا» من الريبورتاجات، في ساعات الليل والنهار. رأيت فيها تلك الريبورتاجات التي حلمت، شابا، بكتابتها ولم استطع. تلك المدرسة الصحافية التي حاولت ان ادخلها ولم اتمكن. رأيت فيها، ذلك العمل الصحافي الدؤوب، الدقيق، المفصل، المهني، المبني على حقائق، تجعل منه في نهاية الامر، عملا اكثر درامية وجمالا وتأثيرا، من العمل الروائي وفضائه الخيالي المثير. وهنا عرفت، اكثر من أي وقت مضى، ماذا كان يعني غابرييل غارسيا ماركيز، عندما قال بعد فوزه بنوبل الاداب، انه تعلّم فن الرواية في الصحافة، في فن «الريبورتاج»، الذي هو، على ما اظن، أرقى وأصعب وأمهر الفنون الصحافية، لانه يقتضي وضع الحد الاقصى من الاثارة في الحد الاقصى من الحقيقة، واثبات الحد الاقصى من التفاصيل الصغيرة من دون اثبات تفصيل واحد لا لزوم له، ومزج المقال بالبحث بالمقابلة بالوثيقة، بالتدوين، بالشهادات، بالنقل الحرفي، بالاستصراح، بكل انواع الاسئلة، بمعرفة انتقاد ما يصلح من اجوبة، ثم سبك ذلك كله، فقرة بعد فقرة، وصفحة بعد صفحة، ضمن اولويات مرتّبة، واستعادات من اجل العودة على بدء، ثم من اجل إكمال السرد دون اضاعة الجوهر، او تضييع القارئ، او إشعاره بالملل.

العكس تماما يجب ان يحدث في كل كلمة وكل فقرة وكل سطر. يجب ان يشعر انك تأخذ بيده وبقلبه وبكل حواسه، وهو مطمئن الى انك تعرف الطريق، وانك لن تتركه (ولن يستطيع ان يتركك) في منتصفها. فلا ملل، ولا ضياع. ولا حفرة ضجر تسقط فيها وتوقعه معك. انت هو الراوي وانت هو الدليل. ولكن ايضا على ايقاع، على نغم، وعلى صدق انه واثق من انك سوف تقدم له المفاجآت. حتى الاشياء التي يعرفها، او يعتقد انه يعرفها، او يخيل اليه انه يتوقعها، يجب ان تقفز امامه بين السطور وكأنها مفاجأة، مفزعة او جميلة او خصبة، او ندية. إياك ان يتفوق عليك. ان يرمي «الريبورتاج» جانبا لانه شعر بأنه مرّ من هناك قبلك، او توقع هذا الحكم القضائي الذي سوف تحدثه عنه، او شعر بأن المتهم الذي تحدثه عنه سوف يدان في حين انك امضيت الاشهر الطويلة لكي تتبنى براءته، برغم حكم صدر عليه من محكمة سويسرية يفترض، في جميع الحسابات، انها عادلة وفوق الشبهات! لكنها لم تكن كذلك، كما اثبت لنا جون لوكاريه، على ان «الريبورتاج» الذي اخترته لم يكن في هذا الموضوع.

> > >

التعليــقــــات
رياض محمد ـ ليبيا، «فرنسا ميتروبولتان»، 30/11/2006
شكراً لك أستاذنا الكبير سمير عطا الله على هذه الإفادة المهمة جداً لكل عامل ومشتغل بالعمل الصحافي.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال