الاربعـاء 18 شـوال 1428 هـ 31 اكتوبر 2007 العدد 10564 الصفحة الرئيسية
 
رشيد الخيون
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
نزيهة الدليمي: للمرأة العراقية قضية..!

اشتهرت نزيهة الدليمي (1924 ـ أكتوبر 2007) في آفاق العراق، ناشطة يسارية منذ الأربعينيات، وقيادية منذ الخمسينيات، وطبيبة طافت في معظم مدن وقرى البلاد، وأول وزيرة. وعلى الرغم من أن توزيرها لم يكن تمثيلاً للحزب الشيوعي العراقي، مثلما يُشاع، بل لشخصها وتمثيل بنات جنسها، إلا أن هتافات العوام طرحتها على الألسن موضوع خلاف. هذا يصيح: «نزيهة صارت بالحكم موتوا يا بعثية»، وذاك يرد: «نزيهة... على الجسر وتمزلك المهداوي»!

في أجواء (1959) لم يكن المرسوم (480)، الذي أصدره رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم (قُتل 1963) والقاضي بتوزير امرأة، مستهجناً! ولا يفسر هذا بما جلبته ثورة 14 تموز من انفتاح، إنما كان تراكماً سابقاً. ففي الخمسينيات في ظل العهد الملكي حصلت فورة مدنية، منها صياغة قانون موحّد للأحوال الشخصية، عرقل رجال دين صدوره، ليصدر مع الإضافات بعد الثورة. ويُذكر للدليمي أنها كانت المحرك لإصدار ذلك القانون. ذلك إذا تأكد أن رابطة المرأة التي كانت تقودها بلغت أكثر من أربعين ألف منتسبة. لكن، الفلك عاد القهقرى إلى ما كان عليه في دستور (1925)، وأخذت المادة (39) من الدستور الجديد تقلق النساء، وهنَّ أكثر خلق الله عدداً بالبلاد. رأيت واحدة من حفيدات الدليمي تعرض لجلال الطالباني امتعاضها من تثبيت تلك المادة، وكانت عليها إمارات التدين وتتحدر من أسرة معروفة بديوانها الأدبي ببغداد. كان رد الرئيس توفيقاً، فهو لا يمتلك صلاحيات الرؤساء السابقين، ويعمل مع قوى وكأنها ابتغت السلطة من أجل هذه المادة! وسبق لها أن عرضت القضية في مجلس جمعنا بمسعود البارزاني، فوعدها أن يعمل ما في وسعه لإزالة تلك المادة، التي تُشتت العراقيين: هذا يزوج بعمر تسع سنوات، وذاك يبيح الطلاق بلا شهود، وهذا لا يشترط الزواج بشهود، وهذا يورث البنت، وذاك لا يبيح.. إلى آخره.

تكاثرت ظاهرة الوزيرة ونمت، وأصبح لبغداد وزيرات، وبرلمانيات ناشطات في قضيتهنّ، على الرغم من الهيمنة الفقهية على عدد منهنَّ. إلا أن الرجال البرلمانيين، من العمائم والأفندية، لم يتضايقوا من ترأس زميلتهنَّ زكية إسماعيل حقي (تموز 2006) لجلسة أو أكثر من جلسات البرلمان، في غياب الرجال من الرئيس ونائبيه (مقال للمحامي طارق حرب).

وإذا عدنا إلى ماضي بغداد الغابر، نجد نموذج الدليمي تحقق في القهرمانة (ثمل)، عندما اُسندت إليها إدارة ديوان المظالم (التنوخي، الفرج بعد الشدة). وصحيح أن الدولة آنذاك كانت في قبضة أم المقتدر (ت 320هـ)، ولربما هي التي دفعت لهذا التعيين، غير أن إمامين لهما حضورهما ببغداد العباسية: أبو حنيفة (قتل 150هـ)، وابن جرير الطبري (ت 310هـ) جوَّزا ولاية النساء للقضاء (الأحكام السلطانية). وما أشبه رد المظالم بالقضاء! كان المستوى البغدادي آنذاك، كما يبدو، شبيهاً بأجواء تعيين أول حقوقية عراقية، وهي صبيحة الشيخ داوود قاضيةً (1956)، ورئيسةً لمحكمة الأحداث. والحقوقية واثبة السعدي عضواً في المحكمة، ومحاضرة في المعهد القانوني، وكم من الرجال القضاة تعلموا على يدها. ولا نتوقف عند رفض إسناد وظيفة القضاء للمحامية بالنجف (2003)، فهي مدينة لها قيودها وليبراليتها أيضاً، بل نلتفت نحو القاضية التي تجلس إلى جنب رئيس المحكمة العليا، التي حاكمت أعوان السلطة السابقة. حقاً لنزيهة الدليمي التسربل بلقب «عميدة الحركة النسوية العراقية»، و«الشخصية الوطنية المرموقة»، حسب تأبين رئاسة الجمهورية. وليس لمَنْ رغب بتذييل كتاب «الأوائل» أبي هلال العسكري (ت 395 هـ) نسيان أنها أول وزيرة في تاريخ العراق والعرب أجمعين. لم تفارق الدكتورة، مثلما يناديها المحبون، معنى اسمها، فقد ظلت نزيهة، ويُشهد لها، وهي وزيرة البلديات، أنها أغضبت قيادياً في حزبها لامتناعها من تعيين شخص غير مؤهل (حسب المحامي خالد عيسى طه).

سمعتها عبر فلم أعدته لها أنعام كه جه جي، تقول: «نودي عليَّ لمقابلة الزعيم عبد الكريم، فذهبت إليه راكبةً الباص، وحينها كلفني بوزارة البلديات»! وظلت وزيرة لفترة تكفيها لو تخلت عن اسمها، مثلما هو الفساد اليوم، ألا تعود لركب الباص العمومي، وها هي انتقلت إلى بارئها ولم تدخر شيئاً، سوى عضويتها في مؤتمر السلام العالمي جنباً إلى جنب مع صاحب العمامة البيضاء الشيخ عبد الكريم الماشطة (ت 1959)، وما تركته في نفوس مَنْ أنقذتهم من (البجل)، وهو مرض معدٍ انتشر في أرياف العراق بداية الخمسينيات، وما لها من حصة في إسكان أهل الصرائف من أطراف بغداد بمدينة الثورة.

r_alkhayoun@hotmail.com

> > >

التعليــقــــات
عمار البغدادي، «كندا»، 31/10/2007
المشكلة يا أستاذ رشيد أن بعض العراقيين مصابون بالعمى اليوم لكثرة الحروب والدمار والمفخخات فلا يرون تاريخ نسائهم مثلما نسوا تاريخ الرجال وقد يتذكرون نزيهة الدليمي حين يقرؤون هذا المقال لكن العلاقة بهذه الوزيرة والمثقفة يضعف إلى درجة خطيرة حين يعلمون أنها شيوعية؟ ولذا أقول نحن محكومون دائما بما يقوله الشارع عن الرجال والنساء لا ما يقوله التاريخ وتتضاعف الفجيعة حن نتذكر هذه المرأة العراقية بمقال ولا تتذكرها وزارة الثقافة العراقية المشغولة بقصة الوزير الهارب. العراقيون مدينون دائما لهؤلاء الكبار لكن المشكلة أن شعبنا لا يتذكر الكبار إلا بعد رحيلهم والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى.
د. صلاح الدين محمود، «الامارت العربية المتحدة»، 31/10/2007
أود الإشارة إلى الدستور العراقي وقانون الأحوال الشخصية في عهد عبد الكريم قاسم خاصة المادة الرابعة والسبعون كانت أكثر المواد تعرضاً للجدل والمعارضة، وسبباً للهجوم، وهي الخاصة بالمساوة بين الإناث والذكور في الإرث. لقد تم تحريف نص واضح من نصوص القرآن الكريم فبدلا من النص الصحيح:(للذكر مثل حظ الأنثيين) قيل أن للذكر مثل حظ الأنثى وإعتبر ذلك وقتها نصرا للمرأة العراقية.
عامرعمار، «الاردن»، 31/10/2007
لم تشر سيدي إلى المرأة العاملة والمهندسة والأستاذة والطبيبة التي أخذت دورا لا يستطيع أحد إنكاره خلال سنوات الحرب مع إيران وإنشغال شباب ورجال البلد آنذاك في أتون المحرقة. نعم لقد أدارت الدوائر والمعامل والجامعات والمستشفيات وأجادت ولم يكن نصيبها إلا التهميش. نتمنى للقياديات العراقيات النجاح اليوم بإجتياز موجة التطرف والعنصرية التي تعصف بالعراق ويرجعن إلى أعمالهن في مواقع العمل دون الإلتفات للفاشلين من حملة شهادات التزوير والحقد من الرجال لأنهن أثبتن بالأمس ما يعجز عنه اليوم أرجل الرجال.
عبد الزهرة كاطع الحيدري، «فرنسا»، 31/10/2007
المرأة العراقية بدأ دورها منذ ان ورد ذكرها في (اسفري يا ابنت فهر..) اي منذ ان نزعت عنها العباءة وانخرطت في الدراسات والوظائف ... فوصلت الى اكثر من نصف المجتمع... اليوم وبعد الهجوم المعمم من رجال الدين ... أضحت المرأة العراقية نقطة ضعف في خاصرة المجتمع لا شك ان السيدة الدليمي كان لها دورها ولكن يؤسف ان تلصق الشيوعية بها ... كم احوجنا الى هذا النوع من النساء في عراق متطور.
علي الكعبي، «المملكة العربية السعودية»، 31/10/2007
نعم استاذ خيون ولكنها للاسف كانت شيوعية وشكرا ...
الانصاري ضياء، «السويد»، 31/10/2007
ان السبب الرئيسى وراء شهرة هذه المرأة العظيمة واحتلالها واكتسابها لهذه السمعة كونها تشرفت بانتماءها لحزب الطبقة العاملة العراقية والفقراء للحزب الشيوعي العراقي العظيم وتشرف الحزب بها وعملها الدؤوب لخدمة الشعب العراقي.
وليد البغدادي، «النرويج»، 31/10/2007
الاستاذ رشيد الخيون، الظاهر ان الدكتورة نزيهة من القلائل الذين ينطبق معنى اسمهم على اقوالهم وافعالهم. لقد عاشت وتوفيت وهي.. نزيهة.. وهذه صفة قليلا ما نجدها خاصة مع محترفي وعمال السياسة في عراق اليوم.
عبد العظيم فليح (العراق)، «الولايات المتحدة الامريكية»، 31/10/2007
تبقى نزيهة الدليمي علم من أعلام الحركة الوطنية العراقية كإنسانة ناشطة ومدافعة عن حقوق المرأة وكطبيبة من ملائكة الرحمة وكأول وزيرة في بلد شاء له القدر والثورين أن ينحدر من القانون الموحد للأحوال الشخصية قبل حوالي خمسون عام الى المادة (39) في الدستور الجديد وشاء القدر للمرأة العراقية باللجوء الى الرئيسين الكرديين طالباني والبارزاني وطلب منهما تعديل المادة. وباعتقادي لولا وجود الاكراد والقلة الباقية من القوى السياسية المعتدلة لأصبح للعراق دستور مزيج من قوانين ملالي إيران وطالبان أفغانستان بعد أن آثرت كثير من القوى الليبرالية العراقية العودة والعيش خارج الوطن بعد أن لم يفلحوا بالحصول على المناصب التي كانوا يأملون بالحصول عليها بعد فشلهم في توحيد موقفهم بقائمة موحدة تنافس بقية القوائم وخيبوا بذلك آمال مناصريهم .
احمد توفيق، «المملكة المتحدة»، 31/10/2007
أخي دكتور رشيد كالعادة مقالاتك رائعة وكريمة تجود علينا بها بكل ما هو مفيد وذو دلالة فألف تحية لعراقنا الذي أنجب نزيهة الدليمي ومجدا لحزبها الشيوعي الذي جعلها نزيهة إسما على مسمى ليت عضوات البرلمان العراقي الحالي يسرن على خطى الراحلة نزيهة الدليمي خدمة للعراق.
بديع الخيون، «فرنسا ميتروبولتان»، 01/11/2007
تحية للاستاذ رشيد الخيون ولجميع القراء الكرام .
جميل هو ان نرى العراقيين بمختلف تعددياتهم نساؤهم ورجالهم يتكلم عنهم القاصي والداني ويذكر انجازاتهم فهذا الشئ يفرحنا والله سيما ونحن نمر بظروف خاصة وصعبة للغاية وانا لدي راي في موضوع تولي المناصب الحساسة في الدولة فانا اقول لماذا هذا الانزعاج من تولي شخص ما منصبا معينا كوزير او سفير او حتى مدير دائرة اذا كان هذا الانسان عراقي ولديه الكفاءة والقدرة على ادارة دفة القيادة وليكن من اي حزب او اي طائفة المهم ان يتحلى بالصفات المطلوبة مع جل احترامي وتقديري لاراء الاخوة فقد استغربت من تعليق احدهم يقول (الكلام كله صحيح ولكن الدكتورة شيوعية ) وما الضير من ذلك الم يكن الشيوعيون لديهم الكفاءة والقدرة والشعور بالمواطنة الحقيقية او ليس هم عراقيون ينحدرون من قبائل عريقة ولهم تاريخ طويل بالتضحية علما اني غير شيوعي وليس لدي انحياز وانما اتكلم بمنطق العقل والواقع الذي نعيش في العراق وخير مثال على ذلك هو تولي عدد من الوزراء لوزارات ابدعوا فيها كالاستاذ مفيد الجزائري واخرون. فتحية لكل الشرفاء والاوفياء من ابناء العراق ومزيد من التقدم.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال