الخميـس 04 ذو القعـدة 1428 هـ 15 نوفمبر 2007 العدد 10579 الصفحة الرئيسية
 
عبد العزيز بن حسين الصويغ
مقالات سابقة للكاتب
إبحث في مقالات الكتاب
 
نقاشات غير معقولة حول «التنازلات المعقولة»

لعله من نافلة القول أن أبدأ بالتأكيد على أن كندا هي من الدول البارزة التي يتمتع فيها المهاجرون من مختلف الخلفيات الثقافية والعرقية والدينية بحقوق متميزة تفوق كثيرا من الدول التي تستقبل المهاجرين، بل تفوق تلك الحقوق التي كان يتمتع بها بعض هؤلاء المهاجرين في دولهم الأصلية. لذا فلا عجب أن الناس فى كندا يعتبرون أنفسهم كنديين بالدرجة الأولى ويندر أن يذكر احدهم بلده الأصلي. وكل من يحوز الجنسية الكندية يمكنه الاشتراك في العملية السياسية والوصول الى أعلى المراتب السياسية في الدولة.

كما أؤكد من جهة أخرى على أن من يختار دولة جديدة ليستقر فيها ويجعلها وطناً له ولأبنائه تقع عليه مسؤولية التقيد بأنظمة وقوانين دولته الجديدة والتواؤم مع عادات وتقاليد وثقافة المجتمع الجديد الذي اختار العيش فيه، وأن لا يكون عضواً شاذا في المجتمع وإلا كان عليه أن يبقى من حيث أتي.

لقد فتحت كندا باب الهجرة لكل سكان الأرض منذ بداية الستينات من القرن الماضي بعد أن كانت هذه الهجرة مقصورة لزمن طويل على الأوروبيين. والدستور الكندي واضح في التعامل مع المهاجرين مهما اختلفت أصولهم حيث يعتبر ميثاق الحقوق والحريات (The Charter of Rights and Freedoms)، الذي يعود الفضل فيه لرئيس وزراء كندا السابق بيير ايليوت ترودو، من المواثيق القليلة في العالم التي اعترفت بالتعددية الثقافية للبلد.

لقد كان هدف الميثاق هو أن يصبح تعريف كندا نفسها على أنها مجتمع يتساوى فيه الجميع ويتشاركون بمجموعة من القيم الأساسية المرتكزة على الحرية، وبالتالي يصبح بإمكان الكنديين أن يحددوا هويتهم بالانتماء إلى هذه القيم المشتركة بالحرية والمساواة وبالاعتزاز بتعددية ثقافة وطنهم. وبينما أن مواثيق حقوق الإنسان بالمجمل تأتي لتركز على المساواة بين أفراد الوطن بغض النظر عن اختلافاتهم، جاء الميثاق الكندي ليقر بأن هناك اختلافات يجب ضمان معالجتها بالميثاق. لذا فإن الميثاق الكندي هو أكثر من مجرد ميثاق حقوق، إذ أنه أصبح رمزاً للقيم الوطنية لكل الكنديين وعنواناً لهويتهم.

وعلى هذا فالميثاق أصبح عاملاً على توحيد المواطنين الكنديين، الذين ينتمون إلى مختلف أطياف المجموعات العرقية والدينية والثقافية، حول مجموعة من المبادئ التي تتضمن هذه الحقوق. لذا فإن أي اتجاه يبدو في الأفق تتبناه بعض التيارات المحافظة، حتى لا نقول المتشددة في المجتمع الكندي لا يمكن أن يمثل النهج الرئيس الذي تأخذ به الحكومات الكندية المتعاقبة. وقد كان هذا بالضبط ما دعاني في مناسبة سابقة إلي المساهمة بالرأي والقلم في قضية يريد البعض تحويلها إلى «لعبة سياسية»، وهي «قضية النقاب» التي تبرع بعض الكُتاب بإقحام اسم المملكة العربية السعودية فيها من دون أي مناسبة، وفقط لمجرد مواقف مسبقة تجاه المملكة، بينما أراد آخرون استغلالها لتكون حطبا يشعله هؤلاء ليقع ضحيته الأقليات العرقية، وعلى رأسها المسلمون الكنديون الذين يشكلون جزءاً هاماً من فسيفساء المجتمع الكندي.

ويبدو أن الخشية من التعامل مباشرة مع ما يخالف ميثاق الحريات والحقوق الكندي جعل بعض تلك التيارات تسعى على الصعيدين الفيدرالي والمحلي، خاصة في مقاطعة كوبيك، إلى استغلال ورقة أصبحت مطروحة بقوة على الساحة السياسية في كندا، وهي قضية ما يُدعي «التنازلات المعقولة» التي يتم تقديمها للجاليات العرقية والدينية، حيث يبدو أن هؤلاء قد وجدوا ضالتهم في هذه المسألة للوصول إلي أهداف حزبية، وذلك بتسخيرها وتوظيفها لاستمالة دعم الناخبين للأحزاب السياسية المتنافسة للفوز بأصوات الناخبين من الأقليات العرقية في البلاد.

هذه المحاولات المستميتة للتلاعب بحقوق الإنسان الكندي هي في رأينا ضد كل ما تمثله كندا لشعبها وللعالم من قيم سامية لأنها تقف ضد قيم المجتمع الكندي نفسه. وفي هذا الإطار فقد كان ما صدر عن رئيس وزراء مقاطعة كوبيك، جين شاريت، والتي أدان فيها أي محاولات من السياسيين وغيرهم لإشعال النار بين الأقليات العرقية أعتبره أمرا غير مقبول. وكذلك صدر عن رئيس الوزراء الكندي، ستيفن هاربر، إدانة واضحة للتلاعب بحقوق الأقليات أو استغلال وإثارة مبدأ «التنازلات المعقولة» لأغراض سياسية.

وقامت مجموعة من الأكاديميين الجامعيين وطلاب بعض الجامعات في مونتريال بتوقيع خطاب مفتوح أدانوا فيه بعض البيانات التي صدرت خلال الندوة التي عقدتها لجنة «بوشارد وتايلور» ضد الأقليات الثقافية. وقد أبدى أصحاب هذه الوثيقة صدمتهم الكبيرة من الدعوات السقيمة التي ظهرت الى السطح ضد المجموعات الثقافية التي تعيش في كندا.

ولعل إثارة هذه القضية في مقاطعة كوبيك بشكل لافت للنظر يعود إلى أن الكوبيكيين، بصفتهم يشكلون أقلية ناطقة باللغة الفرنسية في المحيط الأنغلوفوني على صعيد أمريكا الشمالية، يشعرون دائماً بأنهم مهددون بالغزو الثقافي الإنجليزي، وأن ثقافتهم مهددة بالانقراض، ولذلك تجدهم متشددين في مواقفهم تجاه كلّ ما يشكل تهديداً على ثقافتهم الفرنسية، وغالباً ما يتحوّل ذلك التشدد بالبعض إلى مواقف تنم عن التمييز العنصري والتعصب.

ومن أجل توخي النزاهة والموضوعية في تحليلنا لهذه الظاهرة، فإننا لا نلوم المجتمع الكوبيكي الذي عاش فترة طويلة تحت سيطرة رجال الكنيسة الكاثوليكية إلى أن جاءت ما يطلق عليها «الثورة الهادئة» في الخمسينات وأعطت انطلاقة لحركة التحرر من الكنيسة والدفاع عن حقوق المرأة. غير أننا نتحفظ على إقحام الأقليات، خاصة المسلمين الكنديين، في صراع سياسي لا ناقة لهم فيه ولا جمل. ونرى أن هناك خلفيات مشتركة تجمع بين المجتمع الكوبيكي والمسلمين الكنديين. فكلا الطرفين لا يريدان العودة إلى الوراء. فإذا كان الكوبيكيون قد عانوا كثيراً في ما يعتبرونه استبداد الكنيسة التي كانت متواطئة مع السلطة من أجل الحفاظ على قبضة محكمة على المجتمع، فإن المهاجرين المسلمين لم يختاروا كندا كدولة مقر لهم إلا لمعاناة لا تختلف كثيراً عن تلك التي يخشى منها الكوبيكيون اليوم.

وهنا تقع مسؤولية كبيرة على المنظمات الإسلامية في كندا للقيام بعملها في هذا الشأن من خلال تكريس وتوحيد الجهد من أجل التعريف بالدين الإسلامي كدين يسعى إلي التقارب بين أبناء المجتمع الواحد بغض النظر عن الاختلافات الدينية والمذهبية والعرقية. وأنه إذا كانت هناك ممارسات تتناقض مع هذا التوجه فهي تعود لبعض المسلمين ولا يلام فيها الدين الإسلامي نفسه.

ونشير في هذا الصدد إلى المبادرة التي اتخذها الكونغرس الإسلامي الكندي لتخصيص شهر أكتوبر من كل عام للثقافة والتاريخ الإسلاميين، وذلك لإبراز الدور والمساهمة القيمة التي قدمها الإسلام والمسلمون للحضارة البشرية. أما قضية «التنازلات المعقولة» وما يتعلق بها فإنها مسألة داخلية تعود للمجتمع الكندي نفسه بكل أطيافه، وهم أقدر على التعامل معه سلباً أو إيجاباً.

يبقى أخيراً القول إن على المسلمين الكنديين، خاصة المهاجرين من دول أخرى، أن يكونوا عاملاً إيجابياً في مجتمعهم الجديد وأن يساهموا بما لديهم من تراث وقيم وثقافة في إثراء المجتمع الكندي وتقوية أواصر التلاحم داخله وأن تشمل نشاطاتهم كل مجالات العمل المتاحة وفي مقدمتها المجال السياسي، حيث هناك غياب شبه تام للمسلمين من الساحة السياسية وكذلك من الساحة الإعلامية. وهذا يترك المجال متاحاً للجهات المغرضة لتحقيق أجندتها على حساب المسلمين.

* سفير المملكة العربية السعودية لدى كندا

> > >

التعليــقــــات
كاظم مصطفى، «الولايات المتحدة الامريكية»، 15/11/2007
مقال سعادة السفير جميل جدا وعسى ان يتم ترديد مضمونه من قبل ائمة المساجد في كندا والدعوة للاندماج الثقافي والسياسي مع كافة الاعراق الكندية بدلا من العيش في جيتوهات منعزلة متخوفين من الاخرين والاخرين متخوفين منا . نشر الدين الاسلامي يتطلب اولا ان نرفع الحواجز وان ننشر ادبيات الاسلام الحنيف، دين المحبة والسلام والتنديد علانية بما يقوم به المسلمين المهووسين سواء في كندا او في بقية العالم. وبهذا نكون قد خدمنا ديننا وانفسنا.
عبده سعد حامد، «السودان»، 15/11/2007
الاستاذ عبد العزيز بن حسين الصويغ مقالك المنشور تحت عنوان نقاشات غير معقولة حول التنازلات المعقولة، مقال رائع بتناوله معلومات في غاية الأهمية، بالتأكيد كندا قوانينها في منتهى الرقي والحداثة باحترامها حقوق الانسان والأقليات ومعتقداتها وثقافاتها ومن يستوطن في كندا أرض الحريات لا مفر منه سوى التكيف مع قيم المجتمع الكندي لخلق جسور من التواصل ويضمن حقوقه ونقل صورة عن مفاهيم المجتمع الذي هاجر منه الى كندا، فبعض الناس يتعصبون بقيمهم ويتجاهلون قيم ومعتقدات وثقافات الآخرين بهدف فرض معتقداتهم وثقافاتهم بالقوة وهذا لا يتطابق مع واقع العصرالحديث الذي يتسم بالقفزات المذهلة في أدوات الاتصالات عبر مختلف الوسائل منها الانترنت والتلفون الآلي والفضائيات التي تعمل بالميكرويف أو الآثير فالمجتمعات الاسلامية مطالبة بتحديث طرق التواصل مع المجتمعات التي تختلف عنها من حيث الثقافات والمعتقدات الدينية والنمط المعيشي في هذه الحياة لكي تستطيع التعامل مع غيرها دون حواجز نفسية أو قيود صارمة.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال