السبـت 27 ذو القعـدة 1428 هـ 8 ديسمبر 2007 العدد 10602 الصفحة الرئيسية
 
صافي ناز كاظم
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
حكايتي مع محمود فهمي النقراشي

في ديسمبر 1948 أطلق عبد المجيد حسن الرصاص على محمود فهمي النقراشي، رئيس الوزراء فأرداه قتيلا.

كنت في طريق العودة سيرا من مدرستي الابتدائية بشارع سبيل الخازندار وعرفت الخبر وأنا أعبر ميدان فاروق متجهة إلى منزلي 9 شارع العباسية، فانفجرت باكية بحرقة بالغة أدهشت أختي التي كانت ترافقني، لأنها لم تكن تعرف الارتباط الوجداني السري الذي كان يربطني بالنقراشي والذي كان بعيدا تماما عن دوره السياسي بإيجابياته وسلبياته، كل ما في الأمر أنني تمثلت فيه وجه أبي الذي كان قد توفي قبل أربع سنوات وثمانية أشهر. قالت أختي باستنكار: مالك؟ قلت في شهقات الانتحاب: كان يشبه بابا، وفي غمرة حماسي كتبت في دفتري: «مات رجل والرجال قليلون»، مما أثار سخرية ابن خالتي الطالب الجامعي وهو يصحح عبارتي إلي «والرجال قليل».

لم أدرك وقتها الأسباب التي جعلت غالبية الناس متعاطفة مع القاتل عبد المجيد حسن، الذي ظهر وجهه في صور الصحف مضروبا ملطوشا وارما، أكثر من تعاطفها مع المقتول صاحب الوجه الذي بدا لي دائما طيبا أبويا حنونا. كانت أغلب الكتابات الصحفية، على مدى سنوات، تشيد بالنقراشي وتكاد تضعه في مصاف الشهداء، حتى فاجأتني حقيقة أن محمود فهمي النقراشي، رئيس الوزراء ووزير الداخلية في آن واحد، كان هو المسؤول عن إصدار الأمر بفتح كوبري عباس في 9 فبراير 1946 لإغراق مظاهرة احتجاج قادها طلبة جامعة فؤاد ضد الاحتلال الإنجليزي رافعين شعار «الجلاء بالدماء»، ظلت هذه حقيقة مطموسة ولم أتبينها إلا فيما بعد من خلال قراءاتي ونضوج وعيي. حقيقة ما كان هو أمر محمود فهمي النقراشي بفتح الكوبري أثناء مرور مظاهرات الطلبة فسقط في النيل منهم من سقط فغرق، ومنهم من تشبث بحديد الكوبري طلبا للنجاة فضربته هروات البوليس على أصابعه ليجبروه على الموت، إلا من تحمل الضرب وأحكم قبضته فاستطاع الصعود إلى الأرض ليكون من المصابين الذين تم اعتقالهم جميعا.

كنت في ذلك الحين في الثامنة من عمري وكان أخي الشاب ابن السابعة عشرة من بين المصابين في تلك الحادثة المتوحشة، وكان من الممكن أن يكون من ضمن الغرقى. تأخر أخي إبراهيم في العودة من الجامعة، فقلقت والدتي. حتى المساء لم يعد إبراهيم، واشتعل القلق لهيبا عم البيت كله. جاء صديق لأخي يحمل قلمه ومنديله وبعض متعلقاته، صرخت أمي لكن الصديق قال إن إبراهيم نجا وهو مصاب ومعتقل في مبنى مستشفى قصر العيني. من الصباح الباكر أعدت والدتي حقيبة ملابس وطعام وقلت لها أحب أشوف إبراهيم. كان الوفد الذاهب للاطمئنان على أخي مكونا مني ومن أمي وأخي إسماعيل، الذي كان عيد ميلاده الخامس عشر في نهاية شهر فبراير. تحت شبابيك المبنى في قصر العيني المحجوز فيه المصابون معتقلين، نادى إسماعيل: «إبراهيم...إبرااااهيم...كاظم...كااااظم». لم يرد أحد.

كنا ننتظر، كما قال لنا البعض، أن يدلي لنا إبراهيم حبلا نربط فيه الطعام والضرورات من الملابس ليسحبه من الشباك خلسة، فلم تكن هناك فرصة للزيارة أو المقابلة، بعد برهة أطل علينا وجه شاب وقال باقتضاب: «كاظم أخذوه إلى بندر الجيزة». مفردات غير مألوفة لأمي فتملكها الهلع وأخذت تبكي وأخي إسماعيل محرج أو متألم من بكائها يقول: «من فضلك يا ماما مش كده!» أنا بردانة، واجمة، لكنني لم أبك حتى لا أتسبب في أية «لخمة»، وربما حتى لا «يشخط» في إسماعيل، مداريا قلقه تحت ظاهر من الشجاعة والتماسك. أذكر أنني سرت معهما محترمة نفسي، ولا أذكر كيف وصلنا إلى بندر الجيزة الذي لم استوعب مدلوله: هل هو بيت؟ هل هو مستشفى؟ هل هو ماذا؟ لم استطع أن أكمل الاحتمالات، الذي أذكره أننا وقفنا أمام بناء بحديقة وخلفنا شجر كثيف على شاطئ النيل. كان الزحام شديدا، بوليس وأهالي. كانت والدتي قد هدأت استسلاما لما رأته ألما جماعيا وظلما شاملا.

الأهالي يتبادلون الأخبار والمشاورات والتكهنات. يشتد إحساسي بالبرد والجوع مع غروب الشمس. من الصباح حتى ذلك المساء ولا نجد وسيلة لإدخال الطعام والملابس لإبراهيم. البعض يطمئن أمي: «الأكل دخل لهم من حزب الوفد والإخوان». لا أذكر رد فعلها، ولا أذكر كيف انتهى المشهد وكيف عدنا إلى بيتنا موغلين في الليل. أذكر يوم دق جرس الباب ودخل إبراهيم البيت معصوب الرأس يضاحك أمي باعتذار ويؤكد أنه صد ضربات البوليس بقبضة أصابعه والدفع القوي بساعده. نظر إلي قائلا: «شايفة العضلات»!

بعد مقتل النقراشي، ديسمبر 1948، جاء إبراهيم عبد الهادي بسياسة التنكيل العمياء يضرب بقبضة الحديد والنار لكنه مع ذروة القسوة لم يستطع أن يخمد الهتاف الذي لف مصر كلها: «عبد الهادي كلب الوادي»!

> > >

التعليــقــــات
Deema mohamed، «كندا»، 08/12/2007
بارك الله بك وجزاك كل الخير... لتوضيح الحقائق وإنارة الطريق للأجيال التي ضُلّلت. عندما درسنا في المدرسة مقتل النقراشي صوّر لنا كبطل شهيد اغتُصِبت حياته على يد قاتله. قاتلهم الله أنّى يؤفكون.
كامل حمدي، «المملكة العربية السعودية»، 08/12/2007
كل ما فعله النقراشي تلاشى وأصبح برداً وسلاماً وذكرى جميلة بالمقارنة مع ما فعله أبطال الحرية الذين جاؤوا لإنقاذ الشعب ورد حقوقه، وصدق القائل: ستعرفني إذا جربت غيري...
سوسن هادي، «فرنسا»، 08/12/2007
التاريخ نعرفه وهو موجود ومسجل في الكتب، لكن ما يغني التاريخ الرسمي هو هذه الهوامش الإنسانية التي تنفض عنه غبار التحجر وتحيله إلى جمرة ما زالت تتوهج في أيدي أصحابها. لا تتوقفي عن رواية تاريخك الشخصي يا سيدتي. إنه معجون بتاريخ مصر.
اخصائى بحوث آثار/ محمود عمريه -المنصورة، «مصر»، 08/12/2007
السيدة الفاضلة، آمل أن يقرأ مقالك هذا الشاهد الحي على احداث ووقائع تلك الحقبة التاريخية كل من يتبارون فى محاولات يائسة لتلميع حقبة الملك فاروق وحكمه الملكي وحكوماته التي عملت كل ما في وسعها لتكميم الشعب واسكاته عن المطالبة بحقه في الاستقلال والخلاص من الاحتلال الاجنبي البغيض الذي للأسف نجد هذه الايام من يتباكى على الاحتلال ويعتبره السند والظهير الذي به وعليه قامت ونهضت الشعوب. نأمل من الكتاب المخلصين من ابناء شعبنا العربي والاسلامي ممن عايشوا فترات الاحتلال البغيض أن يكتبوا عن تلك الفترة من تجاربهم الشخصية لتنوير الجيل الجديد الذي لم يعاصر تلك الفترة حتى لا يقعوا فريسة لغسيل المخ وتزييف التاريخ الذي يمارسه الكثير هذه الايام محاولة منهم لخلق جيل خانع راض عن استعمار العصر الحالي ومستسيغا ومصفقا له.
ali abdelal، «مصر»، 08/12/2007
حقيقة أسلوبك قصصي رائع أستاذة كاظم، ولن أخفيك أنني ربما أتشكك الآن، هل ما قرأته كان جزء من تاريخنا الحقيقي ترويه واحدة ممن عاشته، أم أنها قصة قصيرة في ثوب أدبي جميل تكتبها الأستاذة صافيناز كاظم. على العموم لك تحياتي.
وجيه اللواح، «المملكة المغربية»، 08/12/2007
في احدى جولات تشرشل الخارجية، وقف أمام قبر أحد زعماء ذلك البلد وقرأعلى شاهدة القبر هنا يرقد السياسي الشهم .... فما كان من تشرشل _وهو الشهير بقفشاته_ الا أن قال: اذن يوجد بالقبر رجلان.
استبعادا منه أن يكون السياسي شهما.
زيدان خلف اللامي \ العراق \ بغداد، «فرنسا ميتروبولتان»، 08/12/2007
ان مقال الكاتبة القديرة يؤكد حقيقة مفادها ان استغلالا بشعا تمارسه بعض انظمة الحكم في سائر الدول وعلى وجه الخصوص في دول العالم الثالث بهدف الاستحواذ على التاريخ ومحاولة تحريف مساره وصولا الى تزييف وقائعه وطمس حقائقه بعد ان تم لهم نهب الثروات وكبت الحريات ولكن فاتهم ان الحقائق حية في ضمير الشعوب وخالدة في الذاكرة وهي كالشمس تحجبها السحب ولكن حتى حين مع التقدير.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال