السبـت 04 ذو الحجـة 1428 هـ 15 ديسمبر 2007 العدد 10609 الصفحة الرئيسية
 
عبد الرحمن الراشد
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
رحيل المترجم

عرفت في مجلة «المجلة»، في لندن، زميلا ليبيا متميزا. البداية كانت عندما تقدم للعمل حيث صارحته بالقول، أستاذ محمد، انت ليبي تعيش في المهجر، وربما أنت معارض للنظام، ككثير من الليبيين في هذه المدينة المكتظة بالهاربين العرب المعارضين لأنظمتهم. الحقيقة انا لا يهمني لونك السياسي لأن كل الزملاء مؤدلجون. بل أعرف ان كل الصحافيين في كل مكان في العالم، تقريبا، يحملون آراء سياسية منحازة بشكل صارخ، مهما ادعوا الحيادية، وهذا حقهم. الفارق ان المؤدلجين الذين يعملون معنا نائمون. الأصول انه لا يجوز أن تكون صحافيا وحزبيا في نفس الوقت، كما لا يقبل ان تمتهن المعارضة والصحافة. أما الاختيار والانحياز السياسي والتعبير الشخصي فهي حقوق لا نستطيع حرمان أحد منها، لأنها بروتوكولات التاج البريطاني.

كان يجلس في سكون مفرط الى درجة ظننته مصابا بالصمم، ثم اجاب متمتما، «ما فيه مشكلة». لم أكن متفائلا بعد اللقاء الأول ربما بحكم الصورة النمطية عن الشخص الليبي، رغم انني عرفت العديد منهم خبراء في النفط والمصارف والعلوم والفنون، لكن بكل اسف الصورة المزروعة عن الانسان الليبي، مثل الخليجي، ليست عادلة ابدا. ان ترى ليبيا امر نادر، ويكون متميزا في أي مجال نظن أنه أكثر ندرة، الترجمة الانجليزية أمر مستبعد عند الليبيين، ربما يتميزون في اللغة الايطالية الأكثر تأثيرا عليهم تاريخا وجغرافيا. طبعا، لم يكن ذلك منطقيا لأن القزيري نفسه كان زميلا في الدراسة الجامعية للصادق النيهوم، الأديب الليبي الكبير الذي كان موسوعة لغات، تحدث الألمانية، والإنجليزية والفرنسية والعبرية، والفنلندية بحكم زواجه، وكان يقرأ حتى الآرامية المنقرضة. وعاش مثل القزيري في المنفى الاختياري ومات في جنيف.

في سنوات الزمالة ميز حياة محمد القزيري الشخصية الصمت والتدخين. لم يأت من فراغ، فقد كان عضوا في الغرفة التجارية الليبية، وعمل ملحقا ثقافيا، وسبق ذلك ان اشتغل في شركة نفط اميركية وهرب منها. لم يكن يستقر في مكان واحد طويلا الا معنا.

لسنين عديدة قبضنا عليه لا نعطيه مبررا للخروج، كونه واحدا من أفضل المترجمين في العالم العربي. كنت اصفه بالملمع، لا المعرب، لأنه كان يضفي على كل مقال يترجمه روحا خاصة. وتجلت موهبته في علاقتنا مع المفكر الراحل ادوارد سعيد. فقد وافق البروفسور سعيد على الكتابة لمجلة «المجلة»، كأول مطبوعة عربية ينشر فيها، وواجهتنا معضلة أنه يكتب بالإنجليزية فقط. فكيف تعرب مقالا بحيث يعكس لغة سعيد، أستاذ الأدب الانجليزي المقارن وصاحب كتاب الاستشراق والشخصية العالمية المثيرة للجدل؟ عرفت مقالاته بلغتها الفلسفية الثقيلة، ذات جمل طويلة، ومعان مركبة. اقترح البروفسور سعيد ان تقوم أمه شخصيا بترجمة المقال. كان فخورا بها، ويستمع اليها، ولأن عربيته ضعيفة ظن ان أمه قادرة على التعبير عنه كما كانت تفعل على مائدة الطعام عندما يزوره ضيوف عرب. جاءت ترجمتها ركيكة وبسيطة، فرفضتها وحولتها الى القزيري. وبعد بضعة أشهر من مداومته على النشر زارنا سعيد في لندن وطلب ان يقابل المترجم. قال انه دهش من حجم ردود الفعل على مقالاته، وان الثناء الكبير من الناس عليه لأنهم ظنوا انه كان يكتبها باللغة العربية، لأن بلاغتها بالعربية حاكت بلاغتها بلغتها الأصلية، وحافظت على روحها.

لم تكن كفاءته محل الاحترام، بل شخصيته، ايضا. محمد القزيري، كان نموذجا للعربي الهارب من واقعه، هروب بلا مشروع دام معظم عمره حتى توفي الى رحمة الله الشهر الماضي فخسرنا بفقدانه صديقا وزميلا موهوبا مجهولا.

alrashed@asharqalawsat.com

> > >

التعليــقــــات
سمير عبد الحميد إبراهيم نوح، «اليابان»، 15/12/2007
الأستاذ عبد الرحمن الراشد
تحياتي لكم وشكري على هذا المقال الرائع أنت رجل وفي، جمعت وفاء كل الأوفياء، كلماتك تنبع حقا من أعماق قلبك، وهي كلمات صادقة مخلصة، صورت لنا عظمة الإنسان العربي - مهما كان بلده - في الغربة، وما أكثر المغتربين العباقرة الذين لفظتهم بلادهم! فأكثر من الكتابة عنهم علّ ذكراهم تدق نواقيسها في فضاء بلدانهم توقظ الساكنين فيها!
مع تحياتي .
Dakhil Alharthi، «المملكة العربية السعودية»، 15/12/2007
استاذ عبد الرحمن شكرا على تأبينك لهذا الشخص الذي لا اعرفه( رحمة الله عليه ).
مقالك اشعرني بالجانب الانساني عندك كما اشعرني بقيمة هذا الرجل وكأنه قبيل (بفتح القاف) ادورد سعيد، وكأنني قرأت له وتتلمذت على يديه. شكرا مرة اخرى فالانسان في حاجة الى التقدير المعنوي اكثر من حاجته للتقدير المادي.
خالد فتحي، «الصين»، 15/12/2007
رحمة الله على كل الموهوبين المجهولين و شكرا لكل من يفتح لهم المجال.
د.رفعت فودة، «استراليا»، 15/12/2007
الأستاذ عبد الرحمن الراشد بعد التحية
لعل أسلوبك الرائع في اظهار الوفاء لهذا الأستاذ الليبي يظهر لنا بوضوح مدى المامك بسوق السياسة العربية وأحوال اخواننا العرب في مدينة الضباب وأيضا خبايا الصحافة. فقد أشرت الى المجهود الكبير الذي تتطلبه عملية الترجمة خصوصا اذا كان النص المراد ترجمته من الأدب أو المقالات التي لأصحابها أفكار يحرصون على توصيلها لقرائهم. المترجم أثناء هذا النوع من الترجمة لا يترجم كلمات فقط بل انه يغوص في أعماق الكاتب يستلهم للقراء ماذا كان يدور في خلده حين كتب ما كتب. وكم أمتعنا الراحل العظيم المنفلوطي بترجمات من هذا القبيل كرائعته الفضيلة وغيرها ودمتم.
عبد الحق أبو بتول، «الجزائر»، 15/12/2007
صحيح إنه لمحزن أن تمضي الكفاءات هكذا في صمت فلا بريق و لا بهرجة على عكس أناس يملئون الدنيا ضجيجا و صخبا بلا طائل.
عزاؤنا في هذا الصنف من الناس أن الأمر سنة ماضية و أن هؤلاء هم الذين إذا حضروا لم يعرفوا و إذا غابوا لم يفتقدوا. تغمده الله بواسع رحمته.
أحمد عبد الباري، «المملكة العربية السعودية»، 15/12/2007
بحكم عملي السابق في أكبر دور النشر الليبية، أستطيع القول أن الجماهيرية مليئة بمثل الراحل محمد القزيري. وهذه شهادة عظيمة في حق الراحل من رجل مهني محترف يقدر جهود الآخرين في زمن يعز فيه مثل هذا التقدير. وهذه فرصة لي لكي أعبر عن عظيم امتناني لجيش المترجمين المجهولين الذين يعملون في جميع مطبوعات الشركة العربية للأبحاث والتسويق والذين استطاعوا نقل روح النصوص المترجمة وأنفاسها إلى العربية وجعلوها تنبض بالحياة لدرجة يصعب معها التصديق بأن المقالات مترجمة.
Mohammad Al-Mejmaj، «المملكة العربية السعودية»، 15/12/2007
استاذي عبدالرحمن، ما اجمل الصداقة وما اجمل الوفاء، فكيف اذا اجتمعا في مقال ينبض بالوفاء...
رحم الله الاستاذ محمد واطال لنا في عمرك.
مازن الشيخ، «المانيا»، 15/12/2007
الذي يقرأ العنوان, وحتى تفصيلاته يظن للوهلة الاولى انك تنعي زميلا, كان متميزا في عمله, لكنك في الحقيقة اختصرت بما اوجزته مقالة لا تتسع كل صفحات الجريدة حتى لجزء منها, انها مأساة المثقف العربي, العالم العربي, الانسان العربي الذي يحترم نفسه وانسانيته ويؤمن بحريته وحرية ما يمكن ان ينجزه تفكيره الخاص وابداعه الشخصي الذي لا يتطابق مع رأي وتفكير ومزاج الحاكم, ذلك الحاكم الفذ ,الضرورة ,الفلتة, الذي لم يجود الزمان بمثله, هدية السماء الى الشعب!حتى ان البعض توصل الى اقصى حدود النفاق عندما قال:- لو لم يكن محمد(ص) اخر الانبياء لاعتبرناك نبيا ! وهكذا يا سيدي الكريم يجد المثقف الانسان ان كرامته تهان وحريته تغتصب وكيانه يهتز, فتضيق عليه الدنيا فيهرب, لكن المأساة تتمثل حين يكون هروبه الى سجن اخر, حيث يوصم طيلة حياته بالاجنبي الغريب, خاصة عندما يحل في بلاد لاتحب الحرية والكرامة الا لمواطنيها, فيعيش على هامش الحياة مع كل انواع المعاناة حتى يرحل من هذه الدنيا وحيدا غريبا, ويرقد في مقابر الغرباء.
Ahmad Al Hassan، «المملكة العربية السعودية»، 15/12/2007
استاذ عبد الرحمن، تحية وشكرا لكم ..
رحم الله المترجم، وكم عدد العقول المهاجرة التي ماتت وهي مهاجرة ..
حلوان نجيب، «المملكة المغربية»، 15/12/2007
استاذي عبد الرحمن مقالك رائع لكن اختلف معك بخصوص الجمع بين الصحافة والسياسة (الحزبية والمعارضة) فما دام الانسان قادر على الابداع والعطاء فلا مشكلة في ذلك ولاسيما في بلاد الغربة. لكن ان تكون لديك حساسية في الموضوع وتخاف القيل والقال فهذه هي المشكلة .
ملوك الشيخ-جدة- السعودية، «المملكة العربية السعودية»، 15/12/2007
أستاذي الكريم ... ضربت لنا اليوم درساً في الوفاء والإخلاص بين الأصدقاء وحتى زملاء العمل.. رحم الله محمد القزيري، جزاك الله عنه كل خير.. وأدام الله في عمرك.
حمود الراشد، «المملكة العربية السعودية»، 15/12/2007
رحم الله أخانا محمد ، الذي مات غريبا ونشكر الاستاذ الراشد على هذا التأبين الوفي.
محمد صالح بويصير، «الولايات المتحدة الامريكية»، 15/12/2007
اشكرك استاذ عبد الرحمن على هذا المقال واكبر وفاءك للراحل الاستاذ محمد القزيري احد مثقفينا البارزين.
فلا معنى للثقافة دون قيم راقية تعطيها بعدها الانساني.
احترامي.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال