من يقود التقدم في السعودية؟

TT

استوقفني ما قاله مصمم الأزياء السعودي يحيى البشري في حواره مع الزميل تركي الدخيل في برنامج اضاءات، إذ يقول إن والده قاطعه بسبب عمله، ولم يعترف به إلا عندما رأى الملك عبد الله بن عبد العزيز يصافحه محتفيا به في مهرجان الجنادرية!

قصة البشري، الذي صمم عام 1988 ثوبا للأميرة البريطانية ديانا استوحاه من نقوش قريته جنوب السعودية، هي قصة كثير من السعوديين، الذين اصطدموا بمجتمعهم.

أبناء جيلي، الذين نشأوا في مرحلة عصف بها ما يسمى بالصحوة، يتذكرون أن مجرد التفكير في أن تكون لاعب كرة قدم، أو فنانا، أو مسرحيا، كانت تعد انتقاصا، واحراجا للعائلة. لم نكن نشارك بالمسرح، والغناء، وكرة القدم إلا في المدارس الحكومية، قبل أن يتبدل حالها، حيث كانت تشكل لنا الغطاء الذي يحررنا من بعض القيود الأسرية.

لم تصمد الصورة الايجابية للاعبين والفنانين حتى رأينا على شاشة التلفاز القيادة السعودية وهي تستقبل اللاعبين، وتهتم بالفنانين في مهرجانات الجنادرية. فالمشكلة ليست في اختيارات الشباب، بل في قمع الاختيار لأسباب اجتماعية دخيلة، وبعد ذلك يطلب من الشباب العمل في وظائف تعودوا على رفض المجتمع لها.

العارف بطبيعة المجتمع السعودي يعلم أن كثيرا من قرارات التقدم لم تكن مبادرات اجتماعية، بل قرارات سياسية، حتى في تعليم المرأة. فكم من الشباب حولنا تُقمع مواهبهم بسبب نظرة قاصرة. صرح البشري ذات يوم عن مشواره بالقول «كان تعبا استمر سنوات طويلة، تعبا مع مجتمعي، تعبا مع أهلي».

المثل الفرنسي يقول «لا توجد مهنة سيئة، ولكن يوجد أناس سيئون»، وما لم نتنبه لهذه المسألة في مجتمعاتنا الخليجية، والسعودية تحديدا، فاننا نحرم أنفسنا واقتصادنا من فرص التفوق في كل مجال، والأهم الإبداع.

سمعت الأمير سلمان بن عبد العزيز يقول «لن أمل من تكرار رواية قصة رجال نجحوا بعد ان بدأوا حياتهم من عمال في أسواق الخضار، أو ساعين بريد في مؤسسة حكومية وأصبحوا الآن وزراء، ورجال أعمال، لأنها تلهم الشباب وتثبت أن العمل ليس عيبا، في أي مجال».

قناعتي هي أن يحمل شاب، أو امرأة، اسم بلاده في عالم الأزياء أفضل بكثير من أن يقحم بلاده كلها في عمل مشين. الأزياء، والرياضة، والفنون جميعها، باتت اقتصاديات، وعملا ابداعيا، فلا ضير في أن يختار الشاب المهنة التي يحب وتكفل له الحياة الكريمة.

ولذا فعلى الحكومات، وبالذات السعودية أن تواصل دعم المبدعين، وكل ما له علاقة بالفنون، فأي مجتمع خال من الفنون هو مجتمع جاف. ولولا أن من سبقونا اهتموا بكل مناشط الحياة رغم قسوتها لما بقي لنا هذا التاريخ الغني من التنوع الثقافي، بالمأكل والملبس، والعمران في السعودية.

قناعتي أن من يقود التقدم في السعودية هو السياسي، ولذا فإن الأمل أن يواصل صناع القرار السعوديون دعم المواهب، فرعايتهم واعترافهم بها، وترسيخها في المؤسسات التعليمية، يمنحها وجودا ومساحة في المجتمع.

[email protected]