الجمعـة 28 رجـب 1429 هـ 1 اغسطس 2008 العدد 10839 الصفحة الرئيسية







 
السيد ولد أباه
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
الجدل القانوني ـ السياسي في ما وراء مذكرة اعتقال البشير

لا مندوحة من الإقرار أن مذكرة الاعتقال الصادرة ضد الرئيس السوداني عمر البشير من المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية بقدر ما لقيت ترحيبا واسعا في بعض الأوساط المهتمة بحقوق الإنسان أثارت امتعاضا واسعا في بعض هذه الأوساط ذاتها التي اعتبرتها مظهرا لتوظيف قضية مقدسة عادلة في الاعتبارات السياسية الصادرة عن مصالح آنية وليس خلفيات قانونية وأخلاقية مجردة وموضوعية.

تساءل البعض عن سبب التحرك ضد الرئيس السوداني، المتهم بالضلوع في انتهاكات حقوق الإنسان في منطقة دارفور، في الوقت الذي تقع حماية رؤساء دول لا يخفى دورهم في ارتكاب فظائع التصفية العرقية والإبادة الجماعية، كما هو شأن رئيس إفريقي آخر كالكونغولي دنيس ساسو نغيسو، صديق فرنسا المحمي من شركة توتال النفطية، وشأن رئيس وزراء إسرائيل السابق أريل شارون، المسؤول عن جرائم صبرا وشاتيلا في لبنان عام 1982.

 في هذا السياق يجد العرب أنفسهم أمام إشكال حاد: ليس لديهم إلا القانون الدولي والشرعية للدفاع عن حقوقهم المسلوبة في مواجهة الاحتلال والقمع والاعتداء، فهم المستفيدون الأوائل من ديناميكية تعزيز وتوسيع القانون الجنائي الدولي المتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان، لكنهم في الآن نفسه ينظرون الى هذه الديناميكية كغطاء زائف للتدخل في شؤونهم الداخلية ومعاقبة أنظمة الحكم  المتمردة على القوى الدولية المتحكمة في النظام العالمي.

برز هذا الإشكال بقوة خلال حرب تحرير الكويت عام 1991، وأطلق عليه مفهوم «ازدواجية المعايير» الذي تحول الى احد المصطلحات المحورية في نقد استراتيجية التدخل الإنساني التي تبلورت بعد الحرب الباردة للتعامل مع الأزمات التي تفضي الى فظائع الإبادة الجماعية وجرائم الحرب او الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان.

وكما هو معروف، فلحق (أو واجب) التدخل الإنساني صيغتان:

رخوة تنحصر في حماية الأقليات المهددة بالتصفية والإبادة، وتتمثل قانونيا في مبدأ الاختصاص الشمولي في قضايا حقوق الإنسان الذي يعني صلوحية كل المحاكم الأجنبية لمقاضاة المتهمين بجرائم حقوق الإنسان.

وصلبة تصل الى حد استبدال مرجعية القانون الدولي بنمط من النكوص لمفهوم الحرب العادلة ذي الخلفية اللاهوتية المسيحية القديمة.

ومن الواضح أن الصيغة الأولى لم تطرح سوى إشكالات محدودة في حالات التدخل في الحروب الأهلية المفضية للتصفيات العرقية هو الحال خلال التدخل الدولي عام 1998 في كوسوفو لحماية الألبان المسلمين، وإن كان مبدأ الاختصاص الشمولي الذي دمجته الكثير من البلدان في نظامها القضائي، يطرح إشكالات عملية تبين المصاعب السياسية لتطبيق معيار شرعي يتجاوز منطلق السيادة الوطنية الذي ترتكز عليه العلاقات الدولية في العصور الحديثة.

وقد طرح الموضوع بحدة على القضاء البلجيكي الذي اخذ بهذا المبدأ، بخصوص الشكاوى المقدمة ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق شارون ووزير الدفاع الأمريكي السابق دونالد رمسفيلد، التي حفظت، على عكس الشكاوى ضد متهمين أفارقة من بينهم نائب الرئيس الكونغولي بمبا. وهكذا يبدو من الجلي ان الانتقادات الموجهة للقانون الجنائي الدولي الجديد تتمحور حول علاقته الملتبسة بالرهانات والمصالح السياسية، التي تؤثر على صدقيته الشرعية والقيمية.

ويرجع هذا المأزق الى الاتجاه الراهن الى تضخيم دور القانون وتحميله مهام كانت تعود في السابق الى الأخلاق والسياسة. ولقد بدا هذا الاتجاه مع  بداية عصور التنوير والحداثة، وأفضى الى نتيجتين بارزتين هما:

ـ  بناء شرعية الدولة على القانون بدل الدين والكاريزما الفردية، بما يترجم بنموذج العقد الاجتماعي من حيث هو تجسيد الإرادة المشتركة في شكل قواعد قانونية شاملة ومجردة.

ـ  استبدال موازين القوة في العلاقات الدولية  بشرعية المواثيق والاتفاقات الضامنة للسلم والأمن وعدم الاعتداء من منظور العدالة الإجرائية (في مقابل العدالة المعيارية المستندة للمنظور الأخلاقي).

ولقد تنبه الفيلسوف الألماني المعاصر كارل شميت الى النتائج التي تفضي اليها هذه المقاربة القانونية في صياغة القيم الأخلاقية والموازين السياسية، محذرا من أنها تؤدي الى إفساد السياسة بتمويه علاقات القوة التي تقوم عليها بإعطائها مضمونا أخلاقيا وهميا، والى إفساد الأخلاق بتقويض مرجعيتها المعيارية العميقة واستبدالها بإجرائية توزيعية محدودة.

ان هذا الإشكال هو الذي يبرز حاليا في موضوع محاكمة الرئيس السوداني التي تلتبس فيها الاعتبارات الأخلاقية بالمصالح والموازين التي هي الحقيقة الوحيدة في العلاقات الدولية.

> > >

التعليــقــــات
ابراهيم محمد ابو الجود، «الولايات المتحدة الامريكية»، 01/08/2008
حسابات القوة والمهابة واردة تماما في العلاقات الدولية وهي التي تقدم توقيف البشير على توقيف بوش او شارون ولكنه مهم ان تكون هنالك بداية ما وحظ البشير انه مرشح ليكون بداية السلسلة. واذا كان خظأ عدم توقيف بوش فذلك لا يجعل توقيف البشير خطأ. ثم هنالك ايضا جسامة الجريمة وليس لمأساة دارفور نظير في هذا العصر.
د.عوض النقر بابكر محمد، «المملكة العربية السعودية»، 01/08/2008
اذا ارتضينا صيغة استبدال موازين القوة في العلاقات الدولية بشرعية المواثيق والاتفاقات فكيف نفسر امتناع الولايات المتحدة عن تسليم جنودها الذين ارتكبوا جرائم ضد الانسانية في العراق بحجة عدم التوقيع على ميثاق المحكمة الجنائية الدولية وحين يستخدم السودان الحجة القانونية نفسها لحماية الرئيس تصبح غير ذات الجدوى مما يعنى بان موازين القوة في العلاقات الدولية لم تستبدل بشئ وان هذه الصيغة هي مجرد غطاء لخدمة المصالح لا غير.
الخطاط محمد فاضل، «المملكة المغربية»، 01/08/2008
متى سندرك نحن العرب والمسلمين ان خلق ما يسمى بالمعايير المزدوجة انتج من اجلنا، لان الشعوب الاخرى تعتبر نفسها هي المصدر الاقوى للقانون ولا مجال لتطبيق هذا النوع من النزوات القانونية على اراضيها، عكس الشعوب العربية المستسلمة لحكامها وحتى لغير حكامها ولا تدافع عن حقوقها. مذكرة توقيف البشير هي انذار مبطن لكل الانظمة العربية ورسالة قوية لكل من تسول له نفسه التمرد على العم سام ولا راد لهذا النوع من المذكرات الا الشعوب نفسها لانها هي المخولة وحدها للرفض او القبول لانها هي مصدر التشريع. وهذا ما دعى السيد البشير الى تحريك الشارع السوداني ولو عدل مع اهل دارفور لما احتاج الى هذا النوع من الاختفاء وراء الشعوب المهمشة في اغلب الاحايين.
مصطفى عمار، «ليبيا»، 01/08/2008
يقول المثل أنا وأخي على إبن عمي وأنا وإبن عمي على الغريب، ويقول مثل عربي أخر عّد رجالك وأورد الماء، ويقول المثل الايطالي المعروف الذي يحكم هو الذي يصنع القانون لذلك وأمام هذه المعطيات السائدة في العالم الان ومنطق القوة المفروض على الساحة الدولية الراهنة لا يسع العرب الا التحالف والترابط وتوحيد الجهود في مواجهة الهجمة الشرسة التي تجتاح وطننا العربي الكبير ونصنع بالتالي القانون لخدمة المصالح العربية أمام هؤلاء الذين يتشدقون بالقانون الدولي.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2017 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام