فنانون بلا حدود

TT

تحدث الرئيس بوش على هامش الأولمبيات فحذر من زج السياسة في الرياضة. قال ذلك ثم لحس ما قاله فورا على عادته بأن جعل الراية الأمريكية يحملها لاجئ من السودان. الفكرة جميلة بأن يحمل لاجئ مشرد اسود علم بلد واشنطن ولنكولن وكارتر. ولكن لماذا لم يكمل المعروف ويعطي العلم للاجئ فلسطيني من ضحايا الاحتلال الاسرائيلي أو لاجئ عراقي من ضحايا الاحتلال الأمريكي؟ كلا. أراد أن يسدد لكمة في وجه حكومة البشير.

لا تمثل الرياضة عندي أخوة البشرية. فهي تقوم على المنافسة والتحدي وغالبا ما تنتهي بمخانقة وسفك دماء كما في الكثير من مباريات كرة القدم. في العراق كنا عندما نفوز بالكأس نخرج ونهوّس «هذا الكأس يلمع وعيونهم تدمع!».

العمل الحقيقي الذي يقوم على تضامن البشرية ويعبر عنها هو الموسيقى. وهي غصة بقيت في نفسي. فأنا درست القانون في بلاد لا تحترم القانون. ودرست الرسم في ملة يكفر فقهاؤها الرسم. ودرست المسرح في مجتمع يعتبر الممثلين قشامر. لا ادري لماذا لم ادرس ذلك العمل الذي يمجد الإنسان ويرفعه: الموسيقى.

في الوقت الذي كانت تجري فيه الاولمبياد في بكين، قامت فرقة اوركسترا الديوان بزيارة بريطانيا لتقديم انتاجها. حضرت حفلتها الأولى في الألبرت هول بلندن.

فرقة الديوان تمثل ما أقول: تضامن البشرية وتجاوز الحزازات الدينية والقومية. أسسها الموسيقار الاسرائيلي دانيال بيرنبويم بالتعاون مع المفكر الفلسطيني ادوارد سعيد رحمه الله. الفكرة هي ان تقوم على عازفين عرب وإسرائيليين يعملون ويعيشون ويتدربون معا في اشبيليا، الأرض التي التقت عليها بسلام الأديان السماوية الثلاثة.

بيرنبويم موسيقار ومفكر فلسفي ايضا. ألقى سلسلة محاضرات من البي بي سي. قال فيها ان الموسيقى تقوم على نغمات متناقضة تجري معا باختلاف ثم تلتحم وتتحد في نغم واحد يعطي العمل روعته ومتعته. كذا الحال في السياسة. الفلسطينيون والإسرائيليون نغمتان متناقضتان ستظهر روعتهما عندما تتآلفان وتتحدان في نغمة واحدة. فرقة الديوان مشروع نحو الوصول الى هذه النغمة الواحدة. شعبان يتفقان على العيش على ارض واحدة.

منعت اسرائيل هذه الفرقة في السنة الماضية، واضطر بيرنبويم الى اخذ فرقته الى رام الله حيث قدمت حفلتها على الأرض المحتلة. الحقيقة ان حكومة اسرائيل منعته كليا من العمل فيها لأنه قدم مقطوعات من فاغنر الذي تعتبره معاديا للسامية ومحرما في اسرائيل. ولا اعتقد انها ستغفر له الآن بعد ان كرر التحدي بإنهاء حفلته في الألبرت هول بعزف افتتاحية المايستر سنغر لفاغنر. واثناء العزف، انقطع وتر كمنجة قائد العزف الاسرائيلي. التفت وراءه واستبدل كمنجته بكمنجة العازفة العربية الجالسة خلفه. ماكو مشكلة. إنها دنيا الموسيقى. التقاء الأضداد وتضامن الإنسان. استعار كمنجتها وواصلت الفرقة العزف. فاهتزت أفئدة الخمسة آلاف مستمع في هذه القاعة التاريخية الهائلة. وما انتهت القطعة حتى وقف الخمسة آلاف إنسان احتراما وإعجابا يطلقون بأيديهم وأقدامهم تلك العاصفة من التصفيق والهتاف.

يعتقد بيرنبويم ان الثقافة وليس السياسة هي القادرة على حل المشاكل. ولا اعتقد ان الفلسطيني الذي امتنع عن نشر روايتي «على ضفاف بابل» لأنها تصور اليهودي كإنسان قد ساهم في رسالة الثقافة.