الاربعـاء 28 شـوال 1429 هـ 29 اكتوبر 2008 العدد 10928 الصفحة الرئيسية
 
رشيد الخيون
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
مسيحيو المُوصِل: مَن الجاني؟

دخل العرب المسلمون المُوَصْل فاتحين، سنة 20هـ، أو ما يقرب من ذلك، ووجدوها ممتدة على جانبي دجلة مدينتين أو حصنين: الشرقي وهو نينوى القديمة عاصمة آشور، والغربي وهو المُوَصْل. وبعد قتال، حيث كانت المنطقة تحت السيطرة الرومية، خضعت نينوى عنوةً. أما أهل الحصن الغربي فصولحَ أهله على الجزية (الكامل في التاريخ). وأهل الجزية بالأمس البعيد هم أجداد مسيحيي المَوَصْل اليوم، ظلوا في أرضهم، يزرعون ويعمرون القُرى والحواضر، وتُملا الخزائن من خراجها وجزيتهم، ونفعوا الدولة بسلالات من الأطباء والكُتاب، ولهم كنائسهم وأديرتهم، التي شيدوها قديماً ومازالت شاخصة لم تُنتزع منهم إلا في ما حصل اثناء الاجتياحات، أو ممارسة حاكم بلا لين تجاههم.

بعد هذا التاريخ الطويل، من الوجود المسلم والمسيحي على أرض المَوَصْل، يتعرض المسيحيون إلى محنة قل شبيهها عبر الألف والأربعمئة عام ويزيد، تمثلت في قلعهم من جذورهم، ومحو أثرهم من على أرض تنطق بلغتهم، وأكتسبت المدن والقُرى الأسماء منها. وعلى الرغم من قِدمها، وما مر عليها من العاديات، إلا أنها ظلت موسومة بها، معبرة عن معانيها: باعذرى: بيت العماد أو المساعدة. برَّطلة: بيت الأوزان. باحزاني: محل الرؤيا أو المشهد. باطنايا: بيت الطين. باشبيبا: بيت السبي. باعويرا: بيت العبور. باقوفا: بيت القضبان. باعشيقا: بيت المظلومين. هذا ما كان في دائر المَوَصْل، أما على امتداد العراق فقائمة الأسماء السريانية أو شقيقتها الآرامية وما تبقى من لغة بابل، تطول: البصرة (بيث صري: بيت الجداول) وبعقوبة: وبغداد، وبدرة، وبامرني، وبابل، وأكثر أسماء الحواضر والقُرى البادئة بحرف الباء.

من المؤكد لا تعني تلك الآثار، والوجود الضارب بالقِدم وما أقره الإسلام من حقوق لأهل هذه الديانة، الحاملين معاول التخريب والتدمير، من الضالعين في قتل وتهجير مسيحيي المَوَصل. ولا تشغلهم آصرة الحياة المشتركة عبر قرون من الزمن. ولا تردعهم آية قرآنية، ولا وصية نبوية. بل لا يرون في قتال المستضعفين، ممَنْ لا يجيد حمل السلاح: راهب متبتل، أو صبية ينشدون السلام تحت سقف كنيسة. لا شك أن الضرر فادح ليس على أتباع عيسى بن مريم، وعلى الموصل، التي ستشوه جغرافيتها السكانية وتاريخها الحضاري بل الضرر سيصيب الإسلام نفسه، كون الاعتداء قصد ميزة من مزاياه، ألا وهي ناموس الاعتراف بالآخر.

قضية تهجير المسيحيين من المَوَصْل ليس ككل القضايا، صحيح أن مقاتل وجولات عنف رهيبة سُجلت ضد مجهول، لكن في هذه القضية بالذات يحار لمَنْ يوجه أصبع الاتهام، أ لطرف سياسي، أم لجماعة دينية متطرفة أو معتدلة، وما عادت الفوارق مفهومة بين الاعتدال والتطرف أو الغلو.

وبطبيعة الحال، تزداد الحيرة حيرات، وتبقى الهواجس بين شاردة وواردة، في مثل هذه القضية. أهو طمع بالقُرى والأرض، وما يحيط بالأديرة والكنائس من زرع وضرع! وإذا صح ذلك فبئس الثمن والتفريط بجيرة وشراكة عمرها عمر الأرض والأديان! أم نزاع لبسط الدين الواحد أو المذهب الواحد على بلدة مختلطة، عبر تاريخها من عهد آشور فما أدنى! أم سبيل من سبل الضغط على الولايات المتحدة الأمريكية وبقية الدول، وإحراجها بتحويل الصراع عن مجراه إلى صراع أديان وحضارات، مع أن المسيحية المَوصْلية أو العراقية والشرقية ككل لا شأن لها بسياسات تلك الدول، ولا حتى لها صلة بما عُرف بالحملات الصليبية.

بل على العكس كان المسيحيون وأهل الأديان الأخرى من العراقيين، من غير السياسيين أو المحاربين، محميين من قبل الأنظمة السابقة، وهناك قوانين شرعت من قبل ضد الإساءة إلى كتاب مقدس أو بيت عبادة. ومعلوم، أن تلك الجماعات الدينية حريصة، وفي كل الأزمنة، ألا تلعب لعبة السياسة، فليس لها مطلب الرئاسة، بقدر ما تبحث عن المأمن لأتباعها على أرض تعدها مهداً، ومن الحكمة والعاطفة معاً أن يُحافظ على المهد.

لقد أعلنت الحكومة العراقية أنها ضد ما حصل لمواطنيها من المسيحيين بالمَوصْل، وأرسلت شرطتها لحماية قُراهم، لكن الهجرة مستمرة، واللائذون بالمدن الأخرى ها هي الأرض فراشهم والسماء دثارهم، ويبحثون عن طرق للهزيمة بالأرواح. كذلك ما زال الجاني مجهولاً لقضية كبرى في حجمها وخطورتها، حدثت في رابعة النهار، وخصت شعباً وديناً أساسيين من شعوب وأديان العراق. أقول: لا أهمية واعتبار للعدد، أو ما يُشار إليه بالأقلية والأكثرية، إنما للمواطنة، والتاريخ في المكان، والشراكة في عمرانه. لا أرى في هذه المصطلحات سوى تزهيد في ذلك الحضور، وجرأة على الإيذاء.

r_alkhayoun@hotmail.com

> > >

التعليــقــــات
سيف الدين الالوسي، «الولايات المتحدة الامريكية»، 29/10/2008
مما لا يعرفه الكثير من غير العراقيين ان مسيحيي العراق هم جزء رئيسي لا يتجزء من النسيج العراقي وهم من المساهمين بقوة واخلاص في تقدم العراق وقوته والدفاع عنه وكم طبيب منهم خدم النجف والعمارة والكوت والبصرة والفلوجة وبلد وكم مدرس خدم كل العراق وكم ضابط وجندي منهم استشهد من اجل العراق والعرب. لا تكفي مجلدات من الكتب لتذكر خدمات العراقيين من الدين المسيحي لبلادهم ومنذ القدم. رحم الله شهداء العرق جميعا ومن دون ذكر الاديان والقوميات حيث من المعيب حقا ذكر ذلك.
عامرعمار، «الولايات المتحدة الامريكية»، 29/10/2008
سيدي لا تحتار كثيرا فالمجهول معلوم لدى الجميع والقضية سياسية بحته فما إن تهدأ في كركوك حتى تستعر في خانقين وحين تبرد نار خانقين تشتعل سهول الموصل...كلنا يعلم المتسبب بعدما رفضت هذا العمل الجبان حتى الفصائل المسلحة وما يسمى بالجيش الأسلامي وتبرأت منه أنها تلك الخارطة المشؤومة لكردستان والتي يريد الحالمون فرضها على الجميع ولكنهم يقينا سيفشلون لأن قناع المظلومية وحجج التهميش سقطت من وجوههم ولم يبق أي مبرر لأفعالهم ونواياهم بحق باقي أطياف الشعب العراقي وقومياته..
محمود عثمان(الامارات العربية)، «الامارت العربية المتحدة»، 29/10/2008
ما حدث لإخواننا العراقيين المسيحيين اليوم ليس وليد الصدفة ومشخص وبالدليل القاطع من قبل الوطنيين العراقيين في الموصل الحدباء مدينة الرماح وسؤالي مطابق لما طرحته من يستطيع في وضح النهار اخراج الناس من بيوتهم وتلغيمها وتفجيرها مثل حادثة الزنجيلي التي لم يصل التحقيق فيها الى نتيجة وكالعادة؟ ان الايادي الاثمة التي قامت بهذه الجرائم الشنعاء معروفة للمالكي ولابسط مواطن ولكن تتم تسويتها لأسباب انتخابية ومصلحية وتدفع ثمنها شرائح المجتمع. كل مشاكل الموصل تقوم بها العصابات الكردية وليس ذلك عليهم بغريب.
علي العبيدي، «الولايات المتحدة الامريكية»، 29/10/2008
السلام عليكم قرات مقال السيد رشيد خيون وما اروعه سؤال للسيد رشيد هل تتوقع ان بامكان الامور ان تعود افضل من قبل وماهو رأيك بصراحه بكل ما يحصل بالعراق؟
سمير طبلة - لندن، «فرنسا ميتروبولتان»، 29/10/2008
جريمة جديدة تضاف لمئات الجرائم السابقة، التي سُجلت ضد مجهول! وهو معلوم، بكل الاحوال. فهو المستفيد منها. إلا ان أصحاب الحل والربط في ما سميّ زوراً بـ العراق الجديد لا يروق لهم الاعلان عنه، حماية لمصالحهم. وبهذا فهم هو، شاؤوا ام أبوا، وإلا ما معنى تمسكهم بتحمل مسؤولية، هم ليسوا اهلاً لها.
احمد علي، «ايرلندا»، 29/10/2008
هناك خمس اقليات في الموصل اربع منها تحت سيطرة القوات الكردية شرق وشمال الموصل وهي (الايزيدية، الشبك، التركمان والكاكائية) اما المسيحيون فكانوا خارج منطقة الكرد وبعد تهجيرهم دخلوا الى داخل منطقة القوات الكردية، لذا ليس من مستفيد من تهجيرهم غير الساسة الكرد لضمان اصوات الاقليات الخمس اذا ما جمعت مع اصوات الكرد في محافظة الموصل (نينوى) ليس لانتخابات مجلس المحافظة فقط بل للاستفتاء المزمع اجراءه السنة المقبلة لتقرر هذه الاقليات الخمس هل تريد الانضمام ل(اقليم كردستان) بمناطقها الشاسعة الغنية بالثروات ام البقاء تابعه للحكومة المركزية في بغداد وللتذكير فان حكومة ما تسمى بدولة العراق الاسلامية في الموصل اعلنت في بيان لها انها غير مسؤولة عن تهجير المسيحيين، والا هل يستطيع الكاتب الكريم اخباري لماذا يعيش المسيحيون بامان ودون اي تهديد في غرب الموصل؟
فـؤادعبد الرؤوف-فرانكفورت-المانيا، «المانيا»، 29/10/2008
سيدي المحترم..شكرآ على مقالتكم الهادفة..في مسار التاريخ لم يذكر المسلمون بسوء أو سجلت عليهم ممارسات الأبادة والتهجير وأنني في حيرة من أمر المسلمين وما أنقلبوا اليه بعد الثورة الخمينية..قد يكون الغرب في الماضي ينظر الينا بنظرة متعالية أما الآن فنظرته الينا متحسبة وفزعة بل وتعالت أكثر بحجة أن المسلمين (وليس الأسلام) لم يتكـًيفوا بمناخ التطوير العقائدي والعقلي..المسيحيون عرفتهم شخصيا في لبنان وسوريا ومصر والعراق ووجدتهم أناسآ راقين معتدلين والذين عرفتهم يمتازون بطيبة وصدق وأمانة رأئعة..واللغز المحيًـر أن العرب والمسلمين لا يعتقدون أنه قد يأتي يومآ يقوم العالم الغربي والمسيحي بتهجيرم ومضايقتهم وحتى منعهم من دخول اراضيهم بشكل أو بآخر..ألسـؤال الأخير يا سيدي المحترم ..لماذا دائمآ العراق بالذات؟ سنة وشيعة وكلدان وأشوريين وصابئة وأكراد وعرب وعجم ..ألم يحن الوقت ليرى الأعمى أنه لولا الحصار (الغربي) المتعمد والمـًدمر على العراق ولو بقي صدام حسين في الحكم لكنـًا جميعآ ننتغم بالعراق المجيد وبصدام بطل الأمة وأملها وحاميها..أللهم أغفر له وأرحمه...
احمد عدنان، «الاردن»، 29/10/2008
سيدي الكريم اود ان اثير انتباه الجميع ان هذا الموضوع هو موضوع سياسي بحت و الا لماذا لم يهاجم النصارى في مكان اخر؟ المغزى هو حصول الاكراد على ورقة تفاوضية - ارض الموصل مقابل بترول كركوك و في السياسة يذهب الكل الى الجحيم مقابل الحصول على مكسب سياسي.......البشر و الارض و الخيرات و كل شيء.
الدكتورفرج السعيد، «فرنسا»، 29/10/2008
استاذنا الخيون، الجاني معلوم واضح الملامح ومعروفة اهدافه وسوء نواياه... لو بحثت عنه لوجدته قد اعلن عن اسمه في دستور العراق بمناطقه المتنازع عليها (وهل رأيت بين ابناء الشعب الواحد والبلد الواحد ارضا متنازعا عليها؟!) اما اهدافه ونواياه الحصول على عمولة هدر نفط العراق بعقود تنازل... فلا اعتقد ان الاستاذ الخيون ستغيب عنه ملامح الجاني.
سالم عتيق، «الولايات المتحدة الامريكية»، 06/11/2008
الجاني حتى وان كان مجهولا يجب أن تتحمل نتائج أعماله الغادرة ذات السلطات الحاكمة، خاصة المحلية.
المصيبة الأكبر تكمن في انتهازية قيادات جميع الأطراف الحاكمة المتنفذة خاصة في ما يسمى بأقليم كردستان الشمالي الذي بيد قواته غالبية المفاتيح الأمنية. الكل يبكي على ليلاه العنصرية أو الطائفية أو المذهبية أو القومية أو النفعية الأنانية، وجروح ليلى العراق الوطن مستمرة في نزفها القاتل، بل ومنسية على الرغم من كونها الحاضر الباقي. تبا لهكذا قيادات تدعي الوطنية وتسمح في ذات الوقت بخراب الأوطان. هذه قيادات ولا في الأحلام.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال