الاربعـاء 28 شـوال 1429 هـ 29 اكتوبر 2008 العدد 10928 الصفحة الرئيسية
 
مشعل السديري
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
(بارات) الصحة ثالثاً: الأوكسجين

جربنا (الماء)، ثم (الحليب)، ولم يبق غير (ثالثة الأثافي)، ألا وهو (الأوكجسين).

وقد بدأت موضة استنشاقه في التسعينات من القرن الماضي، حيث انطلقت أولا من اليابان ثم انتقلت هذه الصرعة إلى (كاليفورنيا) في أمريكا، ثم أكملت مشوارها إلى أوروبا. وكثرت (بارات الأوكسجين) تحت مسمّى الاستنشاق الترفيهي، والدقيقة سعرها دولار واحد، ومتوسط الوقت الذي يقضيه المستنشق هو عشر دقائق يومياً ـ وعليكم الحساب ـ، بل إن بعض الزبائن يستنشق صباحاً وظهراً ومساءً.

وثمة عدة طرق لإيصال الأوكسجين إلى الحويصلات الرئوية، إما عبر أنبوبين مثنيين يدخلان في فتحتي المنخار رأساً، أو عبر كمامات تثبت على الفم والأنف، أو إدخال الشخص إلى (كبينة) ـ هي عبارة عن حجرة مغلقة مزودة بضغط عال من الأوكسجين، وهناك طريقة رابعة نصحني بها أحدهم (الله لا يمسيه ولا يذكره بالخير)، ذلك الشخص الذي لا أستبعد أن نيته كانت سيئة جداً نحوي بإسدائه لي تلك النصيحة، والمشكلة أنني صدقته بكل عبَط، وبعد قليل أشرح لكم الطريقة (الزفتاوية) التي تورطت فيها.

والحكاية وما فيها أنني قبل ثلاثة أعوام كنت في (ماربيا) بجنوب إسبانيا، وأتاني ذلك الشخص يطلب مني مرافقته لتزجية الوقت في أحد المرابع، وقد اعتذرت لأنني طفشان وفوق ذلك (منهد حيلي). حاول معي بشتى الطرق، لكنني (حرنت) ورفضت، واستسلم وذهب، وفي ثاني يوم اتصل بي يسأل عن حالي، فقلت له إنني ازددت (انحطاطاً)، فقدم لي نصيحته التالية قائلا: إن هناك دكتورا ألمانيا له عيادة في أحد الفنادق الكبرى، وطريقته مبتكرة، حيث أنه يشحن دمك بالأوكسجين فتعود للوراء عشرين سنة وتتفجر طاقاتك. طبعاً (ارتخت أذني)، وتغيرت نبرة صوتي وطلبت منه العنوان والتليفونات، واتصلت وأخذت موعداً، وذهبت إلى العيادة في صباح اليوم التالي. وتفاجأت أولا بمنظر الدكتور، فهو يصلح أن يكون مصارعاً أو جزاراً، لكن أن يكون طبيباً، فهذه هي المعجزة، وكانت تساعده ممرضة (ماابهاش) ـ مثلما يقول إخواننا السوريون ـ، يعني (مملوحة)، غير أن جلدها يا سبحان الله ممتلئ (بالنمش) من وجهها إلى ذرعانها إلى سيقانها، وتباسطت معها قائلا: كان المفروض أن يسميك أهلك: (نمشة)، فلم تفهم المسكينة، لكنها أخذت تردد طوال الوقت وهي ذاهبة وقادمة: نمسة، نمسة، نمسة، وبين كل كلمة وكلمة تنظر لي مبتسمة.

المهم لا أطيل عليكم، فقد فرض عليّ الجزار ـ أقصد الطبيب ـ فرض عليّ أن أخلع ملابسي كلها ولا يبقى على جسدي إلا ما يستر العورة، ثم أجلسني على كرسي من الجلد وربط ساعديّ وقدميّ، وحتى رقبتي ورأسي ثبتهما بحيث لا أستطيع أن أتحرك، وقد تذكرت كرسي الإعدام الكهربائي، وبعدها أتى بحقنة كبيرة وشكها في وريدي وأخذ يسحب من دمي ويعبّيه في زجاجات كبيرة، وكلما امتلأت زجاجة أحضرت (نمشة) أخرى، وبدأت قواي تخور، وعيوني تزغلل، وأحسست في النهاية أنني (رجل ما عندي دم)، مثلما يقولون بحق وحقيق. حاولت أن أتكلم لكي يعيد دمي ويطلق سراحي، لكنني فعلا لم أستطع أن أعبّر بغير النظرات المتوسلة، وأصبحت حياتي معلقة بين يديه. أخذ ينظر في وجهي بابتسامة من خلف شاربيه الكثيفين وكأنه يقول: هاه تتحدى. وران علينا صمت مطبق وأنا بين الحياة والموت، غير أنه أخيراً بدأ يضخ الأوكسجين بدمي الممتلئة به الزجاجات التي أراها أمامي، وأخذ لون دمي يتحول من (بوردو) عنّابي إلى (بِنك) يشبه (شربات) الأعراس المصرية، وبعدها أخذ يحقن الدم ويعيده ثانية إلى عروقي، وهذه العملية كلها استغرقت ما يقارب الساعة.

وخرجت من عنده مهرولا، وألعن الساعة التي أتيته فيها.. وشعرت بعدها أنني أصبحت خفيفاً، لا جسدياً فقط، لكن عقلياً كذلك، وقد لمس ذلك كل مَن تعامل معي لاحقاً.

ولا تزال (الخفة) تلازمني إلى هذا الوقت، ويا ويل من يقول لي: أُف.

m.asudairy@asharqalawsat.com

> > >

التعليــقــــات
عبدالله العماري، «فرنسا ميتروبولتان»، 29/10/2008
الله يجود عليك يامشعل ضيفتنا اسبوع شاربين متقهوين لا وبعد مشحونين اوكسجين وكويس ان الشحن وافق اجازة بس ان شاء الله يكفينا للسبت.
سميه علي، «المملكة العربية السعودية»، 29/10/2008
آه من مقالاتك الروعه سلمت يداك
جيولوجي / محمد شاكر محمد صالح، «المملكة العربية السعودية»، 29/10/2008
كان الله في عونك استاذ مشعل على انك تحملت هذا الجزار الذي صفى دمك بطريقة ترهب النفس والله ان هذا الموقف لا تحسد عليه وكان من المفروض ان تسأل عن الاجراءات التي تتم قبل البدء في هذه العملية
سحاب، «فرنسا ميتروبولتان»، 29/10/2008
اريد ان اكون مثلك اتنقل بين بلاد الله الواسعة
محمد عبد الله برقاوى، «الامارت العربية المتحدة»، 29/10/2008
استاذ مشعل حقا سلسلة ظريفة من التجارب والذكريات. اضف عليها اسلوبك الفكه وتعبيرك الساخر طعما مشوقا للمتابعة والاستيعاب والمتعة..وتلك الاستراحات دائما يتكىء اليها ذهن القارى المجهد من عناء المكابدة اليومية خارج محيط الصحيفة ..ويحتاجها اكثر للارتماء فى مخملها هربا من خشونة اخبار الحروب وصراعات السياسة وصورالكوارث الطبيعية.
زايد العيسى/الرياض، «المملكة العربية السعودية»، 29/10/2008
والله يا مشعل ما دريت ويش اعلّق على مقالتك اليوم .. خايف تاخذ بريدي وبعدين تغريني وتورطني معك وادخل معاك في تعبئة وتخلية وتحلية .. الله يذكرك بالخير اخوي مشعل . بس تراي أعرف شيخ طيّب إذا تبي أودّيك له يقرا عليك .. بس مثل حالتك أخاف إنه بيحتاج إلى الخيزرانة .. لأنّ المُنمّشات ما يطلعون إلا بالطّق.
soumaya demachkieh، «لبنان»، 29/10/2008
أسعد الله صباحك؛ أضحكتني حتى دمعت عيني لاحول ولا قوة الا بالله. تفتقت قريحة أحدهم وضغط الهواء اللبناني وباع القارورة في أميركا للمغتربين بعشرة دولارات. شمة رخيصة بالنسبة لهواء لبنان وعدي يا فلوس. برافو؛ رزق الأذكياء على المهابيل- والشاطر مايموت.
خالد جابر، «المملكة العربية السعودية»، 29/10/2008
اليوم قتلتنا من الضحك تقييمنا 10/10 ابسط ياعم
حسن الصالحي، «المملكة العربية السعودية»، 29/10/2008
الظاهر ان تجاربك كلها غير مفيدة وشكلك تاكل مقالب بسهولة ... لو ألقاك اكلتك مقلب ماعمرك تنساه .. القاك قريبا ان شاء الله
محمد السعيد الشيوى - باريس، «فرنسا»، 29/10/2008
يا أبو دم شربات يا أستاذ مشعل نعتب عليك لو كنت طلبت النصيحة من قرائك ومحبيك لقلنا لك لاداعى للذهاب لهذا الدكتور.
سعيد حمزاوي، «مصر»، 29/10/2008
أستاذنا العزيز مشعل هذه الطريقة التي تتكلم عنها إنها طريقة العلاج بالأوزون وهي طريقة يداوم عليها الرياضيون وهي مشهورة عندنا في مصر وأنا شخصياً كنت أعالج زوجتي من آلام الروموتايد في مركز متخصص لعلاج الأوزون ولكن العلاج به غالي جداً وقد وجدت فعلاً تحسنأً في نسبة المرض لزوجتي حيث نزل من 300 تقريباً الى 60 وهذا ما أحببت أن أخبرك عما حدث لك حيث أنه ليس خرافة ولكن هذه المراكز منشترة في مصر ولا يتعامل معها الا الأثرياء ..
تيم عباس، «المملكة العربية السعودية»، 03/11/2008
طريقه رائعه للاكسده لكن يوجد طريقه اسهل نصحني بها احد الاصدقاء في غليل (وغليل لمن لا يعرف جزء من ارقي احياء مدينه جده عروس البحر الاحمر) الطريقه هي وضع راسك في برميل غراء وشم الاكسجين لمده نص دقيقه وانا اضمن لك ان ترجع 20 سنه وتقفز مثل الحصان. يوجد مجموعه من الاخصائيين هناك لمساعدتك في تركيب البرميل والطريقه المثلى للاستنشاق

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال