الثلاثـاء 05 ذو القعـدة 1429 هـ 4 نوفمبر 2008 العدد 10934 الصفحة الرئيسية
 
عثمان ميرغني
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
خوفي على السودان

يخاف كثيرون على السودان من مقبل الأيام.. ليس فقط بسبب السحب الداكنة التي تتجمع فوق أفقه السياسي، وملامح حرب تتهدده في ظل سباق صامت بين أمل الوحدة ومخاوف نزعات الانفصال مع التوتر الشديد الذي يتصاعد بين الشمال والجنوب، والحروب التي تنتشر كالنار في هشيم بلد المليون ميل.. وإنما الخوف كذلك بسبب الرحيل المتسارع لرجال تشربوا بحب هذا البلد الطيب وبكل سماحته وطيبته وبساطته. رجال مثلوا أروع قيمة سودانية وهي التسامح. كانوا حتى في خصومتهم السياسية يراعون القيم، ويحفظون الود، ويتمسكون بأن الخلاف السياسي لا يعني إلغاء الآخر أو القطيعة معه إنسانيا.

نشأنا ورأينا جيلا من السياسيين يتجادل داخل مقر البرلمان ويتعارك سياسيا، لكنه ما أن يغادر قاعات الاجتماعات وردهات البرلمان حتى ترى الأيدي تتشابك والضحكات تعلو في الطريق إلى لقاءات المنازل، وزيارات المجاملات الاجتماعية، وجلسات السمر في بيوت الأصدقاء من مختلف المشارب والتوجهات. تراهم يضحكون بصفاء وكأنهم أناس غير أولئك الذين كنت تراهم يتعاركون سياسيا قبل ساعات. وإذا برزت خصومات شخصية ترى الوسطاء و«الأجاويد» يتحركون بين الفرقاء حتى يزيلوا ما علق بالنفوس من شظايا معارك السياسة وخلافاتها.

ومع الرحيل المتواصل لرجالات ذلك الجيل، لا يملك المرء إلا أن يخاف على السودان، أو بالأصح على القيم الحقيقية التي ميزت أهل السودان. فهناك أجيال تنشأ اليوم في أجواء متشنجة ومتوترة، وفي ظل حروب شرسة تزرع الشكوك وترسخ التباغض وتنمي قيم الإلغاء للآخر.

تبرز كل هذه المخاوف والأحزان عندما يتلقى المرء خبرا كوفاة السيد أحمد الميرغني رئيس مجلس رأس الدولة السابق ونائب رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي الذي رحل فجأة في منزله بالإسكندرية، وقبله رحل الكاتب والصحافي المرموق محمد الحسن أحمد في مستشفى بلندن. وفي أحد مستشفيات لندن يرقد الآن الروائي والكاتب اللامع الطيب صالح وهو يصارع المرض، ويدعو له محبوه الكثيرون بالشفاء.

الذين عرفوا أحمد الميرغني سيذكرون دائما سماحته وتواضعه الجم، وفوق كل ذلك حبه الشديد لبلده وطبيعته التوافقية التي تأبى الصدام وتجنح إلى الحوار والسلم. كانت لي حوارات كثيرة معه، عندما كان يتصل مطمئنا أو يزور مجاملا، ولم أسمعه إلا مرددا لموقفه الذي لم يتزحزح عنه حول أهمية التوافق وحل المشاكل سلما حفاظا «على البلد» كما كان يقول دائما.

أما الذين عرفوا محمد الحسن أحمد سيذكرون دائما روحه السمحة وكرمه وبيته المفتوح للجميع حتى أصبحت دارته حيثما كان، في الخرطوم أو في لندن، مثل البرلمان في أيامه الزاهية. تجد الساسة من مختلف التوجهات، والشخصيات الثقافية والاقتصادية من مختلف التيارات. تعلو الأصوات في النقاشات، لكن تتخللها دائما الضحكات والقفشات.

قبل أحمد الميرغني ومحمد الحسن أحمد رحل كثيرون من رموز ذلك الجيل العظيم، ويصعب في هذه المساحة ذكرهم كلهم أو تعداد مآثرهم.. ومع رحيلهم يحس المرء بالحزن والانقباض والخوف على السودان وقيمه السمحة.

o.mirghani@asharqalwsat.com

> > >

التعليــقــــات
فادى الدرايسى، «المملكة المتحدة»، 04/11/2008
أستاذنا الفاضل عثمان ميرغني، حياك الله وأبقاك. لست أدري بما أبدأ ولكن بواجب العزاء لأهل السودان الأحباء في فقيد الأمة السودانية التي بقيت وبرغم كل ما حدث مجتمعة صابرة غير متفرقة. لن يتغير شيء وما زلت أذكر جيدا يوم إنحازت قواتنا المسلحة السودانية، لخيار الأمة السودانية عام 1985 وأعادت الديمقراطية إلى الساحة السياسية من جديد. في تلك المناسبة وبعد سته عشر عام من حكم الفرد. خرج حتى الصبية الصغار إلى شوارع أمدرمان وهم يحملون صور رموزنا السياسيين مثل الزعيم الأزهرى رحمه الله والشريف الهندى ومولانا السيد محمد عثمان أمد الله فى أيامه والسيد الصادق المهدى احياه الله وابقاه. لم يتنكر احد لسوداننا، ولن يحدث هذا. والله فارج الكروب. ثم بعد، نثني بكل أدب على ظهورك اليوم من خلال هذه النافذة، كما نتمنى أن نراك منها على الدوام، ودمتم سيدى بكل خير.
عبدالجليل على محمدعبدالفتاح، «السودان»، 04/11/2008
بوفاة الهرم الصحفى محمد الحسن تألمنا ولمرض القامة الطيب صالح تأثرنا ولغياب أحمد المرغنى تفجعنا وتحسرنا وللاوضاع فى السودان نتوجس ونتحسس رحم الله موتانا وعاجل الشفاء لود صالح
المـعـتـز مصطفى أحمد، «السودان»، 04/11/2008
أتفق معك تماماً أستاذنا عثمان. فعلاً يجب الخوف على بلادنا في ظل عدم الرشد السياسي وإفتقاد الحكمة في البحث عن حلول لمشاكل البلاد، ولكن للبلد رب يحميه بدعوات رجاله الصالحين. إن الطيبة والسماحة التي يتصف بها السودانيون هي التي تعصمهم من الطوفان القادم إلى المعمورة.
فتح الرحمن يوسف، «المملكة المتحدة»، 04/11/2008
أستاذي الجليل عثمان ميرغني لك التحايا وأنت ترسم بكلماتك الرقيقة والتي خرجت مشبعة بعبق التربالة الطيبين في شمال بلادي وبلكنة أهلنا في جنوب البلاد وشمالها وغربها وشرقها أصدق لوحة وبألوان مرشوشة بالحزن النبيل الذي تسكن أوجاعه أوصالنا. حقا لك أن تخاف أنت وأنا وكل السودانيين نشهد مع شروق شمس كل يوم جديد رحيل عزيز نذر عمره لخدمة الوطن بلا منّ ولا أذى .. يا .. الله ما أجملهم ما أخلصهم ما اوفاهم ما احلاهم .. نعم .. رحل الرجل العفيف الحسيب النسيب مولا أحمد الميرغني وقبله شيخ الصحفيين محمد الحسن أحمد ونرفع الكف متضرعين نابغة الأدب الروائي الطيب صالح والذي أسعدتني حواراتي التي أجريتها معه في زمن مضى كثيرا حيث تحمل في حروفها ملامح السودان بتاريخه وحضارته وتراثه الثري. حقا لك ولي ولكل السودانيين أن يذرفوا الدموع السخينة بلا انقطاع لأناس شكلوا وجداننا الوطني والثقافي والحضاري ثم سافروا كالطيف من غير وداع.
أستاذي كلماتك الصادقة شدتني كثيرا وإنّي لأرى على خدودها دموع الجميع ولكن يبقى عزاؤنا في خلفهم وليتهم يرحمونا ويلموا شملنا ويحموا بيتنا الكبير .. السودان .. من حرّ الظروف الحارقة والفتن القاتلة ..
سمير سمير، «فرنسا ميتروبولتان»، 04/11/2008
هذا المقال الممتاز الجميل والذي يتحدث عن رحيل عباقرة جيل لعبوا دورا مثاليا فى التسامح رحم الله الذين مضوا منهم رحمة واسعة وأطال الله عمر الأحياء ونفعنا بخبرتهم وعلمهم ورحم الله سبحانه وتعالى السيد أحمد الميرغني الذي كان طيب السريرة والقلب وحكيماً. إن الأستاذ عثمان ميرغني يتحدث في موضوع جد هام واتمنى ان يقرأه الجميع حرفا حرفا
الكباشى عبدالله الرقيق، «السودان»، 04/11/2008
عندما يخفق قلب المثقف متوجسا حدثا وشيك الوقوع فإن ذلك ايذان بقرع أجراس الخطر. والأديب عثمان ميرغني يترجم في هذا المقال خوفه على الوطن الغالي السودان. وهو خوف في محله فالانتماء للوطن تقهقر والناس اصبحوا أكثر تشبثا بعصبياتهم. وهنا يكمن الخوف وهنا نكون قد أتحنا الفرصة لمن يريدون ان يكون السودان محل تجربة دعواهم لإعادة صياغة الشرق الأوسط الجديد تلك الفكرة التي تقوم على تحطيم الدولة القطرية وبناء دويلات حسب مواصفات تفي بما يرونه مدشنا لحضارة ينبغي ان تدين البشرية لها وحدها بالسيادة. نعم ان فقدنا للزعماء العظماء من امثال السيد احمد الميرغني فقد جلل ولكنها سنة ماضية في الخلق اجمعين. وعلى المثقفين ان ينهضوا بدورهم في رد الخطر الذي اطبق على البلاد من كل الجهات. وان يتجردوا من كل حب سوى حب السودان. وان يرسموا للشعب خارطة الطريق التي يعبرون بها الى بر الأمان. أليس هذا واجب المثقفين؟ اللهم ارحم من اجتبيته الى جوارك السيد احمد الميرغني والأستاذ محمد الحسن احمد وعجل بالشفاء للأديب الطيب صالح. اللهم اشرح صدور المثقفين وربط على قلوبهم ليقوم بعبئهم تجاه الوطن .آمين.
محمد قسم السيد، «السودان»، 04/11/2008
الاستاذ عثمان ميرغني شكرا على هذا المقال و هو خوف يشاطرك فيه كل سوداني غيور على وطنه و اهله , رحم الله الفقيد و يكفي شهادة جيله بانه لم يسمع منه كلمة نابية قط, و لكن الموت سبيل الاولين والاخرين, هل يبقى الكبار مستلمين كل شيء حتى الممات ام يسلموا الراية و هم احياء لتوجيه الشباب و تعليمهم الحكمة و نبذ العنصرية وطرد الخوف على الوطن؟
رحم الله كل من مضى الى الله .
كباشي الحاج، «المملكة العربية السعودية»، 05/11/2008
الأستاذ عثمان ميرغني
شكراً على هذا المقال الرائع الذي نتمنى أن يكون حافز للتفكير العميق في مستقبل بلد يحترق ويتساقط قادته ومفكريه قبل أن يستفيد من خبرتهم وحكمتهم كما ينبغي وكما تفعل كل بلاد الدنيا نعم أبو الصحافة السودانية الأستاذ العصامي محمد الحسن أحمد عملاق رحل ولا زلنا في حاجة لتحليله العميق للأحداث وقراءته المتأنية للأمور وها هو فارس الأخلاق السياسي النبيل يرحل في هدوء كما كان يعمل من أجل وطنه في هدوء دون ضجيج ولا أضواء وسيكتب التاريخ صفحة بيضاء من غير سوء عنوانها السيد احمد الميرغني رأيت كثيرين من الزعماء ماتوا ونعاهم كل الناس ولكن لم أرى نعي أصدق مما نعي به هذا السيد أحمد الميرغني فلله دره قد نعم وفاز اليوم ووجبت له الرحمة. اللهم أرحمهما وارحم كل موتى المسلمين وأجعلها أخر أحزان السودان في أبنائه العظماء .

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال