الثلاثـاء 05 ذو القعـدة 1429 هـ 4 نوفمبر 2008 العدد 10934 الصفحة الرئيسية







 
غسان الإمام
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
بشار: أوجاع الخروج من.. العزلة

لم يكد الرئيس بشار ينتهي من تهنئة نفسه، وتقبّل التهاني بالخروج هو ونظامه من قوقعة العزلة، حتى جاءت الغارة الأميركية لتذكر المهنّئين له، بأن التعافي من العزلة والعودة إلى اللعبة، يفترضان بالقيادة السياسية كسب حدّ أدنى من الثقة الدولية والمصداقية العربية والإقليمية.

نعم، الغارة اعتداء على السيادة تمارسه دولة كبرى جريحة بهزائمها في حروبها، جريحة بشعورها هي ذاتها بأنها وضعت ديبلوماسيتها وسياستها في عزلة باردة، في منطقة ذات حساسية كبيرة لمصالحها فيها. لكن الغارة كانت بمثابة رد انتقامي من إصرار القيادة السورية على المضي في اعتماد أجهزتها المخابراتية، في ازدواجية التعامل مع أعدائها وحلفائها وجيرانها.

في أوائل سبتمبر، ذبح رجال «القاعدة» أحد عشر شرطيا عراقيا في محافظة الأنبار على مقربة من الحدود السورية. يبدو أن التحقيق الدقيق العراقي/ الأميركي استغرق أكثر من شهر للتأكد من أن الإرهابيين قدموا عبر الحدود، وبتسهيلات مكّنتهم من ارتكاب المجزرة.

باتت ازدواجية التعامل السورية مكشوفة ومملّة. في الوقت الذي انتقت القيادة السورية سفيراً لها إلى بغداد من عشائر منطقة البوكمال الحدودية، للبرهنة على حُسن النية، كانت مخابراتها تسهل تجميع فلول «القاعدة» الهاربة من العراق، في منطقة البوكمال الحدودية. بل كانت قادرة على إعادة تشكيلها وتنظيمها واستخدامها في غارات داخل العراق، وربما ضد جيران آخرين في المستقبل.

الجاهلية في العزلة هي الجاهلية خارج العزلة! بكائيات وليد المعلم، وبراءة الأطفال في عينيه، وتسيير التظاهرات المخابراتية الصاخبة، ووَلوَلة الصحافة الحكومية والحزبية... كلها لا تنفع في دفع التهمة، وكسب الهيبة والمصداقية.

الطرفان يتكاذبان: سورية تمنح نفسها البراءة. «لم» أرسلنا. «لم» علمنا. أميركا تدّعي أنها قتلت رجل «القاعدة». أين اختفت الجثة؟! هل أخفاها السوريون؟ هل دفنوها سراً، واكتفوا بالتشييع التلفزيوني للضحايا المدنيين؟ أم أخذها الأميركيون مع المخطوفين الاثنين؟

من الصعب على الصحافة أن تعثر على الحقيقة في عالم المخابرات المظلم. لو أن القيادة السورية تتعامل مع جيرانها والعالم بشفافية العلَن، لكان لنفيها ولبكائيّاتها مصداقية. العرب الذين شجبوا العدوان فعلوا ذلك من باب «جبر الخواطر»، التزاما بمبدأ «انصر أخاك ظالما أو مظلوما».

عندما قُتل الحريري (2005)، قال الرئيس السوري إن «أخلاقه» تمنعه من الإقدام على مثل هذا العمل. «الأخلاقية» تفرض الالتزام الميداني بشرف الكلمة. لكي تكسب سورية الثقة العربية والدولية بها، عليها أن تكف عن ممارسة الازدواجية مع لبنان وضده. مع العراق وضده. مع «حماس» وضد الإخوان. مع الإرهاب وضد الإرهاب.

كانت مصر والسعودية ضحية هذه الازدواجية المكشوفة. كان الأسد الأب بارعا في جمع النقيضين: حلفه مع العجم وصداقته مع العرب. الوريث لم يكن في براعة المورِّث، مع الاعتذار للمهنئين له بالخروج من العزلة.

عندما عادت «الحليفة» إيران إلى ممارسة الازدواجية في التظاهر بالصداقة وتصدير «بضاعتها» الثورية والمذهبية، معتمدة على حلفها مع سورية، كانت السعودية ومصر حاسمتين في تخيير بشار: إما العرب وإما العجم. «جاهلية» العزلة فضّلت العجم.

النظام العراقي لا يخفي شماتته بما حدث في الغارة الأميركية على نظام بشار. هو أيضا يريد أن يعرف ويحسم: هل سورية بشار مع جاهلية «القاعدة»، أم مع جاهلية إيران؟ إذا كان بشار مع إيران. فالمنطق يفرض أن يكون أيضا مع النظام المشايع لها في العراق. بشار يقول إنه صديق للعراق، فلماذا تعود «القاعدة» إلى الانطلاق من البوكمال؟ لماذا الآن؟ لماذا تعطي قيادة بشار الأربعة لأميركا، لتظهر حامية للعراق من جيرانه، في الوقت الذي تحاول فرض معاهدة الحماية عليه؟!

انحياز سورية لـ«حزب الله» الإيراني في لبنان واضح لا جدل فيه. لكن في ازدواجية التعامل المخابراتي مع العنف، حتى إيران وحزبها اللبناني لا يعرفان تماما أي التنظيمات والخلايا السنية العنفية التي تتعامل معها المخابرات السورية، وأي تنظيمات وخلايا تحاربها ولا تتعامل معها، وتخشى تسللها عبر الحدود؟ هل الدولة اللبنانية وحلفاء بشار وأعداؤه في لبنان يعرفون ما إذا كانت مخابراته تعاملت أم لا تتعامل، مثلا، مع تنظيم «فتح الإسلام» الذي تسبب بمأساة مخيم «نهر البارد»؟

النظام السوري يعتقد أن اعتماد المؤسسة المخابراتية في ازدواجية التعامل مع الجيران، ينسجم مع استراتيجيته في الكفاح من أجل البقاء. من خلال الذراع المخابراتية المخيفة والطويلة، نجح النظام المتحرك على قاعدة طائفية ضيقة، في البقاء نحو خمسين سنة، في ظروف إقليمية متقلبة مناسبة أو مضادة له. لكن الثمن كان غاليا. كان الثمن فقدان المصداقية والثقة به، بل تسببت هذه الازدواجية أحيانا في عزلته وانكماشه.

يمكن سحب ازدواجية التعامل على الداخل السوري. المخابرات تلاحق الإخوان، فيما تغض الطرف عن دروشة مشايخ آخرين للمجتمع بهمة وتخطيط لم يعهدهما من قبل. ازدواجيات طريفة في غرابتها، مشايخ السنة يدروشون المجتمع، ومشايخ إيران يمارسون تشييعه عبر عشرات الحوزات. النظام في ازدواجيته يقف متفرجا. بل هو يدمر مستقبله واستقراره بالسماح بتدمير سلام سورية المدني والاجتماعي، من خلال تأصيل الغرائز والنزعات الطائفية والمذهبية فيه.

تاريخ سورية الحديث وجغرافيتها السياسية فرضتا على السوريين دورا قوميا وضعهم في صميم الصراعات المتعاقبة التي شهدتها المنطقة منذ أواخر العصر العثماني. سورية بحكم معرفتها الدقيقة بالسياسات العربية لا تستطيع العيش في عزلة عنها، أو الدخول في تحالفات وولاءات لا تنسجم مع طبيعة السوريين وولاءاتهم القومية.

سقط نظام صلاح جديد (66/ 1970) عندما اختلف مع العرب، وفرض العزلة على سورية. نجح نظام الأسد في الكفاح من أجل البقاء عندما حوّل سورية من أداة إلى لاعب فاعل في الصراع. توارى نظام بشار في العزلة بعد الانسحاب من لبنان. لا يكفي ادعاء الأخلاقية في الممارسة النظرية. لا بد من تقديم أدلة وبراهين على مصداقية التعامل بشفافية نزيهة وواحدة مع الآخرين في الداخل والخارج.

سورية بحاجة لإطلاق سراح زعماء معارضة غير شعبية وغير خطرة. سورية بحاجة لتحرير صحافتها وقضائها من تحكم السلطة التنفيذية وذراعها المخابراتية. واجب النظام حماية عروبة سنة سورية من حملات الدروشة والتشييع على حد سواء. أثبتت الطبقة الإدارية والاقتصادية والديبلوماسية للمجتمع السني السوري تعاملها بصدق مع النظام. على النظام أن يقابلها وفاء بوفاء، حماية لعروبة سورية ودورها القومي.

منحت تركيا وفرنسا، وليس إيران، نظام بشار فرصة الخروج من العزلة. لكن العودة إلى التعاون مع مصر والسعودية هما الضمان لاستقرار سورية، وللتخفيف من أوجاع ومتاعب مسؤولية العودة إلى ممارسة دور سوري فاعل في المنطقة. ينسى بشار أن هاتين الدولتين العربيتين الكبيرتين عانتا من أخطاء سياسة إدارة أميركية خرقاء أكثر مما عانت سورية.

> > >

التعليــقــــات
خالد الركابي، «فرنسا ميتروبولتان»، 04/11/2008
شكرا للسيد غسان الامام واود ان اضيف، الدكتاتوريات لا تسمع النصح، ولا تعترف بالاخطاء، هي نظم غير شفافة وتعمل في الظلام. القائد الاوحد فوق الشبهات، وفكر القائد يحتل العقل والذاكرة احتلال، والحزب الواحد يختزل كل الاحزاب، والمؤسسة المخابراتية والامنية جل اهتمامها هو الخطر الداخلي وليس الخارجي، تراقب انفاس الجماهير وتعد عليهم نبضات قلوبهم، ومؤسسة اعلامية تمتلك الدعاية والمبررات للحدث قبل وقوعه، وتغيب الوعي الجمعي وتحشر الجماهير بمواكب حسب الطلب. اعتقد ان السياسة السورية تقع ضمن التصنيف اعلاه، وتجربتنا مع حزب البعث العراقي الذي اطيح به اميركيا، هي نسخة مستنسخة من حزب البعث السوري الذي يصارع من اجل البقاء ولو على حساب الوطن والشعب، مثلما فعل صدام حسين عندما ضحى بالعراق شعبا ودولة وتاريخا لا لشيء سوى ان يبقى على كرسي الحكم، لكنه فقد الكرسي ورقبته معا. الاحداث تعيد نفسها في سوريا ومن السهل استقراء مستقبل سوريا اذا بقيت سياستها كما هي عليه الان. سوريا بلد عربي له ثقله في المنطقة وهو رقم صعب في المعادلة الاقليمية ونخاف عليه ان يفقد رصيده هذا بطريقة غير مدروسة فيصبح صفرا على الشمال لا سمح الله.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2017 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام