الثلاثـاء 09 جمـادى الاولـى 1430 هـ 5 مايو 2009 العدد 11116 الصفحة الرئيسية
 
علي إبراهيم
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
«الشعبوية» من السياسة إلى الفقه

راج كثيرا في إطار الحرب الأفكار التي تشهدها خصوصا منطقة الشرق الأوسط تعبير «الشعبوية» الذي يُستخدم كمرادف للديماغوجية ودغدغة عواطف الناس حتى لو كان ذلك على حساب الحقيقة.

وقد يكون أصل الكلمة غير المقصود بها الآن من الناحية اللغوية, الحقيقة, لكن أصبح شائعا أن يتبادل الناس الاتهامات أو التوصيفات في معاركهم السياسية بأن هذا الخطاب أو التوجه شعبوي، وذلك في مجال الانتقاد السياسي بين مختلف التيارات الفكرية والسياسية.

والمفترض أن تكون الحاجة إلى «الشعبوية» قاصرة على السياسيين, أو من لهم علاقة بالعمل السياسي العام على اعتبار أن جزءا كبيرا من عملهم يعتمد على قبول وتأييد الناس والمجتمعات لما ينفذونه أو يعلنونه من السياسات, وللحفاظ على نسبة جماهيرية معينة تعطيهم مصداقية وشرعية, ولكن مثل أي فيروس إذا ساد وتوطن فإنه قابل للانتشار إلى مجالات أخرى يُفترض أن تكون بعيدة عن ذلك, فليس معقولا أن يكون العلم والعلماء شعبويين أيضا, باعتبار أن العلم يعتمد على الحقائق والتنزيه للوصول إلى نتائج حقيقية وأن لا نكون كمن يحرث في الماء ويخدع الجمهور بنتائج زائفة.

ومثل العلم الفقه في الدين المفترض أيضا أن يكون بعيدا عن الشعبوية باعتبار أن علماء الفقه والشيوخ ليسوا نجوم كرة قدم, أو سياسيين يعطون الأولوية لدرجة شعبيتهم على حساب رأيهم الحقيقي في القضايا التي تهم الناس.

ويبدو أن هناك مسافة بين الواقع والمفترض, فالدكتور يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين قال قبل فترة قصيرة إنه يكتم فتاوى حول قضايا معاصرة تجنبا لتشويش الجماهير عليها, وإن هناك علماء فقه إسلامي متحررين يكتمون آراءهم في صدورهم خوفا من هياج العامة أو سخط الخاصة وخوفا من أن تتعرض سمعتهم للتشويش من الجامدين. هذا الكلام يعكس إلى أي مدى وصلت ظاهرة الشعبوية وتغلغلت حتى وصلت إلى علماء الدين أيضا.

وإذا كان كلامه صادما, فإنه ليس مفاجئا, فمن يتابع المنافسة الضارية في الفتاوى على الفضائيات والمواقع الإلكترونية وصفحات الصحف منذ فترة سيجد أن هناك معركة نجومية دائرة منذ فترة على كسب أكبر عدد من الجمهور وترسيخ النفوذ, أكثر من أي شيء آخر.

قد يكون ذلك ظاهرة مصاحبة لظاهرة أكبر منها وهي الطفرة الإعلامية وفي وسائل الاتصال والتواصل, لكن المؤكد أن هناك سببا آخر أكثر جذرية هو خلط ما هو علمي أو ديني بالسياسة التي هي في أصلها تعتمد إلى حد كبير على البراغماتية والعملية والتكيف حسب الظروف, في حين أن الأصح والأسلم الفصل بين الدور الذي يمارسه السياسي ودور رجل الدين أو العالم بحيث لا يحاول أحد أن يلعب دور الآخر.

فالمجتمعات لا تتقدم فكريا وعمليا بـ«الشعبوية» ودغدغة المشاعر, ولكن بالشجاعة الفكرية والعلمية, والقدرة على التجديد, فكل الأفكار الجديدة في السياسة والاقتصاد والاجتماع والاختراعات والابتكارات جاءت من عقول شجاعة وليست خائفة.

> > >

التعليــقــــات
حسن جلوي المغرب، «المملكة المغربية»، 05/05/2009
ما طرحته من افكار هو عين الصواب وعين العقل ويا ليت مثلك من العلماء في مجال التكنولوجيا ممن يحبون امتهم ويريدون لها الخروج من التخلف عملوا على المدى القصير لايجاد وسائل يعطلون ويحجبون بها هذا المسخ الدي يسمى فضائيات دينية والتي ما انفكت تتناسل كالفطر والطحلب تؤدلج المواطنين حتى يعيشوا على الماضي وينفصلوا عن الواقع وركب الحضارة. بارك الله فيك.
محمد جاسم العبودي، «فرنسا»، 05/05/2009
ولكن هل شعوبنا العربية والاسلامية قادرة على الحركة والتفكير خارج ما ورثوه عبر الزمن حتى يتفاعلوا بايجابية مع الأراء الصادمة.
بسام ظبيان/الأردن، «الاردن»، 07/05/2009
أشكرك يا أستاذ علي إبراهيم على موضوعك المتزن والصادق بتعابيره وكلماته والنابعة من القلب، خصوصاً حين استشهادك بقول أستاذنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي الذي أوضح أنه يخبيء بعض الفتاوي التي لا يمكن نقلها إلى الشارع حتى لا تحدث فتنة . وهذا ما يحدث عندما يخرج بعض شيوخنا وعلمائنا محدودي التفكير لتكفير هذا وتحقير هذا ، وليس هذا من الأسلوب العلمي والأخلاقي. فالقرآن هو رمزنا ورمز الوحدة إضافة إلى السنة التي أجمعت عليها الأمة بالكتب الصحاح. كما لا يجوز إصدار أي فتوى تمس الشعوب العربية والإسلامية من أي من العلماء الفرديين وإنما من خلال مرجعية عامة للفتوى، فالأمة الإسلامية أمة واحدة لقوله تعالى في سورة آل عمران آية 110 كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر . ولو أجمع العلماء على إعتماد هذه الآية لتكون نبراسا لهم في تعاملهم مع الآخر لما حصلت الفرقة بين صفوف المسلمين، ولاكتسبوا إحترام الآخرين مهما كانت ديانتهم وعقيدتهم ومذاهبهم. فمعركتنا مع إسرائيل معركة أزلية حددها تعالى في القرآن الكريم في سورة الإسراء، وهنا لا داعي لتعداد الفتاوي وإنما الإستعداد بكل ما أوتينا من قوة ورباط خيل!

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال