الاثنيـن 29 جمـادى الاولـى 1430 هـ 25 مايو 2009 العدد 11136 الصفحة الرئيسية
 
مأمون فندي
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
مع مجدي يعقوب

«رغم كل هذه السمعة العالمية، فإن مصر لم تكرمه بمنحه جائزة الدولة التقديرية»، همس في أذني أحد الأصدقاء الذين كانوا في العشاء، فأدرت وجهي إلى الدكتور مجدي يعقوب، الذي كنت أجلس إلى جواره، قائلا «هل صحيح أن مصر لم تمنحك أي جائزة؟»، بهدوء الإنجليز فكر قليلا ثم قال «أنا مش فاكر لأنني أخذت جوائز كثيرة»، ثم أضاف: «كثرة التكريم أحيانا تبدو وكأنها نوع من عدم التكريم». لم تعد الجوائز العلمية التي تشيد بإنجازات الرجل ذات أهمية بالنسبة له، على العكس من الكثيرين ممن تبهرهم إنجازاتهم الصغيرة ويملأون بها الدنيا صياحا وغبارا. مجدي يعقوب بخلاف الكثيرين ممن يعلقون كل شهادة على جدران منازلهم ومكاتبهم، هو يهتم بالعمل فقط، لأنه لم يعد يحتاج إلى جائزة كي نعرف من هو.

أكتب عن مجدي يعقوب، عن «السير بروفسور» كما كانت تناديه أميرة ويلز الراحلة الأميرة ديانا، رغم أنني لا أحبذ الكتابة عن الأشخاص إلا إذا كانت هناك دروس مستفادة من تناول الشخصية. وأعتقد من خلال حديثي مع الدكتور مجدي في سهرتين متتاليتين أنه من هؤلاء البشر الذين يقدمون من خلال تاريخهم الشخصي تجربة إنسانية وعلمية متميزة جديرة بالتوقف عندها. تحدثنا عن التعليم والمعرفة الطبية أو ممارسة الطب في العالم العربي، وعن مشروعه الواعد لمساعدة المرضى في المناطق الفقيرة والمعروف بـ «سلسلة الأمل»، حيث يذهب الدكتور يعقوب إلى إثيوبيا وموزمبيق وأسوان في جنوب مصر، وكذلك إلى المناطق الفقيرة في آسيا وأميركا اللاتينية ليعالج الفقراء مجانا وليدرب الأطباء المحليين. كان من السهل جدا على عالم كبير بحجمه أن يستمتع بكونه جراحا مشهورا يحصد الأموال من عملياته الناجحة بدلا من أن يقضي وقته مع الفقراء من دون مقابل. مجدي يعقوب يقدم لنا نموذجا مصريا أقرب إلى نموذج القديسة تيريزا التي قضت حياتها بين فقراء الهند.

ما فاجأني في حضور الدكتور مجدي يعقوب، ليس كونه جراح القلب العالمي الشهير، وهذا ما يعرفه الجميع، ولكن فاجأتني روحه العالية التي صقلتها ثقافة راقية اكتسبها الرجل من قراءاته واطلاعاته على مختلف أنواع الأدب والفلسفة والفن. يتحدث عن الكثير من الأمور بمعرفة واثقة، من الفلسفة، إلى الفن، إلى أعمال الخير، كل ذلك وطيبة خاصة ترتسم على ملامحه، وكأنه طفل بريء يسكن جسد عالم ضربت شهرته في كل بقاع الأرض.

عندما سألت الدكتور مجدي عن مهنة الطب في عالمنا العربي، لم يجب بطريقة مباشرة، وإنما حكى لي قصة ابنته صوفي. صوفي هي واحدة من ثلاثة أبناء لمجدي يعقوب، والوحيدة بينهم التي قررت أن تدرس الطب اقتداء بوالدها كما اقتدى مجدي بوالده.

ذهبت صوفي للمقابلة التي حددت لها قبل دخول كلية الطب. سألتها البروفسورة «أنت فرصته الأخيرة إذن»، في إشارة إلى أن شقيقيْ صوفي لم يختارا كلية الطب ولم يبق سواها في الأسرة لتختار مشوار أبيها الدكتور مجدي في الطب. لامس تعليق البروفسورة، الذي ينطوي على تحد كبير، مشاعر الفتاة، فاضطربت وبكت أثناء المقابلة. ولما عادت إلى البيت وحكت لوالدها، قال لها: «إذا كنت تضطربين وتبكين في مواجهة أول تحد، فإن مهنة الطب ليست لك، لأنها أكثر المهن المليئة بالتحديات». وفي الصباح التالي، فوجئ مجدي يعقوب بأن ابنته قبلت التحدي وقررت الاستمرار في دخول كلية الطب. ولما ذهبت الفتاة إلى الجامعة قابلت البروفسورة ذاتها التي أبكتها من قبل. فقالت لها اذهبي إلى المستشفى للتعرف على المرضى الذين ستقضين كل حياتك بينهم. قالت الفتاة: وماذا أقول لهم وأنا مجرد طالبة تدرس الطب؟ قالت «قولي لهم أنا اسمي صوفي يعقوب. وأنا هنا من أجل مساعدتكم». قالت صوفي «وكيف لي أن أساعدهم وأنا لست بطبيبة بعد؟»، فردت البروفسورة «لا تقلقي، هم سيطلبون منك ما يريدونه، فقد تحضرين لهم الصحف أو تقدمين لهم كوب ماء، افعلي ما تستطيعينه الآن وغدا ستقدمين الخدمة الطبية. المهم هو أن تدركي أن رسالتك هي خدمة هؤلاء، وأنك ستعيشين بينهم معظم عمرك إن اخترت هذه المهنة. إذا وجدت هذا مناسبا فيمكنك أن تصبحي طبيبة، أما إذا لم يناسبك فستتركين مهنة الطب لغيرك». ويبدو أن الموضوع قد ناسب صوفي لأنها طبيبة ناجحة الآن.

ما أراد مجدي يعقوب قوله من هذه القصة، هو أن دخول كلية الطب يجب أن يكون مدفوعا منذ البداية بدافع إنساني محض، إذ يجب أن يكون لدى من سيدخل هذه المهنة رغبة حقيقية وصادقة لخدمة المرضى والتخفيف من آلامهم، وأن يعي أيضا أن هؤلاء المرضى سوف يكونون هم عالمه الذي سيأخذ جل وقته. هناك من الناس من يقبلون هذه الرسالة وهذا التكليف بل ويستمتعون بهما، وهناك آخرون لم يخلقوا لهذه المهمة رغم قدراتهم الذكائية والعلمية. في عالمنا العربي، للأسف، دخول كلية الطب هو أقرب إلى حالة التنافس الاجتماعي بين الأسر للتباهي بأن أبناءهم متفوقون وأذكياء. ينجح بعضهم في كليات الطب بدرجات عالية ولكنهم لا يكونون معدين للحياة بين المرضى وخدمتهم. وفي أحيان كثيرة يكون الطب في بلداننا نوعا من الوجاهة الاجتماعية التي لا تكتمل إلا بالألقاب، وأحيانا أخرى يصبح الطب مصدرا لكسب الأموال لا لخدمة المحتاج بل لابتزازه واستغلال ضعفه. هذا هو النقد المبطن الذي قدمه مجدي يعقوب من خلال قصة ابنته صوفي، لتدريس وممارسة الطب عندنا.

الدكتور مجدي مشغول الآن بمشروعه الخاص لبناء أكبر معهد للقلب في صعيد مصر بمدينة أسوان. ويذهب بشكل دوري إلى تلك المناطق النائية في صعيد مصر، التي يتردد طبيب صغير من خريجي جامعات مصر في الذهاب إليها. يذهب يعقوب مع فريق من الأساتذة الأجانب لمعاينة المشروع على الأرض والإلمام بمتطلباته ومستلزماته. والغريب أن بعض الصحف المصرية بدلا من شكره، قامت بشن حملة عليه، على طريقة الحملات الصحافية العربية، طارحة أسئلة من نوع: من يمول هذا المشروع، ومن أين يأتي يعقوب بالأموال؟ ومن وراءه وماذا يريد؟ ولماذا لا يعين أطباء مصريين ضمن فريقه؟ إلى آخر أسئلة نظرية المؤامرة المعروفة التي تسيطر على بعض العقليات عندنا.

سؤال وجيه، لماذا لا تعين يا دكتور مجدي أطباء مصريين ضمن فريقك؟ أجابني: «لدينا معايير واضحة للانضمام للفريق. وقد أعلنت عن شروط الانضمام في المجلات العلمية الكبرى في الغرب، كما أعلنت في صحيفة (الأهرام) عن المؤهلات المطلوبة فيمن يريد التقدم إلى العمل معنا. سأقبل أي طبيب تتوافر فيه هذه الشروط والمؤهلات». مجدي يعقوب يعمل ويدرس في مشاف وأكاديميات لا تجامل في المعايير العلمية، لكن بعض المصريين ممن لم تتوفر فيهم الشروط وعاشوا حياتهم كلها في عالم الواسطة، لم يجدوا سوى الصحافة مخرجا للتعويض عن مؤهلات غائبة وراحوا يلعنون مشروع يعقوب على أنه مشروع إمبريالي قادم من الغرب.

التقيت الدكتور مجدي يعقوب في مناسبتين، إحداهما كانت عشاء جمع خيرة علماء مصر في الخارج، البعض منهم شكا من معاملة مصر لهم، والبعض عبر عن حنين ورومانسية لمكان لا يذكر منه سوى أيام الطفولة أو أول عهد الشباب، وقبل أن ينتهي العشاء، سأل أحدهم سؤالا لا إجابة له: ترى لماذا نحنّ لبلدان لم تعرف كيف تحتضننا؟ نظرنا إلى بعضنا، تغيرت الوجوه وغيرنا الموضوع. وبقي وجه مجدي يعقوب مبتسما ببراءة الأطفال وتواضع العلماء، وبقي السؤال معلقا في الهواء.

> > >

التعليــقــــات
احمد حسني، «مصر»، 25/05/2009
فندي افضل كاتب في الوطن العربي.
محمد منصورعلي، «مصر»، 25/05/2009
الى الامام يا فندي رغم حقد الماجورين انت كاتبي المفضل، رجل تعلم وابدع لماذا هذا الحقد عليه اين الضمير قل يا فندي حسبي الله ونعم الوكيل وسوف ترى وفي النهاية اقول للحاقدين على فندي اذا دعتك قدرتك على ظلم الناس فتذكر قدرة الله عليك.
ابو ليان، «مصر»، 25/05/2009
تحنّ لأن أغلى الناس لكم احتضنوكم ..الام والاب!!
صلاح صابر، «مصر»، 25/05/2009
اتمنى ان يقرأ كل اطباء مصر ما وراء قصة صوفي كريمة الدكتور مجدي يعقوب حتى يعيدوا للمهنة اساسها الانساني الذي افتقدوه في ممارساتهم .. كظاهرة وليس كحالة فردية اضحت ممارسة الطب في مصر ممارسة للبيزنس .. واقول قولي هذا عن تجارب شخصة متتابعة وأيدني فيها الكثيرون- بمن فيهم اطباء -عندما كتبت مقالا بهذا المعنى في صحيفة البديل المصرية .. فليعذرني الاطباء في مصر لتعميمي وليعيدوا الاحترام للمهنة وليكفوا عن التعامل مع المريض على انه زبون يجربون فيه كل ما يمكن ان يجنوا به المال بدلا من معاملته كحالة انسانية. صحيح أن الاطباء لا يدانوا وحدهم وصحيح أن الطبقة الوسطى في مصر لديها مشاكل حياتية والبعض يعالج تدني موقعه في السلم الاجتماعي عبر السعي وراء جني المال لتعديل مواقعهم الاجتماعية ؛ وصحيح أيضا أن عددا من الصحفيين يحكم عملهم الاعلانات والتمويل أكثر من المهنية ؛ ولكن الخطر الاكبر على الناس هو تحول مهنة الطب إلى بيزنس.
طه موسى، «مصر»، 25/05/2009
اللهم , اشرح صدره بالإسلام واجعل معنى يعقوب حسن العاقبة ومعنى مجدى الخلود في الجنان. حفظكم الله.
محمد الجبوري(الامارات)، «الامارت العربية المتحدة»، 25/05/2009
السيد مأمون اسعد الله صباحك على هذا المقال, الانسان والبرفسور والطبيب مجدي يعقوب راية عالية في امة لا تقيم ابنائها, افضل جائزة نقدمها له ندعو له الله العزيز ان يوفقه في جميع مساعيه الانسانية ويبقى كوكباً براقاً في هذه السماء المظلمة.
محمد علي، «الكويت»، 25/05/2009
مقال رائع، مجدي يعقوب عالم متميز لا يهمة الحصول على الشهادات لان اسمه يحمل العديد من الشهادات , وتذهب الحكومات ويبقي أسم مجدي يعقوب مثلا يهتدي به في الطب .
تحية للكاتب وللجريدة.
محمد فتحي، «الكويت»، 25/05/2009
انظر إلى الصحف المصرية وخاصة الصحف الخاصة الاسبوعية لا تجد فيها كلمة تقرأ وانما تجد نفسك في فرقة موسيقية في فرح شعبي كل صاحب جريدة يشوبش ويمدح من يدفعون له العون المادي في الاعلانات في جريدته ويهاجم من لا يعلن في الجريدة.
روان محمود، «الكويت»، 25/05/2009
الاعلام المصري رؤي بكل صورة ولا يساوي الورق الذي يكتب عليه من جهة الصحافة والوقت الذي يضيعه المشاهد في الاذاعة والتليفزيون .
وتحية حب وإعجاب للكاتب المستنير.
وليد محمد، «الكويت»، 25/05/2009
في مصر تريد أن تظهر فعليك بالمهاجمة ولا تهاجم أي أحد وانما هاجم الرموز.
شكرا للكاتب على المعلومات القيمة.
شريف عبد الموجود، «الكويت»، 25/05/2009
الاعلام في مصر وخاصة المكتوب أصبح كل همه إظهار صاحب الجريدة ورئيس تحريرها وكل جريدة تقدم الخبر وتقول إنفراد صحفي .
هاني موسي، «الكويت»، 25/05/2009
المفاهيم مقلوبة في مصر لان الصحيح هو الخطأ والخطأ هو الصحيح أي حالة من الأدمغة المقلوبة الكل يترك الجانب الإيجابي في الشيء ويذهب إلى الجانب السلبي ,لأن من طبيعة البشر انه لا يستطيع أن يأتي بشيء مكتمل إذا لابد من وجود أخطاء فنحن لسنا بملائكة .
ولكن على العلماء المصريين عدم النظر إلى الحاقدين والمغردين في الإعلام المصري , لأنه الإعلام المصري معروف واقصد هنا وسائل الإعلام الخاصة الموجهة لخدمة مجموعة ما أو تتحدث بلسان دول أخرى تحارب كل نجاح في مصر وتحاول التشكيك في كل من يحاول أن يخدم مصر وهناك أمثلة كثيرة .
دكتور فندي أنا من اشد المعجبين بطرحك الراقي الذي يصعب على الكثير من الإعلاميين المصريين فهمه فأنت دائما تأتي بكل ما هو جيد ويصعب على العوام فهمه.
ماجد الخالدي، «المملكة العربية السعودية»، 25/05/2009
الحقيقة كلمات مجدي يعقوب حول شكليات التكريم هي ما يدور بعقل كل إنسان جدي وموضوعي وذو تركيز على الهدف نعم أنا أسأل مع الدكتور مجدي يعقوب مكررا كلماته القوية: كثرة التكريم أحيانا تبدو وكأنها نوع من عدم التكريم أليس كذلك!؟، .. وأقول أن المهم ليس التكريم الشكلي بحد ذاته وإنما المهم هو كيف تحتضن أوطاننا قوة أبنائها!.
د. جاسم صكر العبدلي، «المملكة المتحدة»، 25/05/2009
أحترم كتاباتك يا أستاذ فندي
فقط ملاحظة تبدو بسيطة لكنها ذات شأن في اختصاص علم جراحة القلب كوني درست وأعيش في المملكة المتحدة. كلنا نقيم خبرة الدكتور مجدي يعقوب إلا أن اختصاصه هو في جراحة قلب الأطفال ولم يصل حتى تقاعده الى مرحلة جراحة قلب الكبار وهو أمر أرجو أن تعرفه رغم تقديري لظروف تعاطفك مع طبيب من أصل مصري.
سهيل اليماني-صنعا، «اليمن»، 25/05/2009
أتابع المجهود الانساني الذي يقدمه الدكتور مجدي يعقوب لكثير من الفقراء واقف احتراما له واتمنى ان يكون قدوه للأخرين.
شادى الغرباوى، «مصر»، 25/05/2009
أستاذ مأمون فندى تحياتى لك ولكل المصريين العظماء الذين أثبتوا أنفسهم فى مجتمعات الغرب على الرغم من الصعاب والتحديات التى تعرضوا لها هناك. أما الدكتور مجدى يعقوب فقد منحته ملكه بريطانيا لقب سير وهو من الأطباء الذين يأتوا إلى مصر لعمل عمليات لفقراء مصر فى القصر العينى مجاناً هو وفريق طبى يتكلف هو بكل تكاليفه فتحيه له ولكل أبناء مصر النوابغ أما ما يدور فى الصحف من مهاترات ففى النهاية لايصح إلا الصحيح والشجرة المثمره دائماً تقذف بالحجارة والقافلة تسير...
جاد سليمان ) لندن(، «المملكة المتحدة»، 25/05/2009
الطبيب المصري العالمي مجدي يعقوب يستحق بجداره ترشيحه لجائزة نوبل العالميه
د.رافت وجدى «المملكة المتحدة»، «المملكة المتحدة»، 25/05/2009
اجرى بروفيسور يعقوب اكثر عمليات نقل القلب والرئتين لآشخاص كبار بالغين
بهجت ملك، «الولايات المتحدة الامريكية»، 01/06/2009
عزيزي الدكتور مأمون فندي: أشكرك من أجل مقالك الرائع عن مقابلتك وحديثك مع مجدي يعقوب. أنا أقرأ مقالاتك بانتظام وأُقدر مهارتك وأمانتك في الكتابة حقّ التقدير.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال