التغير المناخي.. والتغير السلوكي

TT

ظاهرة التغيرات المناخية من أكبر التحديات البيئية التي تواجه العالم اليوم، ولن ينقطع الحديث عنها وعن تداعياتها الحالية والمستقبلية، التي تشكل مخاطر حقيقية، بل كارثية متزايدة تتطلب إرادة سياسية من الحكومات وتحث الأفراد على الإسراع بإحداث تغييرات سلوكية لمواجهتها.

ففي 17 مايو (أيار) الجاري تم في مملكة البحرين إطلاق «التقرير العالمي للأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث» بعنوان «التقييم العالمي بشأن الحد من مخاطر الكوارث لعام 2009: المخاطر والفقر في مناخ متغير» 2009 Global assessment report on disaster risk reduction: risk and poverty in a changing climate، وفي تصديره للتقرير، قال الأمين العام للأمم المتحدة «بان كي ـ مون»، إن الاستثمار والحد من أخطار الكوارث هو بمثابة وسيلة فعالة من حيث التكلفة لحماية التنمية والحد من الفقر والتكيف مع تغير المناخ. ويركز التقرير على الارتباط الوثيق بين مخاطر الكوارث والفقر في إطار التغيرات المناخية العالمية، ويرى أن تغير المناخ يعد حاليا المحرك العالمي الرئيسي لمخاطر الكوارث، فتغير المناخ سيساهم في زيادة غير متكافئة في الرقعة الاجتماعية والجغرافية للمخاطر، مما يزيد من المخاطر التي يواجهها الفقراء ويوسع فجوة الفقر بصورة أكبر، ويطالب التقرير بضرورة التغيير في التعامل مع الحد من مخاطر الكوارث، ويوجه رسالة أساسية هي أن التصدي للمحركات الأساسية لمخاطر الكوارث تجعل من الممكن الحد من الفقر والتكيف مع تغير المناخ.

ورغم الجهود المبذولة عالميا والأساليب التكنولوجية المستخدمة حاليا والمقترحة مستقبليا للتعامل مع التغيرات المناخية عن طريق الحد من انبعاثات الغازات الدفيئة Greenhouse Gases (مثل بخار الماء وثاني أكسيد الكربون وأكسيد النيتروز والميثان والأوزون والكلوروفلوروكربونات)، والحد من استهلاك الطاقة، لتجنب الزيادات الكارثية المحتملة والأخطار المتعلقة بالطقس والمناخ في المستقبل، رغم كل ذلك، فإن هناك جانبا مهما لا يقل أهمية وضروري أيضا لمواجهة ظاهرة التغير المناخي وهو الجانب السلوكي للأفراد، فهناك ضرورة لتغيير عاداتنا وسلوكياتنا البيئية الخاطئة وأنماط حياتنا الاستهلاكية المعاصرة، وبخاصة أن «لجنة الأمم المتحدة لتغير المناخ» قد أشارت في أحد تقاريرها إلى أن التصرفات والأنشطة البشرية مسؤولة أيضا عن تدهور المناخ.

ظاهرة التغير المناخي أصبحت تدخل وتدرس الآن ـ وبخاصة في الدول المتقدمة ـ ضمن مقررات علم مهم هو «علم النفس البيئي» Environmental Psychology الذي يهتم بدراسة العلاقة الوثيقة والمتبادلة بين البيئة والسلوك، الذي يعد من الميادين الجديدة التي فرضتها التطورات التكنولوجية والمشكلات البيئية والسكانية المعاصرة، مثل الضوضاء والتلوث والحرارة والمناخ والازدحام السكاني، التي تؤثر في الصحة النفسية للفرد، وتؤدي للعديد من الاضطرابات النفسية والسلوكية، وهناك دوريات علمية متخصصة في مجال علم النفس البيئي، وملاحق أسبوعية وصفحات متخصصة في شؤون البيئة في الصحافة الأجنبية، كما عقدت مؤتمرات تناولت التغير المناخي وعلم النفس، كل هذا يؤكد على أهمية دراسة وفهم العلاقة الوثيقة بين البيئة والسلوك البشري، للتعرف على مستوى وعي الأفراد واتجاهاتهم نحو ظاهرة التغير المناخي، للمساعدة في إعداد خطط وبرامج علمية من شأنها إحداث تغيير في سلوكيات واتجاهات الأفراد وبالتالي المساهمة الجادة مع برامج الحكومات في مواجهة ظاهرة التغير المناخي.

خلاصة القول، لقد أصبح هناك ضرورة ملحة الآن للتركيز على دراسة سلوكيات الأفراد لفهم ما الذي يحرك ويدفع الناس أفرادا وجماعات لتغيير سلوكياتهم واتجاهاتهم، ليس فقط لمواجهة ظاهرة التغير المناخي والاحتباس الحراري، ولكن أيضا لتجنب العديد من الكوارث والمخاطر قبل وقوعها. قال الله تعالى في سورة الرعد آية (11): «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم».

*كاتبة وباحثة مصرية

في الشؤون العلمية