الخميـس 01 رجـب 1430 هـ 25 يونيو 2009 العدد 11167 الصفحة الرئيسية







 
خالد القشطيني
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
لماذا الوداع؟

كثيرا ما يسألني الناس «لِمَ ودعت العراق وخرجت منه وأنت ذلك البغدادي الكرخي القشطيني الأصيل الذي تمتد جذوره إلى سوق الجديد والشيخ معروف؟». الواقع أن هذا هو السؤال الذي لا ينفك الناس، والصحافيون منهم خاصة، يستفسرون عنه من كل مغترب عراقي، أو عربي. لماذا تركت بلادك؟ حتى أنا لا أنفك أوجِّه هذا السؤال إلى زملائي وأصحابي في الغرب. وهو سؤال مهم جدا إذا شئنا أن نوقف هذا النزيف للأمخاخ العربية، ما يسمى بهجرة الأدمغة.

كنت قبل أيام قليلة بين أحضان حبيبتي، حبيبة العمر، باريس. هناك التقيت بصديقي الخطاط العراقي المبدع عبد الغني العاني، فيلسوف الخط العربي. ما أن استعرضنا آخر أعماله التي يزمع الآن تجميعها في سويسرا، في مؤسسته الخاصة، مركز العاني للخط العربي، حتى بادرته بنفس السؤال: لماذا لم تعد إلى العراق بعد الانتهاء من دراستك؟

ابتسم وقال «كنت على وشك الرحيل إلى بغداد. جمعت حاجياتي، واتخذت ترتيباتي للسفر، ثم قرر مدير المركز الثقافي العراقي في باريس، السيد وليد عباس، تنظيم معرض خاص لأعمالي في قاعة المركز، كوداع لي، ولتعريف الفرنسيين بفني. تم ذلك في عام 1976، ونظم المعرض، ووجهت الدعوات للصحافيين والإعلاميين والمستشرقين وسواهم من المهتمين بتراث الإسلام والحضارة العربية. تفضل سيادة السفير بافتتاح المعرض، ومن ورائه دخل ممثلو الحكومة وحزب البعث. من المعتاد للخطاطين العرب والمسلمين أن يظهروا مهاراتهم الفنية بخط روائع آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، ونحو ذلك من حِكَم الأدب العربي وبدائع الشعر».

هذا ما رأيته في ستوديو العاني، وهذا ما أقدم على عرضه فخورا به في ذلك المعرض، ولكن ما أن دخل ممثلو الحزب في القاعة، حتى نظروا مندهشين، ساخطين. دمدم رئيسهم مسؤول الحزب «ما هذا؟ ماكو لوحات لشعارات الحزب؟! ماكو لوحات للسيد الرئيس حفظه الله؟ بس آيات وآيات من القرآن!». خرجوا زعلانين، غاضبين. عادوا إلى أماكنهم ليتناقشوا في هذا الخطب الجلل. فنان خطاط لا يلتفت إلى مسؤولية الوطن. يكتب لوحات مثل ما يعجبه!

وعاد صاحبي عبد الغني العاني إلى غرفته ليقضي ليلة من أزعج ما قضى في حياته من ليال. لا شك ـ قال لنفسه ـ أنهم سيبعثون بتقرير سري في الموضوع إلى الوزارة في بغداد، ولا شك أن المسؤولين في الوزارة سيسألونه كيف أغفل خط شعارات البعث، يعني على الأقل، أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة! ظل صديقي يتقلب في فراشه ويقلب أفكاره. وعندما حل الصباح كان قد اتخذ قراره. لن أعود إلى العراق وأواجه هذه المحنة. بقي في باريس يعلم النصارى كتابة آيات الذكر الحكيم.

www.kishtainiat.blogspot.com

> > >

التعليــقــــات
fadi radi، «السويد»، 25/06/2009
حقاً إنه ليس نبي مقبولا في وطنه
لكن هناك مَن يقبل مَن لايُقبل في وطنه، وهؤلاء الذين يقبلون من لاوطن له، يقبلون ابناء وطنهم. عجبي!
يزيد سعد، «المملكة العربية السعودية»، 25/06/2009
أستاذ خالد، عندما تتحوّل فردوس الوطن إلى لظى فلم يعد للبقاء أيَّ احتمال، تحية للعقول أينما كانت وشكراً.
محمد أحمد محمد، «مصر»، 25/06/2009
يا أخى خالد انت و امثالك من العراقيين المغتربين في الخارج لم تتركوا العراق بارادتكم و انما اجبرتم عليها فصاحبك عبدالغنى العانى و غيره من العراقيين الذين تركوا العراق في فترة حكم حزب البعث تركوا العراق خوفا من بطش البعثيين اما العراقيين الذين يتركوا العراق حاليا يتركوا العراق بسبب الوضع الأمنى الغير مستقر و لتحسين مستوى معيشتهم.
أحمد عبد الباري، «المملكة العربية السعودية»، 25/06/2009
ليس معه حق ولا حق أيضا مع الأدمغة العربية الأخرى المهاجرة في بلاد الغرب من أطباء وكتاب وشعراء ومهندسين. كلهم خرجوا زعلانين من مضايقات بسيطة وعدم اعتراف بهم وبمواهبهم ومواقفهم السياسية وتركوا البلاد خلفهم ل(ستونة وفطومة) مما شجع الحكومات العبثية على إلحاق الظلم بالبسطاء سجنا وتقتيلا. من المؤسف أن القوى القادرة على التغيير في بلادها هي التي هاجرت ولاذت بظلال قصيرة لا تستطيع حجب حقائق بلادهم الموجعة عنهم. أن يقتل المثقف القادر على التغيير غيلة في شارع بلاده خير له ألف مرة من الهروب من الواقع والإنزواء في قيعان النسيان.
بابكر جوب - السنغال، «فرنسا ميتروبولتان»، 25/06/2009
في الإطار العام للصلة الإشكالية التي تربط الفن والفنان بالنظام السياسي، أود أن أضيف أن الرضوخ للأنظمة السياسية سبب للضعف والتضاؤل. فوضع الفن رهن إشارة الإديولوجيات الزائلة بزوال الظروف التاريخية والاجتماعية التي ولدتها رهان على مستقبل يستحيل كسبه. والفنان عبد الغني، صاحب الكاتب، سار في الاتجاه الصحيح؛ ولو تصرف على نحو مغاير لتعرض فنه لخطر الزوال. فالفن المتسم بالنضج والرسوخ قائم على ما هو مستديم. وبما أن الإديولوجيات سرعان ما تزول بزوال الظرف السياسي الآني الذي أفرزها، فكل فن عاجز عن فك الارتباط بها سيزول. والفن أوسع من أن يستوعبه وطن أو قارة.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2017 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام