العلاقات الخليجية الإيرانية: صراع التهديدات والتطمينات

TT

لم تسفر نتائج الانتخابات الرئاسية الإيرانية التي توجت بإعادة انتخاب أحمدي نجاد لفترة رئاسية ثانية عن أية مفاجآت لمراقبي الموقف في دول الخليج العربي. فنحن هنا في منطقة الخليج بالخصوص، والعالم العربي بشكل عام، لا يهمنا من يحكم إيران، ولا يهمنا كيف تدار شؤون الدولة الداخلية، فهذا شأن داخلي إيراني يرسم العلاقة بين الحاكم والمحكوم لا يعنينا كثيرا. ما يعنينا وبشكل جذري وأساسي هو كيف تدار علاقة إيران الخارجية مع جاراتها وكيف تتصرف إيران في محيطها الإقليمي. ضمن هذا المفهوم المحدد والواضح المعالم جاءت أخبار إعادة انتخاب أحمدي نجاد لفترة رئاسية ثانية كتطور سلبي وكخبر لا يدعو إلى الاطمئنان على جميع مستويات الأبعاد السياسية الإقليمية خليجيا وعربيا وربما دوليا. فلا يوجد سر أو لغز نحتاج لانتظار تجليته في سياسة الرئيس نجاد الإقليمية، خاصة في ظل تجربة السنوات الأربع الماضية التي عانت دول المنطقة خلالها من سلوك إيران غير الودي والمواقف الباعثة على الشك وانعدام الثقة تحت رئاسة الرئيس أحمدي نجاد.

وكان الخلاف الداخلي الذي تطور على أثر ظهور نتائج الانتخابات الرئاسية واتهامات التزوير والتلاعب بنتائجها النهائية لصالح ضمان عودة نجاد إلى سدة الرئاسة لأربع سنوات قادمة دلت على حقيقة أساسية مفادها: أن قيادة الدولة العليا الدينية والدنيوية المتمثلة في شخص الولي الفقيه والمرشد الأعلى للثورة الإيرانية ترغب باستمرار قيادة نجاد للدولة بأي ثمن وتحت أي ظرف من الظروف، وهنا تكمن خطورة الأمر. فالمرشد الأعلى يمثل قمة هرم السلطة الدينية والسياسية التي لا يمكن تحديها أو مخالفتها، وهذه السلطة المطلقة سياسيا وشرعيا تؤمن أن استمرار قيادة أحمدي نجاد كرئيس للدولة هو أمر صائب، بل ضروري لخدمة مصالح إيران الدولة ومصالح إيران الثورة. فالمرشد الأعلى لم يخف تأييده ودعمه لأحمدي نجاد قبل بداية الحملة الانتخابية، وخلال الحملة وبعد ظهور النتائج، وخلال مرحلة التشكيك بمصداقيتها، إلى مرحلة تدخله شخصيا لحسم الخلاف لصالح «الابن البار».

نتيجة الانتخابات الرئاسية الإيرانية أفرزت حقيقة علينا مواجهتها هنا في منطقة الخليج والعالم العربي. فنحن اليوم أمام أربع سنوات إضافية من التعامل مع إيران تحت قيادة أحمدي نجاد. ولا نجد من الصعوبة بمكان تحديد معالم العلاقات الخليجية ـ الإيرانية أو العربية ـ الإيرانية خلال السنوات الأربع القادمة على ضوء الحقائق التي أفرزتها تجربتنا خلال السنوات الأربع الماضية في تعاملنا مع إيران تحت قيادة الرئيس أحمدي نجاد. فقد اتسمت علاقات إيران مع جاراتها من الدول الخليجية والعربية بتبني إيران سياسة هجومية وتدخلية في الشؤون الداخلية لعدد كبير من الدول العربية، وبموقف ينم عن رغبة إيرانية في فرض الهيمنة والاستعلاء. فخلال السنوات الماضية شهدنا عودة «غير رسمية» للطموحات الإيرانية في دولة البحرين العربية، وشهدنا تكرار التهديدات بإغلاق مضيق هرمز وإمكانية «إحراق المنطقة» إن دعت الضرورة، وشهدنا تصعيدا مقلقا في سياسية إيران التدخلية في الشؤون اللبنانية، والعراقية، والفلسطينية، وربما اليمنية. وشهدنا تصعيدا في استخدام واستغلال السياسة الإيرانية للورقة الطائفية في العالم العربي، كل هذه الممارسات تمت من أجل دعم المصالح السياسية والاستراتيجية للنظام الإيراني ودعم السياسية التدخلية وتأسيس مراكز النفوذ للتأثير في سير وتطور السياسة الداخلية للدول العربية وزعزعة أمنها واستقرارها. وشهدنا مزيدا من التعنت والرفض في تسوية مشكلة الجزر العربية الثلاث المحتلة من قبل إيران، وشهدنا إصرارا على تجاهل إيران لقرارات الوكالة الدولية للطاقة الذرية وقرارات مجلس الأمن الدولي التي تطالب إيران بوقف أنشطة تخصيب اليورانيوم وفتح أبواب منشآت برنامجها النووي للمراقبة والتحقق الدولي.

الدعم العلني الذي قدمه المرشد الأعلى لضمان عودة أحمدي نجاد إلى سدة الرئاسة يحمل في طياته إشارات مؤكِّدة أن سياسة الرئيس أحمدي نجاد تتطابق مع رغبات ومواقف القيادة العليا في سلّم السلطة ولا تُعدّ سياسة أو مواقف شخصية تعكس أسلوب الرئيس الفردي في الحكم. فالمرشد الأعلى وقيادات الجناح المحافظ في السلطة، والتي تُعَدّ القوة الرئيسية التي تحكم الدولة اليوم، تنظر إلى سياسة الرئيس أحمدي نجاد بعين الرضا وتؤمن أن هذه السياسة تمثل الأسلوب الناجع في خدمة مصالح الدولة العليا. فسياسة الرئيس أحمدي نجاد تُعَدّ انعكاسا وترجمة لأفكار ومواقف القيادة العليا، لذا فإن عودة نجاد إلى سدة الرئاسة تُعَدّ الضمان المطلوب لاستمرارها. من هذا المنطلق فإن دول مجلس التعاون الخليجي وباقي الدول العربية مقبلة على أربع سنوات أخرى في مواجهة سياسة إيرانية متشددة تقوم على تبني استراتيجية تدخلية تضمن للقيادات الإيرانية دورا مؤثرا في مسيرة التطورات الداخلية في العالم العربي، وتضمن تصاعد نزعة الهيمنة والسيطرة الإقليمية، وتضمن مسيرة متسارعة للمشروع النووي الإيراني. ومن الممكن القول إن جميع مكونات سياسة إيران الإقليمية خلال السنوات الأربع القادمة ستصب في اتجاه تحقيق الهدف الأساسي والمتمثل في ظهور إيران كقوة رئيسية على المستوى الإقليمي، وضمان إحداث تغيرات جذرية في موازين القوى الإقليمية تؤدي إلى تلاشي أو إضعاف الدور الخليجي والعربي.

دول مجلس التعاون الخليجي ستواجه تحديا جماعيا، آجلا أم عاجلا، يتمثل في ترسيخ سياسة الرئيس أحمدي نجاد الإقليمية وتعميق آثارها السلبية، مما سيؤثر في أمنها الداخلي والخارجي، وعلى استقلالها واستقرارها السياسي وازدهارها الاقتصادي، وعلى مكانتها الدولية وعلاقاتها الخارجية وتحالفاتها الاستراتيجية. لذا فإن تبلور الموقف الخليجي الموحَّد تجاه الطموحات الإيرانية يعد مطلبا أساسيا أكثر من أي وقت مضى رغم تباين المصالح والرؤى بين أعضاء دول مجلس التعاون تجاه فهم أو تفسير النيات والطموحات الإيرانية. فالمصالح الاقتصادية لبعض دول مجلس التعاون الخليجي يجب ألا تكون عائقا في تطوير موقف استراتيجي موحد ومحدد المعالم في مواجهة الطموحات الإيرانية الواسعة التي تشكل تهديدا قائما أو كامنا لجميع الدول الخليجية. فحماية المصالح الاقتصادية لا يكون، ولا يجب أن يكون، على حساب التضحية بالمصالح الاستراتيجية العليا. والمصالح الاقتصادية، مهما توسعت وعظمت، لا يمكن حمايتها أو المحافظة عليها في ظل انعدام التوازنات الاستراتيجية، وفي ظل نزعة القيادة الإيرانية لتجاوز حقوق السيادة وعدم احترام أسس استقلالية القرار في دول مجلس التعاون. فما أصاب عددا من الدول العربية الشقيقة من ويلات السياسة التدخلية الإيرانية، ومن ويلات اللعب على الورقة الطائفية، ونزعة بناء مراكز القوى والنفوذ داخل المجتمعات العربية سيصيب دول الخليج، عاجلا وليس آجلا، إن استمرت حالة عدم الاتفاق على تبني المواقف الموحدة وإظهار وحدة الصف والإيمان بوحدة المصير. فسياسة قصر النظر وحماية المصالح الذاتية وتبني سياسة تعتمد على المواقف الشخصية لن تفرز إلا سياسة خاطئة وخطيرة ستأتي بالويلات على دول الخليج ومجتمعاتها. فمسيرة ونتائج الانتخابات الإيرانية ما زالت تعد شأنا داخليا يخص الشعب الإيراني حصرا ولا علاقة لنا به من قريب أو بعيد، ونرفض أي تدخل خارجي في شؤون إيران الداخلية. ولكن سياسة إيران الإقليمية والخارجية هي شأن يخصنا في الصميم ولنا الحق، وعلينا الواجب في حماية مصالحنا، وصيانة أمن واستقرار دولنا ومجتمعاتنا من الآثار السلبية التي تولدها طموحات إيران الإقليمية. نحن في دول الخليج العربية أثبتنا، عبر السنوات الماضية، حرصنا الصادق، قادة وشعوبا، على عدم التدخل في الشأن الداخلي الإيراني، وعدم امتلاكنا لطموحات تتجاوز حدودنا الجغرافية، ولا تمتلك إيران دليلا واحدا يثبت عدم صدق هذه الحقيقة. لذا فإن من حقنا أن نطالب إيران بالمثل، ومن واجبنا اتخاذ جميع الوسائل والسبل لتعزيز وحدتنا وصيانة أمننا واستقلالنا. وهذا واجب وأمانة تقع في رقاب القيادات الخليجية. وهو مطلب ومتطلب طبيعي ومشروع يطالب به كل مواطن غيور في دول مجلس التعاون الخليجي.

*رئيس مركز الخليج للأبحاث

[email protected]