الثلاثـاء 16 شـوال 1430 هـ 6 اكتوبر 2009 العدد 11270 الصفحة الرئيسية
 
خالد القشطيني
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
صفحات من السخرية الفلسطينية

إنني كاتب قليل القراءة والسبب هو أنني بطيء القراءة سريع الكتابة. فما يستغرق الآخرون في كتابته عن القضية الفلسطينية ثلاثة أشهر أنجزه أنا في ثلاث ساعات أو ثلاث دقائق، بل في ثلاث ثوان. أتناول القلم وأكتب فأقول: «لا تصدق ما يقولون».

ولكنني كما قلت بطيء القراءة. وفي الأيام الأخيرة أخذت أشك كليا في قدرتي على القراءة وأعتقد أنني ربما مصاب بعلة الدسلكسيا (العجز عن قراءة الحروف)، غير أن زميلي ربعي المدهون أهداني روايته الأخيرة «السيدة من تل أبيب». شكرته على هديته ثم فتحت الكتاب وبدأت أقرأ، وإذا بالنهار لا ينتهي حتى أتيت على 116 صفحة من الرواية. وأرجو أن يعتبر الزميل ذلك مؤشرا جيدا لا على حسن ما كتبه فقط، بل وعدم ابتلائي بعاهة الدسلكسيا. فالظاهر أن معدتي لا تهضم الغث والفج من الطعام. وما أكثر ما ابتلينا به من ذلك.

خير ما في الأدب ما ربط الدمعة بالابتسامة، وملّح التراجيديا بالكوميديا، والجد بالهزل. وقد فعل ربعي المدهون ذلك وهو في الطائرة في طريقه من مطار هيثرو بلندن إلى مطار بن غوريون في إسرائيل وبجانبه سيدة إسرائيلية شقراء. ولكنه استطاع أن يطير بنا وهو بجانبها إلى مقابر غزة. وهل من موقع أفعم بالمأساة من ذلك؟ مقبرة في غزة! وبجانبك هذه الإسرائيلية الحسناء. والمتنبي يقول:

واحتمال الأذى ورؤية جانيه

غذاء تضوي به الأجسام

ولكن مهلا. القبور والمقابر في الأدب تدغدغنا دائما وتثير الضحك في أنفسنا. كيف ننسى ذلك المشهد الخالد في مسرحية «هملت»، مشهد حفار القبور؟ يستسلم ربعي في الأخير لطلب والدته بزيارة قبر أبيه.

«الدنيا صبح يمه.. بروح بعد الظهر.. أو بعد شوي لما ارجع».

«وبتهون عليك روح أبوك؟.. إن ما رحتش هالقيت رح يروح النهار وتسافر من غير ما تزور قبر أبوك».

لا يملك غير أن يذهب للمقبرة. وهكذا قضي عليه أن يبدأ زيارته لغزة بزيارة مقبرتها. موضوع يوحي بالمأساة والبكاء لأي كاتب فلسطيني، ولكن ربعي المدهون يتفادى هذا الفخ فلا يقع فيه. يقف أمام قبر والده وينظر. يرى منديلا مطرزا بألوان الحب معلقا فوق الضريح. يطوف به التفكير. من علق هذا المنديل الأنيق المشبع بالحب؟ أمه، أرملة الفقيد يا ترى، أم سوسن الغندور عشيقة الفقيد يرحمه الله؟

هل من موقف أحفل بالسخرية من هذا الموقف الذي يواجهه هذا الابن، العائد من لندن إلى غزة؟ لقد مات الإنسان ولكن الحب لم يمت. ولم يمت حتى تحت وقع القنابل والصواريخ المنهالة من الطائرات الإسرائيلية.

> > >

التعليــقــــات
نائل خالد كاله جية، «الولايات المتحدة الامريكية»، 06/10/2009
يا للسخرية انها مقالة مشحونة بالضحك فشكرا لانك اضحكتنا مثل كل مرة وحري بك مباشرة سلسلة مقالات عن انواع المقبلات لانها مهمة في الحياة العراقية والعربية.
زروالي، «الكويت»، 06/10/2009
هذا الشعب العظيم في مقاومته وصموده طيلة سنوات من الحرب والقتل والتهجير لكنه يبقى صابراً مرابطاًُ في أرض الرباط والجهاد والنضال. ولعل من أسباب الصمود والاستمرار في النضال وتجديد الأمل بغد مشرق رغم الغمامة السوداء هي تلك الروح المرحة والسخرية الجادة من الأوضاع القائمة. إنها قدرة على التكيف والتعايش جنباً إلى جنب مع الموت الذي يفرد منه البشر. لكن الفلسطيني يرابط ويزداد عوده صلابة، فالحياة أمل.
أحمد عبد الباري، «المملكة العربية السعودية»، 06/10/2009
وقفته أمام قبر والده وقفة شاذة لم يستلهم فيها روح الاسلام وتقاليد بلاده من قراءة الفاتحة أو سورة يس أو غيرها من الطقوس الدينية التي يحفل بها الشرق. وقفته تشبه وقفة القائد العسكري المجبر أمام قبر الجندي المجهول ليضع إكليلا من الزهور. معرفته بعلاقة والده الآثمة بعشيقة أخرى ومعرفة اسمها واسم والدها يؤكد تأثره بالأدب الغربي الذي يحتفي بالعلاقات الجنسية المحرمة، لذا لن تجد هذه الرواية حظا من الاحتفال والاحتفاء بالغرب لأنهم سوف يعتبرونها محاكاة لأدب غريب عن تقاليد بيئة الكاتب وقفزا فوق حواجز محيطه الثقافي العام، لأنه لو حاك روايته على خيوط التقاليد الفلسطينية لنال اعجابهم وإعجاب العرب أيضا.
توفيق توفيق، «فرنسا ميتروبولتان»، 06/10/2009
مشكور عزيزي الكاتب لطالما قرأت مقالاتك وانت ها هنا تعرج نحو غزة المقهورة انها امتزاج من الامل والحزن والبكاء والفرح انها تمثل سمفونية الحياة المعبقة بالموت والحياة جدلية تفسر حياة الغزاويين.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال