الاربعـاء 08 ذو القعـدة 1430 هـ 28 اكتوبر 2009 العدد 11292 الصفحة الرئيسية
 
محمد العربي المساري
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
واشنطن بين الرباط والجزائر

لا يخرج موقف الولايات المتحدة إزاء التناقضات المغربية الجزائرية عن الموقف الكلاسيكي لهذه القوة العظمى إزاء كل أطراف متناقضة موجودة في مناطق لها قدر من الأهمية بالنسبة لواشنطن. فهو دائما موقف حذر وبرغماتي ينشد تحقيق المصلحة الأميركية دون التفريط في أي طرف من الأطراف. وأوضح مثال على ذلك احتفاظها لعقود طويلة بصداقة تصل إلى حد كبير من المتانة مع دول عربية، وفي نفس الوقت توجد بين هذه الدول وإسرائيل تناقضات صارخة تصل إلى حد استحالة التعايش. وقد حافظت السياسة الأميركية دائما على أوثق العلاقات مع الجانبين. إن إسرائيل حليف استراتيجي فوق العادة للولايات المتحدة، وهذا لم يمنع من وجود وشائج قوية مع شركائها في المنطقة من أعداء إسرائيل. وعلى غرار ذلك فإنها حافظت على علاقة ناجعة مع كل من فرنسا وإنكلترة وألمانيا في ظروف متقلبة اكتنفتها حسابات معقدة طيلة الحرب الباردة.

وفي منطقة شمال إفريقيا اتسمت السياسة الأميركية في مختلف المراحل بنفس المواصفات، مجتهدة في إبقاء الخيوط ممتدة مع جميع الدول التي انبثقت في المنطقة على أنقاض العهد الاستعماري على ما بينها من تناقضات صارخة. وقد تجلى هذا في كل الأحوال، وخصوصا حينما بدأت في منتصف التسعينيات من القرن الماضي تمسك بعزم واضح بخيوط الملفات الشائكة المفتوحة على مصراعيها.

وإذا كانت سياستها واضحة في حالة كل من تونس وليبيا، كل منهما في اتجاه معين، فإن سياسة الولايات المتحدة إزاء المغرب والجزائر اتسمت بقدر كبير من الحذر إزاء تناقضاتهما الواضحة، بغية عدم التفريط في أي منهما.

وهذا ديدنها في عهد كل من الحزبين الديموقراطي أو الجمهوري، مما يدل على أن هناك سياسة دولة تجاه الإشكالية الجزائرية المغربية. وفي عهد كلينتن مثلا برزت مبادرة إيزنستات نائب كاتب الدولة في الخزينة، التي كانت ترمي إلى إقامة شراكة اقتصادية على صعيد كل من تونس والجزائر والمغرب، وفي عهد بوش تم إدماج المشروع في الرؤية الأميركية التي تطورت حينئذ في شكل مبادرة تستهدف الشرق الأوسط الكبير.

وتأكد هذا وذاك بشكل مباشر في توطيد محسوس للعلاقات بين واشنطن وكل من الجزائر والمغرب منذ بداية الألفية الثالثة بمجيء كل من الرئيس بوتفليقة والملك محمد السادس لقيادة مصير كل من الجزائر والمغرب.

وتجلى بوضوح في عهد الرئيس الأميركي السابق بوش الابن أن العلاقة بين الجزائر وواشنطن قد اكتسبت إيقاعا متسارعا لم يكن به عهد من قبل. ولا أدل على ذلك من أن الرئيس الجزائري سعى لربط اتصال مباشر مع الرئيس الأميركي المذكور عدة مرات وفي مناسبات عديدة فاقت ثلاثة أضعاف تلك التي جرت بين الملك محمد السادس والرئيس الأميركي. والأكثر من ذلك أن الرئيس الجزائري قد أكثر من إبداء تقربه من مخططات الحلف الأطلسي، واستضافت بلاده مناورات عسكرية للقوات الأميركية والأطلسية عدة مرات آخرها المناورات البحرية التي أجريت في المياه الجزائرية مؤخرا.

وقد سعت أميركا بدورها لاحتلال مكان الصدارة في المشهد الشمال الإفريقي على خلفية تطور ملف الصحراء في الأمم المتحدة. واتخذت موقعا رئيسيا في تسيير ذلك الملف مند انتداب وزير خارجية أميركي سابق ليكون ممثلا شخصيا للأمين العام للمنظمة وها هو ديبلوماسي أميركي آخر يتولى نفس المهمة حاليا.

وهذا الملف هو بمثابة منجم من التعقيدات التي تعطي للدول الكبرى فرصا للتدخل والعمل على اكتساب مواقع راجحة فيه فقط لأن هناك مقاومة عنيدة لمحاولات طي الخلاف.

ودشن التقارب الجزائري الأميركي المثير، بالزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس بوتفليقة في يوليو 2001 إلى البيت الأبيض، ثم في نوفمبر من نفس السنة، لإبداء قدرة بلاده على أن تقوم بدور إقليمي رئيسي في حظيرة المنظمة القارية الإفريقية. ومن البديهي أن حسابات معروفة بخصوص ملف الصحراء كانت وما تزال تتصدر انشغالات الديبلوماسية الجزائرية. وقد انضمت الجزائر بدون تردد إلى المبادرات التي قادتها الولايات المتحدة بشأن محاربة الإرهاب وخصوصا في منطقة السهل الإفريقي، وذلك أملا في كسب تأييد أميركا لوجهة نظرها في ملف الصحراء. وبديهي أن مشكلة السهل الإفريقي تستأثر باهتمام واشنطن، أما بخصوص الصحراء فإن هناك خطوطا صارمة مرسومة تجعل أميركا لا تساير المراودات الجزائرية، ببساطة لأن هناك حسابات دقيقة وقارة هي التي تحرك السياسة الأميركية منذ عقود بشأن هذا الملف وغيره من شؤون المنطقة. ولا يدخل في الحسابات الأميركية بالطبع أن يتحقق تفوق لفائدة الجزائر، أو العكس.

وللمغرب سياسة قارة وخطابه أكثر وضوحا من جارته الشرقية، سواء فيما يخص سياسته ضد الإرهاب أو فيما يخص اعتداله في طرح مطالبه والدفاع عن حقوقه بشكل يسهل على أصدقائه تفهم موقفه وتأييده في مساعيه. والمغرب لا يطرح في أي وقت من الأوقات على شركائه ومحاوريه أن يختاروا بينه وبين الجزائر، أو أن يتخذوا موقفا على حساب جارته الشرقية. إن النضج الاستراتيجي الذي يتسم به موقفه في المجتمع الدولي يجنبه ركوب مثل هذا الموقف، ويجعله يطرح في المجال الديبلوماسي مقاربات تتسم بالواقعية والعقلانية، ولا يمكن أن يجنح به نحو التفكير في مطالبة شركائه بأن ينحازوا له ضدا على الجزائر، لأن السياسة الدولية لا تقبل ذلك.

وفي هذا السياق فإن المغرب حظي بتفهم واضح لمواقفه ومراميه من لدن شركائه في أوروبا الغربية ومن لدن الولايات المتحدة نفسها، التي منحته صفة الحليف الاستراتيجي من خارج الحلف الأطلسي، وأبرمت معه اتفاقا للتبادل الحر، فضلا عما ظهر في حظيرة مجلس الأمن من تفهم للأطروحة المغربية بخصوص ملف الصحراء.

وواضح أن الولايات المتحدة ما فتئت ترجح نظرة المغرب القائمة على إيجاد تسوية سياسية، أي سلمية، متفاوض عليها، تكون مقبولة من جميع الأطراف. وهذا طرح ما زال قائما. وقد أدلى السيد جيفري فيلتمان نائب كاتب الدولة الأميركي للشرق الأوسط بتصريحات في الجزائر استنتج منها الملاحظون أن الولايات المتحدة لم تغير موقفها إزاء المسلسل الذي يعرفه الملف حاليا ومنذ أربع سنوات.

وحاول الصحفيون المحليون استدراجه إلى الإدلاء بموقف قد ينم عن بعض التغيير، وذلك بعدة صيغ، ولكن المسؤول الأميركي أصر على أن يكتفي بالتعبير عن تأييد المساعي التي أخذت طريقها في الأمم المتحدة، أي البحث عن حل سياسي متفاوض فيه. وهذا ما سجلته جريدة «الإيكسبريسيون» الجزائرية التي كتبت في عدد السبت أن السيد فيلتمان لم يعط «جوابا واضحا ومباشرا، (بخصوص الصحراء) بل لاذ مرة أخرى بالغموض والالتباس الذي يميز موقف الإدارة الأميركية» حيث اكتفى بالقول إن الولايات المتحدة تؤيد توصيات الأمم المتحدة وهي تثق في المنظمات الدولية وفي مسلسلات التفاوض الجارية ولا تريد أن تعلق على الميكانيزمات التي تتضمنها التوصيات ذات العلاقة من أجل أن تجد هذه المسألة حلا نهائيا. إن الزيارة التي قام بها المسؤول الأميركي إلى الجزائر تسبق تلك التي من المقرر أن تقوم بها السيدة هيلاري كلينتن وزير الخارجية إلى الرباط، وهي مقترنة بالكلام عن الوساطة التي قد تقوم بها الجزائر بين واشنطن وطهران. وقد سبق للديبلوماسية الجزائرية أن قامت بوساطة بين البلدين فيما سبق لحل مشكلة الرهائن. وقد أبرزت جريدة «المجاهد» الجزائرية من تصريحات السيد فيلتمان قوله إن الجزائر لها صوت قوي جدا في المجتمع الدولي وموقف بناء في مختلف المحافل الدولية كقائدة في العالمين العربي والإفريقي.

وما قلناه عن الولايات المتحدة يصدق على روسيا والصين وغيرهما من الدول الكبرى التي لا يسعها إلا أن تسجل أن موقف المغرب يقوم على المرونة والواقعية وصيانة السلام.

> > >

التعليــقــــات
محمد المامي، «مصر»، 28/10/2009
يقال أن الذي تؤلمه جمجمته يتلمسها مثل ينطبق على ماكتب المساري في هذا المقال فالوجع المغربي من تبدل سياسة الادارة الامريكية من تأييد مطلق للاطروحات المغربية على زمن بوش إلى تغليب القانون الدولي ودعم الامم المتحدة ووسيطها بالصحراء الغربية في عهد أوباما حقائق تفزع الرباط بدليل الاختلاف البين في تعاطيها مع المبعوث الاممي في زيارته الاولى التي استقبله خلالها ملك المغرب ورئيس وزرائه ووزير خارجيته وممثلي جميع الاحزاب المغربية والزيارة الثانية التي لم يلتق خلالها سوى بوزير الخارجية. القول ان الادراة الامريكية ظلت على الحياد قول مهلهل ويكفى ان نتذكر التسليح الامريكي للمغرب على عهد ريغان واتفاقيات التعاون العسكري سنة 1982 بين المغرب والولايات المتحدة التي جعل المغرب ثاني بلد افريقي يحصل على المساعدات العسكرية الامريكية.
محمد اعليلش، «المملكة المغربية»، 28/10/2009
أصبحنا نفتخر وتنشرح صدورنا بمجرد ما إن يمدحنا مسؤول صغير في الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى العكس نحزن ونندب حظنا كلما رأينا تبدلا في مواقف العم سام تجاهنا؟ يا لضعفنا وهواننا؟؟؟
من حق غيرنا أن يقول لنا وبصوت عال اذهبوا إلى الجحيم....
بني وايل، «فرنسا ميتروبولتان»، 28/10/2009
اشكر الكاتب وانا حريص على قراءة مقالته وحقيقة انني افرح بها ودائما يصيب الحقيقة بارك الله فيك والى الامام ياسيد محمد العربي المساري.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال