السودان: قصة فرص ضائعة

TT

اقتصاد يتداعى، ورئيس جمهورية تصدر ضده لائحة تتهمه بالضلوع في جرائم ضد الإنسانية، وزمرة حكم تتقاتل في ما بينها كأسماك بيرانا المفترسة داخل بركة مياه. إن آخر ما يمكن أن يحتاجه السودان، ذلك البلد الأفريقي الشهيد، هو جولة جديدة من أعمال العنف تهز أركانه.

ومع ذلك، هذا هو ما حدث يوم الاثنين عندما نزل متظاهرون إلى الشوارع يدعون لإنهاء نظام الحكم القمعي الذي فُرض عبر انقلاب عسكري وقع عام 1989. وعلى الرغم من أنه كان على رأس المتظاهرين «حركة تحرير السودان»، وهو فصيل جنوبي يسعى إلى انفصال الجنوب عن الخرطوم، فقد جذبت التظاهرات قطاعا كبيرا من الأحزاب المعارضة في مختلف أنحاء البلاد. وقام المحتجون بحرق مكاتب حزب الرئيس عمر البشير في عدد من المدن المهمة في الجنوب.

وبحلول منتصف الأسبوع، أصبح واضحا أن الحركة تتمتع بدعم من قطاع عريض من التنظيمات السياسية، من اليسار العلماني إلى الإسلاميين الذين يتزعمهم حسن الترابي، الذي كان حليفا سابقا للبشير، ولكن انقلب عليه بعد ذلك وسجنه. وهناك حالة من الشقاق حتى داخل حزب المؤتمر الوطني الحاكم، وهو كيان زائف يهدف تغطية الاستبداد بورقة توت ديمقراطية.

ولا توجد مبالغة في القول بأن الرئيس السوداني وصحبته لم يعد يتمتع بقاعدة دعم ذات بال. ودائما ما كان الرئيس البشير يسعى إلى تبرير طريقة حكمه تحت زعم أنه الرجل الذي أنهى الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب التي بدأت في الخمسينات، ليصل إلى أكثر مرحلة شدة في الفترة من 1983 إلى 2005.

وطبقا لتقديرات الأمم المتحدة، فإن هذه هي الحرب الأطول داخل أفريقيا، وقد أدت إلى مقتل نحو 2.5 مليون شخص، وهذه هي أكبر كلفة من ناحية الخسائر البشرية. وخلال قرابة 12 عاما من الاقتتال، نجد أن النظام الحاكم الذي يترأسه الجنرال البشير كان مسؤولا عن نصف هؤلاء الضحايا على الأقل. وأضف إلى ذلك المليوني شخص الذين يُقدّر أنهم قتلوا في مأساة دارفور، وبذلك تجد أن سجل الجنرال يظهر كواحد من أشد السجلات الدموية في التاريخ الأفريقي المعاصر. وتوجد أوقات يملي فيها التاريخ الفصول الختامية حتى للحكام الذين بقوا لأطول الفترات. واليوم يبدو أن حكم الجنرال البشير في فصله الأخير.

وقد وصل النظام الحاكم لحزب المؤتمر الوطني إلى نهاية الطريق، بسبب سجله السياسي الكارثي والفساد الهائل الموثّق جيدا والأعمال الوحشية التي ارتكبها. والسبب الرئيس في المشاكل التي يعاني منها هذا النظام هو عدم أهليته الواضحة وعجزه البائن عن تقديم خارطة طريق بالنسبة للمشاكل الكبرى التي تواجه البلاد.

واليوم، يبدو الجنرال مثل ساحر أوز في نهاية القصة عندما يتعين عليه أن يقر أنه لا يعرف كيف يقود دوروثي إلى منزلها في كنساس. ولم يعد يفيد هل هو رجل طيب أم لا، المهم أنه ساحر شرير.

يعجز نظام حزب المؤتمر الوطني بصورة واضحة عن صياغة سياسة اقتصادية متماسكة منطقيا. وبسبب الدخل الذي يدره البترول، تمتعت قيادة الخرطوم بموقف قوي على مدار عدة أعوام. ولكن، في الوقت الحالي عليها أن تواجه أزمة اقتصادية يعجز النظام بصورة جلية عن إدراكها، ناهيك عن السيطرة عليها. وتعاني البلاد من تضخم نسبته من رقمين ومعدلات بطالة تصل مستويات لم يشهدها السودان من الثمانينات من القرن الماضي، وهذا ما يظهر عجز النظام الحاكم يوما بعد آخر.

وقاد الجنرال البشير السودان إلى ورطة دبلوماسية، فبعد لائحة الاتهام التي أصدرتها في حقه محكمة الجنايات الدولية في لاهاي واتهامه بالضلوع في جرائم ضد الإنسانية، لم يعد البشير قادرا على الخروج من البلاد، ناهيك عن صياغة وتنفيذ سياسة خارجية يمكن الوثوق فيها. وقد جعل من السودان دولة منبوذة بسبب تظاهره بالشجاعة بصورة قميئة ورفضه تسليم مسؤولين مطلوبين للتحقيق معهم لدى محكمة الجنايات الدولية قبل إصدار لائحة اتهام ضده.

ومع ذلك، فقد ظهر الفشل الأكبر للنظام الحاكم في الساحة السياسية الداخلية، حيث تعتمد سياسة حزب المؤتمر الوطني على صورة وقحة من مبدأ «فرق تسد»، ويميزها انتهازية تامة. وجاء ذلك في صورة تحالفات مؤقتة، ولكنها متغيرة، اتسمت برشاوى سياسية واجتماعية للبعض واضطهاد واضح استهدف آخرين. ومن الواضح حاليا أنه عندما يكون في يد الجنرال قلما ليوقع به على تحالف مع أحد الأطراف، فإنه يضع في يده الأخرى خنجرا يطعن به أقرب حلفائه في ظهره.

وتوجد في قصة السودان خلال العقدين الماضيين الكثير من الفرص الضائعة. وكانت أول فرصة ضائعة هي صياغة نظام تعددي يعكس التنوع السياسي والديني والإثني داخل السودان. والسودان هو البلد العربي الأفريقي الوحيد الذي يحتوي على تقاليد سياسية ثرية ومتنوعة تغطي جميع ظلال الطيف الفكري المعاصر.

ولم تنجح حتى الديكتاتورية الطويلة التي فرضها الرئيس السوداني الراحل جعفر نميري في تدمير هذا التقليد. وعندما قاد الجنرال سوار الذهب الجيش ليعود إلى الثكنات، كان لدى السودان فرصة حقيقة لأن تصبح البلاد ديمقراطية بصورة مثمرة. ولكن دمر البشير وحلفاؤه هذه الفرصة، لمدة طويلة على الأقل.

وعن طريق السعي إلى إسكات الأصوات المعارضة والأمر باتخاذ إجراءات صارمة ضد أحزاب سياسية مخلصة، صدق الجنرال على التحليل الذي يقول إن هؤلاء الذين يتحدثون عن الكفاح المسلح وأعمال العنف يعكسون صورة للاستبداد.

وكانت الفرصة الثانية التي ضاعت هي فرصة إنهاء الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب، وفتح طريق للتعايش يعكس آمال أغلبية السودانيين. وجاءت اتفاقية السلام عام 2005 على أساس التعهد بعقد انتخابات عامة خلال العام الحالي وإجراء استفتاء على استقلال الجنوب في يناير (كانون الثاني) 2011.

ونكث حزب المؤتمر الوطني ما وعد به لأنه يعتقد أن الناخبين سوف يطيحون به إن أعطوا فرصة للقيام بذلك. وبالنسبة لإجراء استفتاء حول استقلال الجنوب، قال البشير للمحاورين الصينيين إن هذا الأمر غير مطروح. وقام أيضا بوقف جميع الآليات التي وضعتها الأمم المتحدة للمراقبة على التطورات في الجنوب.

وبصيغة أخرى، فإن الجنرال لم يكن ينوي الوفاء بكلامه منذ البداية، وكان موقفه مبنيا على تدمير اتفاقية سلام نشأت على مدار أعوام من المفاوضات في نهاية عقود من الحرب.

وتتعلق الفرصة الثالثة التي أضاعها الجنرال بالتقدم الذي شهده قطاع البترول السوداني، ولاسيما خلال الأعوام الخمسة أو الستة الماضية. وبدلا من استخدام هذه الفرصة الرائعة لتحسين البنية التحتية داخل السودان وتشجيع الاستثمار في مصادر دخل بديل، أسرف النظام الحاكم في الإنفاق، وهو ما أدى إلى تضخم مع غياب نمو. وسماء الخرطوم في الفترة الأخيرة التي ظهرت فيها فنادق مترفة ومحلات تجارية وعدد كبير من الأثرياء الجدد الذين يقودون سيارات فارهة يجسد دولة «غنية بالبترول» التي كانت رائجة في المجالات الهزلية في الحانات الغربية.

وختاما، أضاعت الزمرة الحاكمة في الخرطوم فرصة إنهاء مأساة دارفور، لتترك قنبلة موقوتة ربما تعجز أي حكومة مستقبلية أكثر كفاءة عن نزع فتيلها. وفي الشهر الماضي، نشرت إدارة أوباما في واشنطن ورقتها عن السياسة التي طال انتظارها إزاء السودان. وعكس الجزء الأول من الورقة الانقسامات داخل الإدارة، وتحدثت عن العمل مع نظام البشير من أجل الوصول إلى تسوية في دارفور وتنفيذ اتفاق السلام في الجنوب وتمهيد الطريق أمام ظهور حكومة منتخبة في الخرطوم.

وربما تكون الانتفاضة الأخيرة إشارة إلى أن هذا السيناريو لم يعد يمكن الاعتماد عليه. ولذا، يجب أن يكون هناك اهتمام أكبر بالجزء الثاني من الورقة الذي يعرض إطار ما يمكن أن يصل إلى تغيير النظام الحاكم في الخرطوم.