الجمعـة 11 جمـادى الثانى 1422 هـ 31 اغسطس 2001 العدد 8312 الصفحة الرئيسية
 
سمير عطا الله
مقالات سابقة للكاتب
إبحث في مقالات الكتاب
 
مخرج يرفع ستارة الذكريات
لم تعرف بيروت العز المسرحي الذي عرفته مصر، برغم انتعاش حركة التمثيل حتى خلال الحرب. لكن للمسرح اللبناني تاريخاً طويلاً متلازماً، او سابقاً، للمسرح في مصر. وعن هذا التاريخ الملون يكتب المخرج محمد كريم خليطاً من الذكريات الشخصية والسيرة العامة. ولعل محمد كريم، كاتباً وفناناً وباحثاً دؤوباً، هو الاكثر اهلاً لتدوين هذه المرحلة التي كانت فيها بيروت مثل مرآة فنية في الشرق، تصدَّر الوجوه وتستقبلها، تتلقى الحركات الفنية وترسلها.

وقد عرفت المسرح اللبناني في عصره الذهبي في الستينات، خصوصاً الخشبة الضاحكة. فبرز في وقت واحد تقريباً «شوشو» (حسن علاء الدين) ونبيه ابو الحسن. واحد يمثل الشخصية البيروتية بلهجتها الممدودة، البسطاوية، التي تكسر جميع الفتحات (أني، بدل انا) وآخر يمثل الشخصية الجبلية البسيطة والحاذقة التي تكسر وتفتح على كيفها (إينا أبدَّيش) (انا لا اريد). وفي الوقت الذي كان مسرح «شوشو» يجتذب الجماهير الضاحكة (كيفك يا شخص) الى مسرح «شهرزاد»، كان «مسرح فاروق» على بعد امتار قليلة يفقد الجيل الاخير من زبائنه. وكان «فاروق» المسرح الاكثر امتلاء بالطبقة الشعبية (يملكه والد الزميل ابراهيم العريس) يرتاده البيارتة البسطاء ومعهم نراجيلهم وساندويتشاتهم واكياس من بزر البطيخ والمكسرات. وفي ايامه الاخيرة اصبح كل ما يعرضه المسرح محصوراً بتمثيليات «ابو العبد البيروتي». والمفترض ان ابو العبد البيروتي، الذي عاد الى عزه الآن في زاوية خاصة على «الانترنت»، شخصية بسطاوية من بيروت الغربية، و«قبضاي» يحمل عصا من الخيزران الرفيع ويرتدي قمبازاً (جلابية) من الحرير الايطالي. ويضحك السامعون لمرجلات ابو العبد ومغامراته وهز الخيزرانة الرفيعة في الهواء كلما هدّد خصماً او كلما تعرض له احد: «ايشبك يا خال، عارف مين عم تحكي؟».

وكان «ابو العبد» الممثل رجلاً سميناً يتعرق باستمرار، وبين فينة وفينة يقطع النص ليطمئن الى احوال احد الحضور: «شو جابت بنتك خييي ابو صطيف؟». اي بماذا رزقت ابنتك اخي مصطفى. او احياناً يعترض عليه احد المداومين: «هيدي بلاها خييي خليل، صرنا سامعينا كثير». وكان الرجل الذي ظل يمثل شخصية ابو العبد البسطاوي حتى اغلاق المسرح، رجلاً من «بيروت الشرقية» يدعى خليل شحاده. وفي ايامه الاخيرة اخذ يشرك معه ابنه، الذي بعكسه تماماً كان نحيلاً مثل قصبة.

مع مجيء الحرب اقفل وسط بيروت، واقفل معه المسرح البيروتي، وغابت تلك الشخصية الطريفة التي كانت تطعّم احياناً بعض الافلام المصرية، فتبدو اللهجة البيروتية امام اللهجة المصرية، نقيضاً مثيراً لقهقهات المشاهدين. تلك الصفحات والوجوه والابتسامات التي غابت، تعود الينا مع كتاب محمد كريم في كتاب «المسرح اللبناني في نصف قرن»، الذي اسوأ ما في كتابه، انه يخفي عنا عمداً ذلك الدور المجتهد والتطويري الذي لعبه هو، في حياة المسرح اللبناني، خشبة واذاعة وتلفزيوناً. ويشبه محمد كريم الكاتب محمد كريم الفنان، دقة مثيرة للاعجاب، وسرداً مثيراً للحنين. وربما اطلعنا في الجزء المقبل من كتابه على ما نعرفه عن دوره.

> > >

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال