الاحـد 11 ربيـع الثانـى 1431 هـ 28 مارس 2010 العدد 11443 الصفحة الرئيسية
 
تركي الحمد
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
حين تصبح العنصرية مقدسة!

في فيلم «الميسيسيبي تحترق» (Mississippi Burning)، تقوم جماعة من العنصريين بقتل عدد من السود، وتنجو من العقاب، وذلك بفضل تعاون الشرطة المحلية معهم، الذين كان بعض أفرادها أعضاء في جماعة «الكوكس كلان» العنصرية. وعندما تتدخل السلطات الفيدرالية في التحقيق في هذه القضية، لا يتعاون معهم أحد، فقد كانت العنصرية هي السائدة بين الجميع، على الرغم من أن القوانين تحرمها، ولكن القانون إن كان يحرم شيئا فإنه لا يلغي ما زُرع في النفوس منذ الصغر، على صفحة جاءت إلى الدنيا بيضاء نقية، وفطرة كانت سليمة نقية، إذ كانت العنصرية تُسقى للرضيع مع حليب الأم في ولايات الجنوب الأميركي. لم يتعاون مع المحققين الفدراليين إلا زوجة رئيس الشرطة في تلك المدينة الصغيرة في ولاية الميسيسيبي، الذي كان متورطا في عمليات القتل والتستر على عنصريين آخرين، وذلك في صحوة ضمير مفاجئة للزوجة بعد تلك الجرائم المروعة، ودار بينها وبين المحقق الفيدرالي نقاش في غاية الأهمية. قالت، ودموعها تسبق كلماتها: إن الحقد والعنصرية شيئان لا يولدان مع الشخص، ولكنهما يلقنان له منذ الصغر. علمونا في المدرسة - تقول بطلة الفيلم - أن الفصل العنصري وتفوق عرق على عرق هو أمر طبيعي، بل هو إرادة الرب منذ أن خلق الإنسان، وهو موجود في «الكتاب المقدس»، وتحديدا في «سفر التكوين»، في الإصحاح التاسع، الآية 27. العنصرية - تقول بطلة الفيلم - لقنت لنا في كل دقيقة من حياتنا، ولكنها لم تولد معنا. ومن باب الفضول، رجعت إلى «الكتاب المقدس»، وإلى تلك الآية تحديدا، فوجدت أن نصها يقول: «ليفتح الله ليافث فيسكن في مساكن سام، وليكن كنعان عبدا لهم»، وفي الآية 26 يصب نوح لعناته على حام، ويلحق به ابنه في الآية التالية، ولفهم سياق هذه الآية لا بد من معرفة قصة النبي نوح التوراتية مع بنيه بعد انتهاء الطوفان.

تقول القصة التوراتية، إن نوحا بعد انتهاء الطوفان ونجاة من معه في الفلك، عصر خمرا وشرب حتى سكر، ثم نام عريانا، ومثل هذه القصص تتكرر كثيرا في العهد القديم من الكتاب المقدس، بالإضافة إلى قصص زنى المحارم، فدخل عليه ابنه حام - له ثلاثة من الأبناء: سام، وحام، ويافث - ورآه على تلك الحالة فضحك، إلا أن ساما قام على الفور بتغطية عورة أبيه. فلما نهض نوح من النوم، وعلم بالقصة، بارك ابنه ساما، وحل غضبه على حام، وجعله ونسله - ومنهم كنعان المذكور في الآية السابقة، الذي هو جد الفلسطينيين - عبيدا لسام ونسله، وأنزل يافث المحايد في منزلة بين المنزلتين. بطبيعة الحال، فإنه من المعلوم أن بني إسرائيل يحتكرون ساما بصفته جدهم وحدهم، على الرغم من أن ساما كما هو مأثور، جد لأقوام آخرين، منهم العرب، وذلك على افتراض صحة الوجود التاريخي لسام، وهو ما يشكك فيه مؤرخو التوراة أنفسهم. كما أنه من المعلوم أن العهد القديم هو كتاب سياسي في المقام الأول، كُتب بعد موسى بقرون كثيرة، يُشرعنّ دينيا لأهداف بني إسرائيل وغاياتهم، وبخاصة فيما يتعلق بالصراع على «أرض كنعان»، أو الأرض التي جُعلت «أرض ميعاد» لنسل إبراهيم من ابنه إسحاق فقط، بصفته ابن الزوجة الحرة، ولذلك نجد أن نوحا يخُص كنعان بلعنة العبودية، على الرغم من أنه لا علاقة له ولا ذنب فيما اقترفه أبوه من ذنب، وذلك على افتراض أن أباه اقترف ذنبا، إذ إنه ضحك على منظر مضحك فعلا حسب الرواية التوراتية، فهل يستحق أن يُصبح عبدا هو ونسله حتى لو افترضنا أنه أجرم بضحكه؟ ولكنها المآرب الدنيوية التي تستغل كلمات الرب، أو ما يُزعم أنها كلمات الرب، وتحويرها من أجل مصالح محددة، وغايات محددة.

المهم في الموضوع هو تبيان كيف تُستغل النصوص المقدسة لدى هذا الشعب أو ذاك، في تبرير أمور لا علاقة لها بالمقدس ذاته، على الرغم من الشك في قدسية بعض النصوص، وذلك مثل كثير من قصص العهد القديم، التي وضعت لأهداف لا علاقة لها بالرب أو إرادة الرب، وإلا فهل يُعقل أن تُلعن شعوبا بأسرها مثلا، ويُحكم عليها بالعبودية لمجرد أن جدها الأكبر ضحك من شيء يبعث على الضحك فعلا؟ والمسألة حقيقة ليست قاصرة على العهد القديم من «الكتاب المقدس» لدى المسيحيين واليهود، ولكننا نجده في الأديان كلها، حين يُبتسر نص ما، أو يأول نص ما، من أجل تبرير سياسة معينة أو وضع معين، كما فعل الجنوب الأميركي في تبريره «المقدس» للعبودية، من خلال استخدام نصوص «مقدسة»، أو أُضفيت إليها قداسة مزعومة.

العنصرية والكراهية والبغضاء وغيرها من أمراض الجنس البشري، موجودة في كل زمان ومكان، ولها سندها النظري الذي يشرعنّ لها، كأن يكون ذلك آيديولوجيا قومية عرقية كالنازية مثلا، أو قبلية متعالية، أو وطنية شوفينية لا ترى نفسها ولا تحقق ذاتها إلا من خلال رفض كل آخر مختلف، أو حتى ثقافة ترى أن لها خصوصية تسمو بها على مختلف الثقافات. ولكن أسوأ مبررات أمراض الجنس البشري إنما تكمن في التبرير الديني لها، كما في قصة نوح وأولاده، حيث إنها تجعل من هذه الأمراض، والعنصرية من أشدها، أمرا له علاقة برب السماوات والأرض، وبالتالي فهي أمر مقدس لا يجوز المساس به، وهكذا بُررت العبودية مثلا على اختلاف الأزمان والعصور. أن تكون المبررات النظرية لأمراض الجنس البشري مسألة آيديولوجية أو ثقافية أو اجتماعية، كما في الحالة الإغريقية مثلا، حين اتفق فلاسفة الإغريق، وعلى رأسهم أرسطو، على أن العبد يولد عبدا لأنه كذلك بطبيعته، وأن المرأة مشابهة للعبد في طبيعتها، مسألة قابلة للنقاش ويمكن معارضتها ومحاولة إزالتها، حتى لو كان ذلك صادما للمجتمع وقيمه الموروثة، فالمسألة برمتها لا قدسية لها، على الرغم من رسوخها في العمق الثقافي والاجتماعي، و على الرغم من أن البعض يُضفي قدسية معينة على العادات والتقاليد، ويجعل منها ندا للمقدس ذاته، ولكن حين تُربط المسألة بالإرادة الإلهية، فإن القدسية المُضفاة عليها تجعلها غير قابلة للنقاش، وصادمة للمقدس في النفوس، ويُصبح لحمها سما زعافا، وبالتالي فإن من يمسها إنما يمس إرادة الإله ذاته، وهنا تكمن المعضلة الكبرى.

اللجوء إلى الحيلة الدينية في محاولة إضفاء المقدس على المدنس من أمراض الجنس البشري، كالعنصرية والبغضاء من دون سند حقيقي، من قبل جماعات ذات مصلحة دنيوية لا علاقة له بعالم الغيب الذي هو جوهر الأديان كلها، ومن قبل مستفيدين من إضفاء رداء القدسية على أوضاع مدنسة، مسألة نجدها في كل زمان ومكان، وسواء كنا نتحدث عن كهنة بابل وآشور وزرادشت ومصر وجبل الأوليمب، أو كنا نتحدث عن هيكل سليمان وكنيسة المسيح، وإرث محمد، صلى الله عليه وسلم. القضية هنا لا تتعلق بالأديان ذاتها، ولا بنصوصها المقدسة، وشتان بين الدين ذاته وتاريخ الدين.

وعودة إلى الفيلم، فإن السلطات الفيدرالية تستطيع في النهاية كشف الجانين، وتقديمهم إلى المحاكمة حيث ينالون عقابهم، ولكن ذلك لا يُلغي العنصرية الكامنة في النفوس، والتي تنتظر الفرصة للتعبير عن نفسها المريضة. شيء جميل أن تكون هناك قوانين تحرم ممارسات النفس المريضة، وشيء جميل أن تكون هنالك عقوبات تردع جرائم النفس العليلة، ولكن ذلك لا يكفي ما دامت جرثومة المرض كامنة في النفوس. الحل الجذري لأمراض النفس البشرية بقتل جرثومة المرض، واجتثاث نبتة العلة، وذلك بعدم بذر بذور العنصرية والكراهية ورفض الآخر، وغيرها من علل، ونثر بذور الحب والتسامح والمساواة في النفس الإنسانية، لا بمجرد التبشير بذلك أو الدعوة لذلك، ولكن بتجريم كل دعوة مسمومة، وكل محاولة لبذر بذور الكره والبغضاء في النفوس الغضة أولا، وأقصد بذلك الأطفال، فمن الطفل الجديد يأتي المجتمع الجديد.. فهل نحن فاعلون؟

> > >

التعليــقــــات
ملوك الشيخ - جدة، «المملكة العربية السعودية»، 28/03/2010
لا أملك إجابة تليق بسؤالك أستاذي ، ولا اعتقد أن وقت الإجابة قد حان !! تساءلت وجردت الحالة ووضعتها في إطارلا نملك من خلاله إلا الانتظار برأي!!
سآتساءل معك ، هل نحن فاعلون؟
كل الشكر لك ومرحباً بعودتك... افتقدناك كثيراً.
هيثم الشيشاني، «المملكة العربية السعودية»، 28/03/2010
كلمات رزينة و هادفة كعادة كاتبنا الكبير.
أحيانا ً ترتفع قيمة العادات و التقاليد و تأثيراتهما لمستوى ً يقارع نصا ً دينيا ً، و أحايين كثيرة أيضا ً يتمّ توظيف النصّ الدينيّ و تسييسه حسب المصلحة و الظرف.
لو أردنا تجريم كل الدعوات المسمومة تلك لأعيانا ذلك أستاذنا؛ ليس عندي حل ّ سحريّ أو آلية أخرى كعلاج و لكنني أقول أن تغلغل و تفشي ظاهرة تسييس الدين كبير و عميق!
العنصرية و البغضاء لا تولدان معنا و لكنهما متشربتان لأغوص حدود نفسنا البشريّة.
المظلوم ينتظر دوره ليظلم - بحجة ٍانتقاميةِ النزعة أو سواها- و لكنّ ذلك يغذي الحلقة من جديد و يصعّب مقاومتها.
محمد الفديغي، «فرنسا ميتروبولتان»، 28/03/2010
[ فهل نحن فاعلون ؟ ] كيف يا دكتور ؟! ونحن نشاهد مجتمعنا وهو يرتشف الدعاوى المسمومة وكأنما هي عسلٌ يَصبُّ من وادٍ في الجنّة !! فـ بذلك ينقلب التجريم على صاحبه بشكلٍ مقذعٍ مهينٌ للذات الإنسانيّة وفردانيتها ، نظراً للأدلجة القائمة لكلِّ شيء ، وأيّ شيء ، المسيّرة للقطعان بلا هدى، السالبة منهم جميع ما يُعنى بالبصيرة ، المحاربة للتفكير والعقل الفلسفي المبدع المجدد المغيّر الغير قابل بالركود والخمول من حوله . كيف يا دكتور تركي كيف !!
خالد عبدالله، «المملكة العربية السعودية»، 28/03/2010
احسنت يا أستاذ تركي في وصف العنصرية ومنبعها التربوي
قال تعالى: (واذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آبائنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون)
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً)
ومع الأسف أن بعض القضاة العنصريين وعلماء السوء يشرعنون أخلاق الجاهلية والأعراف السيئة ويحكمون بالعادات العنصرية مثل تفريق الزوجين لما يسمونه عدم تكافؤ النسب، ثم يقولون هذا حكم شرعي!! وانه من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون..
ايتها الشريعة الطاهرة كم من مفسدة قد ارتكبت باسمك.
سالم عتيق، «الولايات المتحدة الامريكية»، 28/03/2010
كل ما يتعارض مع فعل الخير مهما كان مصدره لا علاقة للرب به، فسبحانه وتعالى لا يقبل بغير المنطق السليم سبيلا.
عواطف على ( الكويت )، «المملكة المتحدة»، 28/03/2010
ان العنصرية موجودة في المجتمعات العربية وبصورة اكثرقوة ووضوحا في المجتمعات الخليجية ولا ينكر ذلك الا جاهل او معاند، حيث يتم فيها زرع بذور العنصرية ورفض الآخر المختلف والاستعلاء والتمايز بين الناس منذ الصغر، ممايوقع المجتمعات في مستنقع العنصرية البغيض والتي تغذي روح الكراهية والحقد بين الناس، مع ان ديننا الاسلامي يدعوا الى الوحدة الانسانية و قائم على المساواة والعدل بين البشر و رفض كل اشكال التمايز .
حمزة بوقري، «المملكة المتحدة»، 28/03/2010
وهذا بالضبط مايحدث عندنا ... والأمثلة كثيرة ...
الزواج ، التفريق بدعوى عدم مكافاة النسب ...
التفريق بين الرجال والنساء بزعم الإختلاط ، إختراع القرن ..
وغيرها الكثير من ممارسات عنصرية تعلمناها منذ صغرنا من المجتمع ...
حتى غدت مقدسة ...
بدر خليفة المزين، «الكويت»، 28/03/2010
الأستاذ الدكتور تركي الحمد شكرا على المقالة وأشكر وجودك هنا في صحيفتنا الأم الشرق الأوسط
جيولوجي / محمد شاكر محمد صالح، «المملكة العربية السعودية»، 28/03/2010
أستاذ تركي الحمد ارسل الله الرسول محمد صلي الله عليه وسلم خاتما للأنبياء والرسل ليقضي علي كثيرا من الأفات التي أنتشرت بين البشر بعد المسيح عليه السلام وبعد أن حرف من أتي خلفه النصوص الدينية المقدسة التي لايمكن ان تأتي بهذه الأفات مثل الشرك بالله وضياع العبادات مثل الصلاة واتباع الشهوات والكراهية والبغضاء بين الناس كما جاء في سورة مريم الأية رقم 59-60 ( فخلف من بعدهم خلف اضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا * ألا من تاب وعمل عملا صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولايظلمون شئيا ) والقرأن الكريم الذي أنزله الله علي رسولنا محمد يحتوي كثيرا من قصص الأنبياء الحقيقية والتي ليس فيها تحريف او تضلضل ومنها قصص الأنبياء نوح وموسي ويوسف ويحي وزكريا ومريم وعيسي وهناك كثيرا من الأيات التي توضح لماذا خلق الله الناس مثلما جاء في سورة الحجرات الأية رقم 13 ( يآيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثي وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم إن الله عليم خبير )

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال