الثلاثـاء 03 جمـادى الثانى 1431 هـ 18 مايو 2010 العدد 11494 الصفحة الرئيسية
 
سمير عطا الله
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
شجرة كولونيا

ننسى أشكال بعض الزهور والورود، ولا ننسى روائحها. وعندما يتذكر الشعراء والكتاب والتجار والحدادون، الياسمين، يتذكرون عطره. تنقّل الإنسان الأول في الأرض من أجل الطعام، يمر في الحقول فلا تعني له سوى الشبع. تقرأ الآن ذكريات الكتاب والسياسيين عن طفولتهم في الحقول فتجد أنهم يكتبون عن روائح السنابل والهندباء والعشب والأرض بعد المطرة الأولى.

غريب ما تعنيه حاسة الشم في مهرجان الحواس التي تتألف منها حياتنا. كانت نيقوسيا مدينة جرداء، متأففة، غير ودودة. ومثل جميع الجزر وجميع عواصم الجزر، تحذر الغرباء وتخشى أن يطغوا على هدوئها وتتمنى لو ظلوا بعيدا. وكنت أرتاح إلى المشي فيها لأن أرصفتها فارغة وشوارعها الجانبية مثل طرق القرى، هادئة ولا صوت فيها. لكن الانس الوحيد في نيقوسيا كان رائحة الورود الآتية من الحدائق، ورائحة «شجرة» الكولونيا على جدران مقر الشرطة الرئيسي في ساحة المدينة. كل مساء كان عطر الشجرة يملأ الساحة، التي بغير ذلك، خالية من أي رفق.

كانت هيلن كيللر، أشهر عمياء في تاريخ أميركا، تقول إنها من رائحة الناس تستطيع أن تعرف ماذا يعملون، وتعرف إن كان أحدهم «آتيا من الحديقة أو من المطبخ أو من غرفة المرضى». وكانت قاعات القلاع في القرون الوسطى ترش بالزعفران والصعتر لكي تبعد الطاعون. وقد ميزنا الخالق عن بقية المخلوقات، ليس فقط بالعقل، الذي يرفض الإنسان الإقرار بوجوده، أو بالحاجة إليه، بل أيضا بالأنف. نحن الكائنات الوحيدة التي تفتح فمها عندما تعطس، لكي لا تترك الأنف وحيدا في ذلك. وللعطس أهمية كبرى دلالتها بما تردده الناس إذا عطس أحد عطسا: من «فرج» إلى «نشو» إلى «صحة»، إلى مختلف التمنيات التي تختلف بدورها في كل بلد وكل لغة. الإنجليز يقدرون العطسة والعاطس، بحيث يقولون له: «باركك الله».

لماذا كل هذا التوقير للعطسة؟ لأن علماء جامعة روتشستر يقولون إن العطسة تتم بسرعة 80% من سرعة الصوت، بحيث تتمكن من إخراج البكتيريا من أجسامنا. مهمتها الرئيسية أن تنظف أجسادنا. وكان أجدادنا يعرفون ذلك دون الحاجة إلى أبحاث جامعة روتشستر، فكانوا يحملون في جيوبهم باستمرار علبة «عطوس» يتنشقونها. وكانوا طوال النهار: أتشم، أتشم. عليهم الرحمة.

> > >

التعليــقــــات
عواطف علي ( الكويت )، «الكويت»، 18/05/2010
الروائح الجميلة من المؤثرات التي لها وقع ايجابي جميل على النفس ، ولذلك يستخدم العلاج عن طريق الشم في ازالة
التوتر والاكتئاب لان الرائحة لها تأثير على الحالة النفسية وتساعد على الهدوء والسعادة والمتعة لانها مرتبطة بالحواس
والعقل،لذلك تظل الروائح الزكية قابعة في بريق الذكريات .
رزق المزعنن، «فرنسا ميتروبولتان»، 18/05/2010
يرحمك الله ،استاذ سمير ،فمقالك ياسيدي وجبة متنوعة من ثمار الثقافة والعلوم والمعرفة ، وفوق هذا كله سهلة الهضم
،وممتعة الطعم ، و اخاذة الرائحة ، ولم يتبقَ الا جمال الشكل! ،فاي عين يمكنها ان تعمى عن الوان الزعفران
والصعتر!!!!؟،شكرا لك.
حسان عبد العزيز التميمي، «المملكة العربية السعودية»، 18/05/2010
ونقول أيضا في تشميث العاطس يرحمكم الله بعد أن يقول الحمد لله ، فسبحان الخالق الذي علمنا ما لم نعلم ، ولكم امتناننا
على إثارة هذا الموضوع .

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال