لهم آثار هنا وأثر هناك

TT

يلاحظ الدكتور كمال ديب في «بيروت والحداثة» أن أبرز مفكرين فلسطينيين في القرن العشرين أطلقا نضالهما الفكري ضد الغرب والصهيونية من الولايات المتحدة، حيث درسا في أرفع جامعاتها وعاشا حتى الوفاة: الدكتور هشام شرابي في جامعة جورج تاون، والدكتور إدوارد سعيد في جامعة كولومبيا.

ولاحظ أيضا أن الاثنين توجها، في عمق وفي حدة، نحو نقد المثقف العربي ومناشدة المثقف العالمي. شرابي في «المثقفون العرب والغرب» وسعيد في «صور المثقف». ورأى أن مؤلفات سعيد بيعت بعشرات الآلاف في أميركا، فيما بقي توزيعها متواضعا في العالم العربي، مثل كل شيء آخر. وأعطى مثالا آخر على ذلك كتاب «تاريخ لبنان» للمؤرخ فيليب حتي، الذي لا تزال تصدر منه طبعات كثيرة منذ أواخر الخمسينات، فيما لا يزال بالعربية في نطاق الطبعات المحدودة جدا. وقد حدث الأمر نفسه لمؤلفات جبران خليل جبران التي بيعت حول العالم بعشرات الملايين.

ويرى ديب أن شرابي وسعيد وحتي وجبران تركوا أثرهم الحقيقي فقط في الوجدان الأميركي والغربي، فيما بقي اهتمام المثقف العربي بهم احتفاليا أو عابرا أو تظاهريا. فالثقافة ليست فقط كتبا وقراءات، كما ينظر إليها في العالم العربي، وإنما هي بالدرجة الأولى مسؤولية أخلاقية. إنها علامة المعرفة، والمعرفة علامتها الانتشار والتطوير، كما تميز بها العرب في عصورهم الحضارية الزاهية حتى القرن الخامس عشر. يقول: كان العرب القدماء يتمتعون بخمس معارف أصبح اسمها في التراث «علوم الأعراب في عصور الجاهلية»، هي: «القيافة»، في ما يحتاجه المسافر في تقفي الأثر ومعرفة جغرافية الصحارى والبوادي. و«العرافة» في ما يحتاجه من معرفة المجهول، و«الفراسة» في قراءة الملامح، و«الكي» أي المعالجة بالنار، وأخيرا «كيد النساء»، فيما تحتاجه الأنثى للذود عن نفسها حيال الرجل المتفوق. وهذه البدائيات تطورت في العصر الذهبي ما بين دمشق وبغداد والقاهرة والأندلس، إذ أصبحت القيافة علم الجغرافيا والهندسة، والعرافة أصبحت مدارس فلسفية، والفراسة أصبحت أساس علم النفس، والكي كان أساس طب العرب الذي تعلمته أوروبا عبر الأندلس وابن سينا، وكيد النساء أدى إلى الإبداع الفني، على مثال شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»، التي تمكنت من إنقاذ حياتها باختراع الحكايات المسلية، ليلة بعد أخرى، لسلطانها شهريار.

«بيروت والحداثة.. الثقافة والهوية من جبران إلى فيروز» (دار النهار) محاولة جادة أخرى للبحث عن هوية لبنانية لا وجود لها. وأكبر دليل هو الفوارق في أشخاص الكتاب: فيروز وزياد الرحباني وخليل حاوي وجبران ونزار قباني ومحمود درويش وأدونيس. والثلاثة الأخيرون طبعوا بيروت بحب جارف وبنقد مرير.