الثلاثـاء 17 ذو القعـدة 1431 هـ 26 اكتوبر 2010 العدد 11655 الصفحة الرئيسية







 
مشاري الذايدي
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
العرب يحاربون في القمر!

يبدو أننا على وشك الدخول في «حرب أقمار» عربية، بعد حرب النجوم التي كان قائدها الرئيس الأميركي رونالد ريغان في ذروة الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي.

الفرق أن حرب أميركا والاتحاد السوفياتي، في الفضاء، كانت ذات أسباب استراتيجية وبأدوات علمية وعسكرية، للسيطرة على أذن الفضاء وعينه وعضلاته! بينما حرب الأقمار الصناعية هي حرب عربية باردة بين العرب أنفسهم، وبعض جيران العرب، والغرض منها السيطرة على آذان الجماهير الممتدة من المحيط إلى الخليج.

لم يكد وزير الإعلام المصري أنس الفقي يعلن عن إغلاق الشركة المصرية المالكة لقمر «نايل سات» لعدة قنوات دينية، حتى ثارت ثائرة جمهور ونجوم هذه القنوات.

الإغلاق تم، بحسب السلطات المصرية، لأن هذه القنوات لم تلتزم الشروط الموضوعة، وتسببت في إحداث إثارة ضارة، إضافة طبعا لقنوات أخرى تمارس الشعوذة أو الطب المزيف أو الرقية الفضائية، مع قنوات دردشة «إباحية» - حسب الوصف الذي تم تداوله.

بسبب حالة العداء المستفحل بين المعارضة المصرية والسلطات، فُسِّر هذا القرار بشكل سياسي محض، خاصة ونحن على أبواب انتخابات نيابية في بلاد الكنانة، وأُدرِج هذا القرار، حسب تأويل المعارضة في إطار «تكميم الأفواه» ضد النقد، على الرغم من أن هذه الأفواه لم تُكمَّم في صحف مصرية كثيرة مثل: «الشروق»، و«المصري اليوم»، و«الوفد».. وغيرها من الصحف التي تنشر، يوميا، مقالات ومواد صحافية معارضة وناقدة للنظام ولأصحاب السلطة بداية بالرئيس حسني مبارك.. فضلا عن غيره.

ليس الغرض هنا نفي انتقادات المنتقدين للسلطة في مصر، ففيها الصحيح، وفيها الباطل أيضا، لكن المراد قوله إنه لو كان سبب القرار «محض» انزعاج من نقد السلطات المصرية، لكان الأولى بذلك إسكات «كل» أصوات وصحف المعارضة، وهذا ما لم يحصل، إذن لا بد من التفكير بأن ثمة «جديدا» استدعى هذا التدخل الحازم من السلطة المصرية إزاء هذه القنوات.

أمر آخر، أغلب القنوات الدينية الممنوعة ذات طابع ديني مباشر، مؤخرا دخلت على خط المساجلات والنقائض الدينية بين الشيعة والسنة، في جو التوتر العام بين العرب وإيران، ثم كانت، وهذا ما قاله لي صحافي مصري «محايد»، الطامة الكبرى والجرس الخطير حينما أدخل السجال القبطي - الإسلامي في مصر دوامة هذه القنوات المثيرة، وأججت القنوات ملف الفتنة الطائفية وإيقاع الشرخ بين «شطري الأمة» الأقباط والمسلمين، هنا ألقت السلطات بثقلها بعدما لاحظت، والحديث ما زال لصديقي الصحافي المتابع، أن الفتنة هذه المرة أخذت بعدا جديدا وزخما خطيرا بفعل تناول هذه الفضائيات الفاقد لأي حساسية تجاه فكرة السلم الأهلي المصري.

بالنسبة للدولة المصرية، أي دولة سواء حكمها الرئيس حسني مبارك أو غيره، يعتبر موضوع الفتنة بين الأقباط والمسلمين خطا أحمر لا يجوز لأي كان وبأي ذريعة أن يمسه.

القصة مختلفة هذه المرة، وهي ليست محكومة بمعارك المعارضة المصرية تجاه الحكومة، القصة أكبر من المعارضة ومن السلطة، القصة هي مصر نفسها!

الأمر ليس مقتصرا على الساحة المصرية، لأن الداء عم الجميع، وجراثيم الفضاء لا تفرق بين شرق وغرب، فأي قناة تحجز لها مساحة على الـ«نايل سات» تتوجه إلى كل مَن يستقبل على جهازه الخاص قنوات هذا القمر، ونعرف كيف أن شعوبنا، بل جل شعوب الأرض، تحولت إلى كائنات تلفزيونية، فمن يضمن ألا يؤثر كلام هذا الشيخ السني أو المعمم الشيعي، الحافل بالإثارة والتحريض، في هذا المناخ المريض، في مشاهدين آخرين في مجتمعات أخرى لديها هذا التنوع الطائفي؟

نجوم التحريض الديني، ربما لا يدركون، أو لا يرون أن كلامهم من قبيل التحريض بل هو قول الحق! ولأنهم لا يحسنون السباحة إلا في مياه التعبئة الدينية والطائفية، فوجود أزمة هو المطلوب بالنسبة لهم، كيف يستطيع شخص مثل الشيعي (ياسر الحبيب) أو السني (أبو المنتصر البلوشي) أن يملأ ساعات البث بحديث متواصل ما لم يكن هناك سبب للحديث يدعوه لاستمرار شيطنة الآخر وتكفيره، وهل يحسن أمثال هؤلاء غير هذا الحديث؟!

يبقى هنا سؤالان:

هل نعتبر بهذا التأييد لفعل السلطات المصرية من أنصار قمع الرأي الآخر وإلغاء التعددية؟

وهل يكفي ما قامت به الشركة المصرية المالكة للقمر من إلغاء هذه القنوات وتحذير الأخريات؟

بالنسبة للسؤال الأول فثمة نقاش مستفيض، لا يمكن اختزاله هنا، وهو نقاش ينصبُّ على الاختيار بين أولوية الاستقرار أو الحرية العامة؟ أيهما أولى، أن يكون كل إنسان حرا في قول ما يشاء تجاه من يشاء حتى لو تسبب هذا في حصول فتن كما فعل البعض في الكويت تجاه قناة فضائية؟! أو تكون الأولوية لحفظ الاستقرار حتى ولو تم الإضرار بحرية الرأي والتعبير؟

سؤال صعب، والاختيار أصعب، فحرية التعبير هي معنى كرامة الإنسان، كما قال نزار قباني:

أنا حريتي فإن سرقوها

تسقط الأرض كلها والسماء!

لكن، لا نريد أن نقع في هذه الحدية النزارية «الشاعرية»، يمكن السير بين السماء والأرض وتنفُّس الهواء دون أن تسقط علينا السماء. بكلمة أخرى، الإغلاق ليس هو الحل المثالي، قد يكون حلا سهلا، لكن يجب أن لا يكون هو الأساس، فتجربتنا العربية - علاقة السلطة بحرية التعبير - تجربة سيئة، الأصل فيها سوء الظن من الطرفين، لذا يجب المسارعة بوضع إطار قانوني يضبط البث الفضائي والإعلامي عموما، فقد يتضرر من الإعلام الخاص أو العام أفرادٌ ومؤسسات لا علاقة لهم بالسلطة، أو قد يتسبب هذا الإعلام في توتير السلم الأهلي، هي مهمة صعبة، كيف يمكن تشريع قوانين توفّق بين الحفاظ على مبدأ حرية الرأي والتعبير، وفي الوقت نفسه صيانة حقوق الأفراد والجهات وحفظ السلم الأهلي.. هذا هو التحدي الكبير.

السؤال الثاني: هل إلغاء هذه القنوات من القمر المصري كاف؟!

الجواب: لا، فقد أخبرنا موقع «الجزيرة نت» مؤخرا أن المجلس الأعلى للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات القطري عقد اتفاقية شراكة لإطلاق قمر صناعي يحمل اسم «سهيل» مع شركة «يوتل سات» الفرنسية للاتصالات، في إطار صفقة بقيمة 300 مليون دولار. ومن المقرر أن يدخل القمر مرحلة التشغيل أواخر عام 2012 على أن يقوم بتغطية منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

كما قرأنا، في صحيفة «الشرق الأوسط»، أن إسلاميين مصريين أعلنوا عن مبادرة لإطلاق «قمر صناعي إسلامي» ردا على قرار السلطات المصرية إغلاق عدة قنوات دينية، وأكد منتصر الزيات، محامي الجماعات الإسلامية، أنه هو صاحب تلك المبادرة، هربا من رقابة الدول العربية.

كيف الخلاص من هذا المأزق غدا إذا تناسلت هذه القنوات بالعشرات والمئات واحتشد الفضاء بالتحريض بين الشيعة والسنة والمسيحيين - فكل فريق متطرف من هؤلاء لديه منابره الضارة التي تستحق الإغلاق - كيف سنتنفس؟!

الرهان على الوعي لدى المتلقي رهان بطيء ونتائجه غير مؤكدة، يبقى الرهان على أمرين: إما اقتراح حل ملزم للجميع «لا تفنى فيه الغنم ولا يُقتَل الذئب»، أو أن نراهن على يقظة ضمائر أصحاب هذه الأقمار والتسامي على مكائد السياسة وغرائز الانتقام لصالح السلم العام... أو أن تشرق شمس العقل لتكسف هذه الأقمار المزدحمة في ليل القلق، لتمحو آية النهار آية الليل..

m.althaidy@asharqalawsat.com

> > >

التعليــقــــات
يحيي صابر شريف -مصري- السعودية، «فرنسا ميتروبولتان»، 26/10/2010
الفوضي الذي نشاهده في بعض الفضائيات لاشك سوف يكون له اثر سلبي علي شعوبنا العربية والاسلامية وخاصة اذا
اخذنا في الاعتبار الأمية الثقافية التي تغطي المنطقة بأثرها وشعوب المنطقة بصفة عامة شعوب متدينة تعطي اذنها لكل
من يلعب علي وتر الدين وهناك مرضي السلطة الذين يستغلون ذلك لازكاء روح البلبلة في صفوف المواطنين حتي يفقدوا
الثقة في النظم الشرعية وبذلك يعظم دورهم في انتظار اللحظة المناسبة للوثوب الي سدة الحكم وياليتنا كعرب اتفقنا علي
كلمة سواء علي الأقل فيما يقال وما يجب ان يقال وان يكون للجامعة العربية دور حقيقي في تحجيم الفوضي الفضائية التي
باتت تهدد مجتمعاتنا وبالذات بعد التفكير في اطلاق اقمار اخري قد تساعد علي الفرقة وخاصة ان اصحابها اهدافهم
معروفة سلفا 0
ناصر بوصالح، «فرنسا ميتروبولتان»، 26/10/2010
استاذي الفاضل مقالك جميل وموضوعي ولكن اتمنى منك ان تكون بليغا فيه بمعنى ان تبتعد عن الاطالة والحشو لاننا والله
استوضحنا فكرتك من بداية المقال اما الباقي فحشو لافائدة ترجى منه . ولك جزيل الشكر والتقدير على سعة صدرك
لقراءك ومحبيك وتقبلك لنقدهم اللاذع لك ياغالي
جيولوجي / محمد شاكر محمد صالح، «المملكة العربية السعودية»، 26/10/2010
قرار الحكومة المصرية بغلق بعض القنوات التي تثير الفتنة صحيح ولكن كان يجب أن يطبق علي الجميع وليس علي
القنوات الأسلامية فقط فهناك ايضا قنوات تساعد علي نشر الفساد عن طريق اثارة الغرائز للشباب سواء اولادا او بناتا
وهناك ايضا رجل أعمال معروف مسيحي يهاجم رموزا أسلامية اكثر من مرة وهذا ايضا يثير الفتنة ويجب ان لايكون
مسموح له ذلك لو أردنا أن نطبق القانون شاملا علي الجميع أما ان نطبق علي جهة دون أخري فهذا يثير حفيظة المسلمون
في مصر والذين هم أغلبية تصل الي 75 مليون مسلم وعلي مر التاريخ في مصر المسلمون يراعون شعور أخوانهم
المسيحيون ولكن للأسف في الأونة الأخيرة بزغ شنودة باشعال هذه الفتنة مرة أخري بتحديه تطبيق القانون المصري
وسعيه لعمل قانون كناسئ ضد قوانين مصر وهذا ايضا يثير حفيضة المسلمون في مصر يعني الفتنة سببها شنودة الذي
نفاه السادات من قبل في وداي النطرون لخطورته علي النسيج الوطني في مصر لذلك واجب علي الحكومة المصرية ان
تحد من تصرفات وتصريحات شنودة لأنه سبب مباشر في الفتنة التي لو حديث تأكل الأخضر واليابس في مصرنا الحبيبة
التي نتمني ان يقيها الله شر هذه الفتن القاتلة ولعن الله من يوقظها
أبو محمد الحربي، «المملكة العربية السعودية»، 26/10/2010
أستغرب شخصيا التناقض الذي وقع فيه أستاذي الفاضل حيث أكد أنه ضد الإغلاق ، يمكن السير بين السماء والأرض ونتنفس الهواء، ثم يذكر فكل فريق متطرف لديه منابر ضارة كيف سنتنفس؟ يا سيدي إنها حرية التعربير: نعم مالمانع من كثرة هذه القنوات المتطرفة. ممتاز- ورائع، إنه الحراك الكبير فإما أن يكسبوا المعركة ، وإما أن يكسب المعركة صوت العقل والمنطق. إن كثرة هذه القنوات مفيد. لماذا ؟ في تصوري فمع مرور الوقت ستخسر رصيدها في الشارع. و ربما تكون دافع للدول العربية ،أن تتحرك كثيرا باتجاه نظام عربي غير مترهل. ملاحظة أخرى: مارأيك في الإعلام حاليا وما يعرض من أغاني عربية ساقطة بكل معنى الكلمة حتى مختلفة عن الأغاني الغربية الجميلة، يؤسفني أستاذي وأنت كاتب رصين أن تبتعد عن الحياد !!!
سالم باعشن، «فرنسا»، 26/10/2010
لا حرب نجوم ولا أقمار. الذي يحدث ببساطة المجتمعات العربية تحاول أن تقفز لمرحلة العولمة دون أن تمر
بالحداثة.وهذا يثير إشكالية حادة مع السلطة التي يعز عليها أن ترى نفوذها ينكمش ويتراجع. فمن باب تأكيد الذات بدأت
تجرب مدى قدرتها على كمكمة الأفواه بغلق بعض أو كثير من القنوات الفضائية، وبغض النظر عن التبريرات التي تقدمها
السلطات فان العملية محكوم عليها بالفشل من البداية، فالقنوات ستعود وستعود. مناخ الحرية الذي يعطي المشاهد الحق في
أن يرى، يسمع ثم يقرر ما يصلح له هو المناخ المناسب. الشعوب في بلدان العالم الثالث اليوم بدأت تخرج من شرنقة
الوصاية الوالدية فما على السلطة إلا أن تتكيف مع الأوضاع الجديدة وألا تقف في وجه التيار.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2017 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام