الاثنيـن 20 جمـادى الاولـى 1432 هـ 25 ابريل 2011 العدد 11836 الصفحة الرئيسية







 
سليمان جودة
مقالات سابقة للكاتب
إبحث في مقالات الكتاب
 
نبيل العربي.. كما كنت!

العلاقة بين مصر وإيران، منذ مجيء الدكتور نبيل العربي وزيرا للخارجية في القاهرة، تستحق المتابعة الدقيقة، وهي متابعة لن تكون فقط مرهقة، بحكم التعقيد الذي تبدو عليه خيوطها الممتدة في كل اتجاه، لكنها سوف تكون ممتعة للعقل، وربما مثيرة أيضا.

فما كاد الدكتور نبيل يستقر علي الكرسي في مكتبه على النيل، عضوا سياديا في حكومة الدكتور عصام شرف، حتى بادر إلى الإعلان عن أن إيران دولة صديقة، وأنها ليست عدوا لنا في مصر، وأن القاهرة تفتح صفحة جديدة في علاقتها بنظام الملالي في طهران، وأنه.. وأنه.. إلى آخر المعاني الإيجابية جدا من هذا النوع. وقد وصفت الصحف القاهرية، خصوصا صحيفة «الأخبار» تصريحات الوزير، في حينها، بأنها «ثورة في سياسة مصر الخارجية»!

بعدها بأسبوع، أخذ الوزير «العربي» خطوة إلى الوراء، بعد أن كان قد قفز عدة خطوات إلى الأمام، فقال إن مصر ملتزمة بأمن دول الخليج، وقال أيضا ما معناه، إن الإعلان عن فتح صفحة جديدة مع إيران ليس معناه التخلي عن التزام بلاده بأمن منطقة الخليج إجمالا، وهو أمن وصفه الدكتور نبيل بأنه خط أحمر، لن تسمح القاهرة من الاقتراب منه، لأن الخليج عموما يمثل عمقا استراتيجيا لمصر، ويظل بالتالي، جزءا من أمن مصر القومي.

وكانت هذه الخطوة، التي قطعها الوزير إلى الوراء، بمثابة إعادة للتوازن إلى تصريحاته الأولى، أكثر منها تراجعا عن شيء قاله، لأنه من الواضح أن تصريحات الرجل في البداية كان فيها شيء من التسرع غير المبرر، أولا، وشيء من القفز فوق ثوابت في سياسة مصر الخارجية، ثانيا، وإن كانت بطبيعة الحال تعبر عن براعة من جانب الوزير، في اللعب بعدة أوراق في وقت واحد.

ففي التصريحات الأولى، كان الوزير يتطلع بعينيه الاثنتين معا، إلى إيران، ليكتشف بعدها أن القلق قد انتاب الخليج كله، بعد تصريحاته، ولم يكن أمامه مفر، والحال هكذا، إلا أن يعيد النظر في الطريقة التي يتطلع بها إلى هناك، وكانت نتيجة إعادة النظر من جانبه، أنه راح يتطلع إلى إيران، من خلال تصريحاته الثانية، بإحدى عينيه، بينما كانت العين الأخرى على الخليج، ودول الخليج!

ومع أن هذه النبرة المتوازنة قد جاءت لتعبر عن وجدان كل مصري، لا يرى عيبا في أن تعيد بلاده علاقتها الطبيعية مع إيران، بشرط ألا يكون ذلك على حساب علاقتها مع دول الخليج الست، فإن هذه النظرة، رغم توازنها، من جانب الوزير، يبدو أنها لم تكن مريحة على أكثر من مستوى، خارج مصر، وليس في داخلها بالطبع.. وليس أدل على ذلك من أن الخارجية المصرية قد عادت، صباح الأربعاء الماضي، لتؤكد، من دون مناسبة ظاهرة، أن العلاقات مع إيران ليس فيها جديد. وقالت السفيرة منحة باخوم، المتحدثة باسم الوزارة، إنه لا يوجد أي اتفاق بين القاهرة وطهران على رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي إلى درجة سفير، وإنه لا يمكن لمثل هذه الخطوة، أو هذا الإجراء، أن يتم الإقدام عليه من طرف واحد، وإنما بموجب اتفاق بين البلدين.

ومن جانبه، قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، في اليوم نفسه، إن تطور العلاقات بين القاهرة وطهران، في مصلحة البلدين، ثم قال ما معناه، إن المعلومات حول قرار تعيين سفراء أو أي قرارات أخرى، تبدو متسرعة قليلا، وإنهم مستعدون للقيام بخطوات إلى الأمام، عندما يكون الأشقاء في القاهرة مستعدين لاستئناف العلاقات. وقال: «سوف نبحث تعيين سفير لدى مصر، في أول فرصة ممكنة».

والواضح جدا أن أشياء كثيرة قد جرت تحت السطح، من تصريحات الوزير العربي الأولى، خصوصا، ثم الثانية، عموما، وأن هذه الأشياء التي جرت قد راحت تترجم نفسها إلى أشياء أخرى ظاهرة، لا يمكن للعين أن تخطئها، ويمكن إيجاز هذه الأشياء الظاهرة في ثلاث خطوات على وجه التحديد:

الأولى من جانب مصر، وتتعلق بجولة خارجية سوف يقوم بها رئيس الوزراء الدكتور عصام شرف، هذا الأسبوع، إلى ثلاث من دول الخليج، ويمكن التخمين بأنه لم يكن من الممكن أن يذهب رئيس الوزراء المصري إلى الدول الثلاث، وهي الإمارات، والكويت، والسعودية، عارضا أن يكون هناك تعاون أكبر، على أكثر من مستوى، بين القاهرة من جانب، وعواصم الدول الثلاث من جانب آخر، بينما مصر تتكلم عن صداقة جديدة سوف تقوم غدا، بينها وبين إيران، التي كانت ولا تزال تواصل التحرش بدول الخليج الست، وكان آخر تحرش قامت به، أنها راحت تهدد السعودية بـ«غزو أجنبي» في حالة ما إذا كان.. وكان!.. لذلك، بدا أنه ربما يكون من الأوفق أن «تضبط» القاهرة من سرعتها في اتجاه إيران، بما يبعث على الاطمئنان لا القلق في المنطقة.

أما الخطوة الثانية، التي ربما دعت إلى «ضبط» حركة مصر تجاه إيران، فهي أن رئيس وزراء إسرائيل قد أعلن عن القلق البالغ، تجاه تصريحات أخيرة صدرت في مصر، خصوصا تصريحات الوزير العربي، وحين يصدر هذا الكلام عن رئيس الوزراء الإسرائيلي، فلا بد أن يكون له صدى في القاهرة، ليس لأن الوزير العربي سوف يرسم سياسة بلاده الخارجية، ويمارسها كما تحب وترضى إسرائيل، وإنما لأن هناك مواءمات معينة، في السياسة الخارجية إجمالا، لا بد من مراعاتها، واللعب بها، وعليها!

وأما الخطوة الثالثة والأخيرة، فهي ما صدر عن الخارجية الأميركية، حين قال مارك تونر، المتحدث الرسمي باسمها، إن إعلان مصر عن استعدادها لاستئناف علاقتها مع إيران قد يكون مفيدا، وإن القاهرة سوف تكون شريكا في الإعراب عن دواعي القلق الدولية إزاء برنامج إيران النووي.

وهنا، يمكن إبداء ملاحظتين أساسيتين على كلام الخارجية الأميركية.. الملاحظة الأولى، أن المتحدث باسم الخارجية يصف استعداد القاهرة لاستئناف علاقتها مع طهران بأنه قد يكون مفيدا.. وعندما يأتي الكلام في صيغة «قد» فهو يعني الاحتمالية، بمعنى أنه قد يكون مفيدا، وقد يكون العكس، من وجهة النظر الأميركية.

والملاحظة الثانية أن مارك تونر يقول إن القاهرة سوف تكون شريكا في الإعراب عن دواعي القلق الدولية، إزاء برنامج إيران النووي.. وهذه عبارة كما ترى، تشير بشكل غير مباشر إلى أن الاحتمال الثاني هو المرجح، في العبارة الأولى، وإلا، فكيف يمكن أن يكون استئناف القاهرة لعلاقتها مع طهران، مفيدا، في نظر أميركا في وقت سوف تشارك فيه مصر دول العالم في الإعراب عن القلق، إزاء ذلك البرنامج النووي الإيراني؟!

هذه الخطوات الثلاث على بعضها، من أول جولة عصام شرف في الخليج، ومرورا بتصريح رئيس وزراء تل أبيب، وانتهاء، بتصريحات المتحدث الرسمي باسم الخارجية الأميركية، يمكن أن تنفع كمدخل لفهم طبيعة ومبررات التغيير الذي طرأ، فجأة، على ما كان الدكتور نبيل العربي قد صرح به ابتداء!

وربما يكون الذين خدموا في الجيش يعرفون أن هناك عبارة تأتي دائما في صيغة الأمر، وهي عبارة يصيح بها القائد تجاه جنوده، عندما يريد منهم أن يتوقفوا عن فعل شيء، كان قد أمرهم به، وأن يعودوا إلي حالتهم الأصلية، أو الأولى، التي كانوا عليها في البداية.. هذه العبارة هي «كما كنت».. فهي، بمعناها، تصف حالة الدكتور نبيل العربي، مع إيران، منذ جاء، ثم الآن، على أدق ما يكون الوصف!

> > >

التعليــقــــات
محمد صالح، «فرنسا ميتروبولتان»، 25/04/2011
لا مقارنه بين اهمية دول الخليج لمصر واهمية مصر لدول الخليج واهمية ايران لمصر ، ايران كنافخ الكير .
ramadan، «المملكة العربية السعودية»، 25/04/2011
يبدوا ان المارد الذي ولد في 25 يناير في مصر اراد ان يسمع الذين من حوله انه قد ولد بين احضان الحرية ولا معقب
لما يريد ونسي ان ينظر الي مكانه والميراث الذي ورثه من تاريخه وتجارب من سبقوه فقط عليه ان ينظر حوله حتي يعلم
اين يضع قدمه قبل ان يسمع كما كنت.
حسان عبد العزيز التميمي، «المملكة العربية السعودية»، 25/04/2011
إنّ الكثير من دول العالم تقيم علاقات اقتصادية مع إيران رغم تحفظها، أو انتقادها لنظامها السياسي الخارجي، لذا فإنّ الخطوة التي أقدم عليها رئيس الوزراء المصري مع إيران هدفها التعاون الإقتصادي والاستفادة من بعض خبراتها في المجالات المتقدمة، دون ان يكون هنالك تأييد، أو إعجاب بنظامها السياسي، وهكذا تفعل الدول المتقدمة التي تتمتع بالنظم الديمقراطية مع الدول الدكتاتورية، فهي تتعامل معها اقتصاديا دون أدنى حرج، وربما بسقف مرتفع، وما ذلك إلا لتحقيق الأهداف البراغماتية التي تنتهجها، دون النظر الى نظامها السياسي، ولا توقف مصالحها مع تلك النظم الشمولية انتظارا إلى أن تصبح ديمقراطية، وهذا هو عالم اليوم الذي لا يدركه الكثيرون.
جيولوجي / محمد شاكر محمد صالح، «المملكة العربية السعودية»، 25/04/2011
تصريحات العربي تجاه التقارب مع ايران فيها شئيا من التسرع لأن تصرفات ايران في منطقة الخليج والعراق لاتبشر ابدا
بخير علي المدي القصير او المدي الطويل وكذلك في لبنان من خلال حزب الله والعربي يعلم جيدا ايضا ان ايران لم تطلق
كبسولة تجاه دولة صهيون منذ خمسون عاما واكثر والشئ الوحيد الذي نذكره لأيران هو ماقدمة الشاة للسادات اثناء حرب
73 من خلال شاحنة بترول لذلك علي المسؤلون المصريون في مناخ ثورة 25 يناير ان يضبطوا تصريحاتهم الخارجية
لأن ثقل مصر في الشرق الأوسط ليس بالهين لكي نطلق مدافع تصريحات تؤدي الي ضرر لمصرنا الحبيبة
إبراهيم شاكر، «المانيا»، 25/04/2011
أنا لا أحب النظام الإيراني ولا تصرفاته الصبيانة في بعض الأحيان، ونظام الملالي أو نظام الولى الفقيه لا يطبقونه كما في
الإسلام، لكن لماذا لا نستفيد من كراهية الجميع للنظام ونظهر أو نوضح لهم أسباب ذلك مثل تدخلهم بشكل كريه في
الشئون العربية مثل إحتلالهم 3 جزر إمارتية وتدخلهم السافر في البحرين ورعايتهم الدائمة لحزب الله ليس كطائفة شيعية
وحسب ولكن كمسمار في الجسد اللبناني ضد السنة والطوائف الأخرى، أما إسرائيل عدوه اللدود - كما يعلنون - فلم نراهم
فعلوا أى شييء إيجابي تجاه القضية الفلسطينية سوى مساعدتهم لحماس بشق الصف الفلسطيني وإحتلالهم لغزة! ودفعهم
لحزب الله بضرب إسرائيل بالصواريخ الكرتونية مما أفقد لبنان الجنوب كله، والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا بدلا عن كل
هذا الإستعداء والعداوة أن نستفيد من العلاقة بمحاولة إصلاح ما أفسدته يد الملالي وإلا فيمكننا إستخدام اللفظ الميري الذي
ورد في مقالة الأستاذ البدري {كما كنت} أى لنعد كما كنا ولكني لا أعتقد حيث دخول الحمام ليس مثل الخروج منه.
رامي نابلسي، «فرنسا»، 25/04/2011
التقارب المصري الإيراني يعني ثلاثة أمور إستقلالية القرار و التحرك المصري عن المحور الأمريكي الإسرائيلي الذي
كانت تدور في فلكه أيام مبارك و إمكانية إقامة علاقة ندية مفيدة مع إيران قد تمكن مصر من الضغظ و لعب دور إيجابي
في العلاقة الإيرانية الخليجية و أخيرا إمكان الإستفادة بكل براغماتية و برودة دم من إنجازات إيران تماما كبراغماتية
الدول الغربية في تعاملها مع أنظمة فاسدة
أحمد حسن، «الامارت العربية المتحدة»، 25/04/2011
لا أعلم إلى ماذا يهدف الوزير نبيل العربي في تصريحه، فهو اولا وزير خارجيه مؤقت منوط به تسيير أعمال وزارة
الخارجيه خلال مرحله مؤقته فلماذا يبادر بالإدلاء بتصريحات لا تخرج إلا من عضو حكومه منتخب من قبل الشعب،
الأفضل ان ينتظر حتى تأتي الحكومه المنتخبه التي تستطيع شرعيا وقانونيا ان تصدر مثل هذه التصريحات ،ثانيا لماذا هذا
التهافت على طهران فمصر مبارك لم تتوتر علاقتها من إيران من فراغ بل توترت كنتيجه لمحاولات إيرانيه للتوسع ومد
نفوذها الإقليمي، وإيران بهذه العقليه الحاليه لا تريد شريكا سواء مصريا او تركيا او سعوديا بل تريدهم ان يكونوا تابعين
لها وتحت نفوذها، ثالثا: لا داعي لدول الخليج بأن تتأثر بمثل هذه التصريحات فحاجة مصر لدول الخليج أكبر بكثير من
حاجة دول الخليج لها، والعلاقات الخليجيه الإيرانيه هي أوفر حظا للتطورمن مثيلتها المصريه الإيرانيه إذا ما تغيرت
العقليه الإيرانيه الحاكمه، رابعا: على ما يبدوا فإن الوزير لم يستطع ان يبقى ساكتا عما كان يجول بنفسه طوال هذه
السنوات وباح عما بنفسه ثم عاد ليراجع وليوازن سلبيات وإيجابيات تصريحاته بعقلية الربح والخساره.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2017 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام