الاثنيـن 20 جمـادى الاولـى 1432 هـ 25 ابريل 2011 العدد 11836 الصفحة الرئيسية







 
بلال الحسن
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
خطر الانفصال الذي يرافق حركات التغيير!

أحيانا تكون الأحداث مليئة بالتفاصيل. تتلاحق التطورات يوما بعد يوم، بل ساعة بعد ساعة. ولكن هذا لا يعفي من ضرورة إلقاء نظرة شاملة، أو تمتد قليلا إلى الأمام.

في ملاحقة التطورات، نرى مواقف، ونرى آراء، ونرى صدامات. ولكن في النظرة الشاملة التي تستشرف، نرى نوعا خفيا من المخاطر، هو الذي يرسم صورة النتائج للأحداث، ويقرر ما إذا كانت ستؤول إلى ما هو إيجابي أو إلى ما هو سلبي.

نقول هذا بسبب ما يجري حولنا، وفي أكثر من عاصمة عربية، من تظاهر ومن غليان. ونقوله أيضا بسبب خطر يلوح أمام الأنظار، يبرز أحيانا بفتور، ويبرز أحيانا بقوة. إنه احتمال الانقسام والانفصال والتشرذم.

نبدأ من ليبيا، حيث يلتقي الليبيون مع العرب مع القوى الدولية. هبة شعبية ضد حاكم من نوع فريد، لا يتورع أن يرد على تمرد شعبه بقصف الطائرات وقذائف المدافع. هذا هو الجانب الأول من الصورة. أما الجانب الآخر فهو أن البلد مهدد بالتقسيم. أن تتخلص من الحاكم وأن يتقسم البلد، هذا هو الخيار النهائي. ولا نقول هذا كاستنتاج أخلاقي أو كاستنتاج سياسي، ولكن نقوله كاحتمالات تفرض نفسها وكأنها شيء أقوى من الاحتمالات. ففي ليبيا شرق وغرب. شرق يسيطر عليه الثوار، وغرب يسيطر عليه الحاكم. وفي الوسط من ذلك منطقة صراع وتجاذب. منطقة كر وفر يموت فيها الناس، ويتم تدمير المنشآت والمصانع والبيوت. هنا يتدخل العامل الدولي. تأتي الدول العظمى بطائراتها وأحلافها العسكرية (حلف الناتو). يقولون إنهم سيتدخلون لحماية المدنيين. يطرب الثوار لذلك، ويبدأ القصف. وتبدو الصورة ميالة لصالح الثوار. وهنا.. وفجأة.. يتوقف القصف، تنسحب دولة عظمى من الصراع، وتقول دولة عظمى أخرى إن الحل لا يمكن إلا أن يكون سياسيا، فتختل المعادلات، ويعود الحاكم ليسيطر هنا وهناك، وتتجمد الصورة نسبيا، الثوار في الشرق والحاكم في الغرب، وتكاد ترتسم في الهواء صورة بلدين، أو صورة إقليمين، ونبدأ في سماع تحليلات من أصحاب الطائرات والأحلاف تقول: إن الحرب في ليبيا قد تطول. ومعنى ذلك على الأرض، أن الثوار سيبقون جامدين في سيطرتهم على الشرق، وأن الحاكم سيتجمد في سيطرته على الغرب.

هنا نتذكر أول اجتماع غربي بعد انفجار أحداث ليبيا بيومين أو ثلاثة. الغربيون أصحاب القيم يجتمعون ليبحثوا كيف يمكن لهم أن يحموا المدنيين. يقول المندوب الألماني كما نقل ذلك مراسلو التلفزيون بالصوت والصورة، إن ليبيا كانت طوال تاريخها مكونة من ثلاثة أقاليم. وبعد هذا القول تدور الأحداث وتدور، ويتجسد أمامنا شبح إقليم الشرق وشبح إقليم الغرب، ويلتقي التوقع مع الواقع. وهنا يثور سؤال: هل كان الأمر مجرد توقع، أو أن هناك من يريد لهذا الانفجار الشعبي أن يتجمد عند نقطة الانفصال؟

ننتقل من شمال أفريقيا إلى جنوب آسيا العربية. من ليبيا إلى اليمن، حيث نشهد نشاطا شعبيا فريدا من نوعه، حيث عشرات الآلاف يتظاهرون في الشارع يوميا مطالبين برحيل الحاكم، وحيث عشرات الآلاف يتظاهرون يوميا في الشارع الآخر مطالبين ببقاء الحاكم. ويتكرر المشهد يوما بعد يوم، وتطول الأيام، وتنعقد الاجتماعات بين الغاضبين والمؤيدين، وتكون المفاجأة أن السفير الأميركي جالس بين الحضور. ما الذي جعل السفير الأميركي يجلس في لقاء كهذا؟ يقولون إن الحاكم كان حليفا لأميركا. ويقولون إن أميركا تخلت عنه. ولكن كل هذا لا يهم، فهذه هي الوقائع وكفى.

وتبدأ آلات التلفزيون في الانتقال من هذا الزعيم إلى ذاك، ومن هذه المظاهرة في «الشمال» إلى تلك المظاهرة في «الجنوب». من صنعاء إلى عدن، ومن تعز إلى لحج وأبين، ويرتفع علنا شعار الانفصال، انفصال «الجنوب» عن «الشمال»، كما كان الحال عليه طوال فترة الاحتلال البريطاني، وخلافا للحال يوم الإعلان عن اتفاق الوحدة عام 1990، وخلافا كذلك لحال المواجهة العسكرية التي انتهت بتكريس وحدة الشطرين، وانهزام الذين أرادوا العودة بالشطر الجنوبي من اليمن إلى وضعه السابق.

لقد صنع الجنوبيون والشماليون إنجاز الوحدة بينهما، صنعوه بالحوار والمفاوضات لا بشيء آخر، وصنعوه بدستور متفق عليه لا بالإجبار أو الإكراه. ثم اختلفوا واصطدموا وتقاتلوا، ولكنهم حافظوا على وحدتهم، وهنا بدأ الخلل. بدأ قادة الشمال «المنتصرون» يتصرفون وكأنهم انتصروا على عدو، وبدأوا ينكلون بهذا العدو، بدأوا يتفننون في اجتثاثه من الحياة السياسية، وفي إقصائه عن كل مهمات إدارة الحكم أو إدارة البلد. وشمل ذلك كامل المنظومة التي كانت حاكمة في الجنوب سابقا، من الأعلى إلى الأسفل، ومن القادة إلى الجنود، ومن الزعماء إلى الأتباع. وأصبح الاجتثاث والإقصاء هو قاعدة العلاقة السياسية بين الطرفين. ثم جاء رد الجنوب على هذا الخطأ الفادح حاملا خطأ فادحا آخر، إذ بدلا من المطالبة بإصلاح الأخطاء، وبدلا من المطالبة بالتعامل الموضوعي مع قوى الجنوب السياسية والاجتماعية بعيدا عن عقلية الاجتثاث والإقصاء، ارتفع في الجنوب شعار الانفصال من جديد. وما إن لاحت نذر الانفجار الشعبي الجديد، حتى اندمج الغاضبون من الجنوب مع الغاضبين من الشمال، ووجد كل طرف أن جهد الطرف الآخر يساعده في مسعاه، وهكذا نبتت من داخل حالة الغضب ضد الحاكم، دعوة الانفصال، ودعوة العودة باليمن إلى «شطرين»، سواء كانفصال معلن، أو كتستر تحت عناوين «الأقاليم». وهكذا أيضا قد يرحل الحاكم حسب الدستور أو خلافا له، ويعتبر الكثيرون ذلك انتصارا لهم، ولكن هل هو انتصار لليمن؟ وهل ينتصر اليمن حين ينقسم؟ وهل من المحتم أن يكون ثمن الديمقراطية تفتت البلد؟

ولنتذكر أنه قبل ذلك حدث ما حدث في السودان، وانفصل الجنوب عن الشمال. ولا يزال السودان يعيش خطر الانفجار في منطقة دارفور (غرب السودان)، حيث ترتفع أصوات محلية تردفها أصوات دولية تدعو وتبارك باسم المنطق، وأيضا باسم حماية المدنيين، دعوة انفصال دارفور عن السودان، ليصبح السودان الموحد ثلاث دول. ولنتذكر أنه قبل ذلك أيضا، حدث ما حدث في العراق، وجاءنا سيئ الذكر «بريمر»، ووضع دستورا للعراق يقسمه إلى ثلاثة أقاليم، أقاليم تقسم العراق إلى طوائف، وأقاليم تقسم العراق إلى إثنيات قومية.

هذه الأمثلة كلها، وهي أمثلة خطيرة للغاية، تطرح تساؤلا استراتيجيا: هل هذا هو ما يراد للمنطقة العربية؟ وهل من الطبيعي أن يقود النضال من أجل الحرية والديمقراطية إلى تقسيم البلاد العربية؟ ولماذا يأتي التقسيم دائما عندما يكون العامل الأميركي موجودا؟ ولماذا يأتي التقسيم عندما يكون العامل الإسرائيلي فاعلا؟

أسئلة كثيرة لا بد أن يلتفت إليها أصحاب التغيير مهما كانت دوافعهم وطنية، فالدائرة الصغيرة قد تحتويها أحيانا دائرة أكبر ليست من صنعنا.

> > >

التعليــقــــات
كاظم مصطفى، «الولايات المتحدة الامريكية»، 25/04/2011
ونبقى ندور في حلقة امريكا واسرائيل وما تريد وتعمل على تقسيم الدول العربيه وكأننا كعكه قاموا هم بطبخها وتحليتها .
هي العلاقه الوحيده التي نعلق عليها كل مشاكلنا وجرائمنا لبعضنا وكراهيتنا للاخر المختلف عنا قوميا وطائفيا . لنذهب الى
السودان فهل كانت حكومة البشير وقبلها النميري اعطت للجنوب حقوقا متساويه مثل الشمال ثم الجرائم التي حصلت
في دارفور وهؤلاء مسلمون زنوج وحرق قراهم واغتصاب نسائهم من قبل الجنجويد وبمساعدة الحكومه فهل يلومهم احدا
على الانفصال . فاغتصاب حقوق الاقليات والاثنيات المختلفه من قبل الحكومات سواء في العراق وسوريا للاكراد وشمال
افريقيا للامازيغ وتهميش قبائل اليمن الصغيره من القبائل الكبيره المتنفذه كل هذا يتم بصناعة محليه وان صبت في مصلحة
اسرائيل فهي اعمال خيريه تطوعيه نقدمها لها على طبق من ذهب نشتريه بأموال عربيه وليست اسرائليه وهي المصيبه
الكبرى .
مصطفي ابو الخير-مصري-نيوجرسي-امريكا، «كندا»، 25/04/2011
استاذ بلال الحسن المحترم . طرحك واسئلتك هامة جدا ولكن في المقابل لما لم تعمل تلك الانظمة التي اصبح واجبا عليها
الرحيل عن عنق شعوبها كما نشاهد اليوم قبل غدا وأين كان فكر هؤلاء الحكام من المؤامرة الامريكية الاسرائيلية ؟
ودعنا نتقرب ممن ذكرتهم .النظام السوادني الذي كان يعيش في غيبوبة الأسلمة من احتضان اسامة بن لادن الي مركز
تغذية الكثيرون من فلول المتأسلمين بالأسلحة من الصومال الي اليمن وغزهستان اسلحة تهرب بطرق غير قانونية أي
بغير شرعية وعشرات السنين كان من المؤكد أن لايقسم السودان. واليمن الذي أهمل حكام الجنوب بقصد شمالة رغم
توصية أهل الخليج للرئيس صالح. وليبيا التي صال وجال القذافي في العالم بمال شعبة وأكيد زرت أو شاهدت ليبيا في
التلفاز فهل تلك دولة غنية وبترولية ولما لم ينتبه القذافي لتقسيم ليبيا والمؤمرات الأمريكية وهو صاحب الخبرة في هذا
المجال؟ واسمح لي أن اذكرك بسوريا الأسد بن حافظ الأسد ودماء السوريين التي توري محافظات سوريا وليس الجولان؟
ياسيد بلال هناك عتب بحجم مكانتك الكبيرة لدينا لما لا سوريا وشعبها العربي يذبح ويقتل ليل نهار فهل من مانع وماهو
سيدي الفاضل وشكرا
فهد الحمود (أبو حمود)، «فرنسا ميتروبولتان»، 25/04/2011
صدقت استاذ بلال، فلربما أن ثورات الشعوب العربية تستغل من قبل الأطراف الدولية لتقسيم دولنا العربية، في بعض الأحيان يكون المخطط المرسوم أكبر من ان يستوعبه رجل الشارع العادي.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2017 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام