الخميـس 01 جمـادى الثانى 1432 هـ 5 مايو 2011 العدد 11846 الصفحة الرئيسية







 
خالد القشطيني
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
وصية والد لأولاده

عندما أوشكت على الخروج من البيت إلى المستشفى لإجراء عملية القلب الخطيرة، لم أكن في الواقع أتوقع العودة للبيت حيا. طافت في ذهني شتى الأفكار السوداوية. منها ما الذي سيفعلونه بجسمي؟ الدفن هنا مكلف ولا يصح لي أن ألقي بعبئه على أولادي. أستطيع طبعا كعراقي أن أطالب حكومة المالكي بتولي مسؤولية دفني. خطر لي في النهاية أن أتبع ما فعله صديقي شيمعون صبار. أوصي بجثتي للمستشفى لأغراض البحث العلمي. ولكنني تساءلت ما الذي سيتعلمونه من جثة هذا الرجل العربي المسلم؟ فإذا فتحوا رأسي فلن يجدوا فيه غير خلايا أفكار فاسدة. وإذا فتحوا بطني فستهب جراثيم الأمراض الاستوائية في وجوههم. وإذا فتحوا صدري فسيجدون قلبا مثخنا بالجروح.

صرفت فكري عن الموضوع، ففكرت في كتابة وصية من نوع آخر لأولادي. كتبتها ووضعتها في مظروف أخضر كتبت عليه «إليكم جميعا». وضعته على مكتبي ليقرأوه بعد موتي. ولكنني لم أمت كما لا بد أن حضرة القارئ قد لاحظ. كنت أتوقع، وقد بقيت حيا، أن يقرأوها ويضحكوا عليها، ولكن ما حصل كان العكس. قرأوها ثم بكوا:

يا أولادي..

أنا أعرف أنني قد حمّلت قلبي ما فوق طاقته من عذاب وشجون الحب التي تدفقت إليه ومنه، وفي أولها حبي للإنسان وأنثى الإنسان. ولكنني لم أتصور أن هذا القلب سيكون في الأخير قاتلي. قال لي الدكتور إن كثرة الأدوية التي تناولتها تسببت في سد الشرايين. قلت له، كلا يا سيدي. بل هو الحب الذي زحمها عبر السنين ودمرها.

لدينا في تراثنا العربي حكاية فولكلورية عن شيخ أدركه الموت مثلي. دعا أولاده وطلب منهم كومة من الحطب. أخذها وشدها في حزمة، وقال اكسروها. تناولوها وعجزوا عن كسرها. استعادها منهم وفكها وأعطاهم عيدانها متفرقة فكسروها بسهولة. قال كذا البشر. عندما يقفون متحدين متآزرين لا أحد يستطيع كسرهم. ولكنهم عندما يتفرقون ويتنازعون يسهل كسرهم.

يا أولادي قفوا هكذا دائما سوية ولا تتفرقوا كما كنا في هذه الأسرة. من كل حسب قدرته إلى كل حسب حاجته. وتذكروا شعار عائلتنا القشطيني. نتخاصم ونتشاتم ولكننا نقف سوية عندما تلم بنا النوائب.

استغربت أمكم من هدوئي في طريقي للعملية. كان هذا طبيعيا مني. لقد أنجزت رسالتي معكم ولم يبق ما ينبغي لي فعله. لقد سهرت على تعليمكم وتثقيفكم والوصول بكم إلى حالتكم المشرفة الآن. ولكن يا للأسف! يا ليتني أستطيع أن أقول نفس الشيء بالنسبة لأمتي العربية والمجتمع الإنساني عموما.

ما أمتع تلك السنين الطويلة التي قضيتها معكم. شكرا لكم. لم تلقوني بأي مشكلة وأنجزتم كل ما تمنيته لكم. وفي أول ذلك حرصكم على استخدام كل ما تعلمتموه في مساعدة الضعفاء والمقعدين وكل المعذبين على الأرض. ما زلت أتذكركم تمسكون بأياديكم الصغيرة على آلاتكم الموسيقية تعزفون لي ما كتبه باخ وموزارت من ألحان. سأحمل ذكريات تلك الأنغام حيثما سيأخذني الله تعالى. فشكرا لكم.

> > >

التعليــقــــات
كاظم مصطفى، «كندا»، 05/05/2011
ان كان الاولاد يعزفون لباخ وموزارت فلا خوف عليهم ولا يحزنون الموسيقى هي الحياة والسلام والمحبه فكن مطمئنا
عليهم يحفظكم الله ويديم عليكم نعمة الصحه والعافيه .
ياسين عمر كوردستان، «فرنسا ميتروبولتان»، 05/05/2011
صبحك الله بالخير يا استاذنا العزيز بكيتيني والله
سهيل كاظم عبود، «فرنسا ميتروبولتان»، 05/05/2011
لو اجتمعنا سويا في كل المراحل التي مر بها العراق لسقطت انظمه وليس نظام صدام فقط ولكن التشتت والضياع والوشايه
هي التي طولت في حكم الطغاة
عامر كبوته، «السويد»، 05/05/2011
الحمد لله على سلامتك يا استاذنا الكبير , واطال الله بعمرك ويجعلك ذخرا لعائلتك اولا ولقرائك ثانيا . تحيه طيبه يا استاذ
خالد القشطيني مملوءه بالدعاء بالصحه والسلامه من عراقي متابع لادبك الممتع والفذ .
عمار الخطيب، «فرنسا ميتروبولتان»، 05/05/2011
شكرا استاذ خالد على مشاركتك الوصية معنا ... وحمد لله على سلامتك ... اعجبتني الوصية في كونها مختصرة ومعبرة
وصادقة ... وابكتني لأنها ذكرتني بوالدي الذي رحل وتركني وحيداً في هذه الدنيا ولكن ذكراه دائما خالدة
sohail alyamany، «المانيا»، 05/05/2011
يارجل، أنا بكيت، فما بالك بأولادك. شفاك الله وأطال عمرك
أحمد النجفي، «روسيا»، 05/05/2011
وكأني أعرف قلبك من زمن , أنا أثق به كما أنه لن يخذلك .
الدكتورفرج السعيد، «فرنسا»، 05/05/2011
انها طبعاً سمات عراقي اصيل من النوع القديم الذي تربى في العهد الملكي الزاهر على الوطنيه والقيم الانسانيه مؤمن بكل
تواضع ونية حسنه.. لم يؤذي بشر يدرك ان لا مكان في قلبه الا للحب عاش كريماً وان جاء الاجل وهو حق فقد ترك تراثاً
سخياً .... تمنياتي له بالصحه والسعاده وتمنياتي ان يقرأ المالكي والمحاصصة ما كتبه القشطيني عسى ان يتعظوا ؟
نادية...........العراق، «فرنسا ميتروبولتان»، 05/05/2011
ليس اجمل من ان يؤدي الانسان رسالته في هذه الدنيا على اكمل وجه ليعيش او ليموت بعدها مرتاح الضمير,حسن السيرة
ومحترم الذات فما جدوى عيش الانسان لنفسه و على حساب غيره من اجل ملذاته؟اطال الله عمرك ابا نائل(وان شاء الله
متشوف شر)
dachrat taboukar الجزائر، «فرنسا ميتروبولتان»، 05/05/2011
الكلام الصادر من القلب المفتوح ، مفعوله دائما يكون صادق معبر و مؤثر ، إطمئن يا أستاذ خالد القشطيني ، أنت الآن و
الحمد و الشكر لله ، لك قلب مثل الساعة السويسرية ، و هو يؤدي وظيفته بشكل منتظم و عادي جدا ، عليكم فقط بتطبيق
وصية الطبيب الجراح و هي لا شك تنصحك بممارسة رياضة المشي و تناول الفواكه و الخضار ، شكرا لشعورك النبيل
تجاه أولادك و أسرتك ، لقد أديت واجباتك ، فليطمئن قلبك .
عبدالله قليل الغامدي×الرياض، «فرنسا ميتروبولتان»، 05/05/2011
رسالتك معبرة وهي موجهه للعراقيين الأحرار وليس لأولادك خاصة..العراق العربي باعه العملاء بكرسي سلطه منحرفة
الزاويه,,
adnan، «العراق»، 05/05/2011
كلام جميل يا استاذ خالد خاصة انها في اللحظات التي يحس الانسان بين الحياة والموت والعبارات تخرج من دون
تجميل,ولكن الوحدة هذا حلم مزقه الحكام السابقون وحتى جزء من الحاليين ,الموسيقى شيء جميل لكن الاجمل التعبير
مافي داخل النفس عبر كلمات مفيدة ومفهومة لدى عامة الناس على الاقل انت حاولت وكتبت في سبيل الغاء التفرقة الطائفية
زايد الجرادي، «فرنسا ميتروبولتان»، 05/05/2011
خطاك الشر استاذي الفاضل وربنا يخليك لأسرتك الكريمة ولقراءك وبأمانة الحزن يتملكنا على أرض الرافدين ولا حول
ولا قوة الا بالله العلي العظيم
طالب حميد، «فرنسا ميتروبولتان»، 05/05/2011
الحمد اللة على السلامة استاذ خالد، الحب والامل الذى نعرفك بة هو الذى انقذك ياسيدى ستبقى افكارك معزوفة حب
للناشئة وذالك يكفيك اليس كذلك؟

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2017 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام