الاربعـاء 14 جمـادى الثانى 1432 هـ 18 مايو 2011 العدد 11859 الصفحة الرئيسية
 
سمير عطا الله
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
نيويورك.. نيويورك

وصل فرح أنطون، مؤسس مجلة «الجامعة»، من مصر إلى نيويورك بداية القرن الماضي، فوجد مدينة هي الأغنى في العالم، وعاملا يتقاضى ثلاثة أضعاف أجر العامل الأوروبي وثلاثين ضعفا من أجر العامل الشرقي. ووجد أن أميركا تسبق أوروبا في التطور بربع قرن على الأقل. لكنه رأى أيضا مشردين ينامون في الشوارع، وجائعين يصطفون من أجل كسرة خبز واحدة، ومحسنين يتبرعون بـ15 سنتا في الليلة لقاء سرير لمشرد، وأناسا بلا مشاعر يمرون بالمشردين ولا يتوقفون.

وعندما سافرت إلى نيويورك عام 1973، لم أكن قد قرأت «الجامعة» أو سمعت عنها، لكنني توقفت أمام المشاهد نفسها، وأذهلني الفارق بين البشر. وكنت مثل شارة السيارة، أحزن لحظة وأنبهر أخرى. رصيف ترى عليه المشردين ورصيف ترى عليه محلات فيفث أفنيو. عدت مرات عدة إلى المدينة ولم أعد ألاحظ شيئا. ثم غبت عقدا وعدت إليها العام الماضي، بعدما كنت قد قرأت ما كتبه صاحب «الجامعة» عام 1908. ورأيت نيويورك مدينة تتقدم أوروبا بربع قرن. مبانيها لم تعد تنطح السحاب بل صارت فوقه. وفي المساء كنت أمشي في فيفث أفنيو فأرى العشرات من المشردين ينامون في علب الكرتون على درج المباني. ما تغير شيء منذ قرن سوى الطراز العصري. وما زالت نيويورك إما ترمي الناس بالفقر وإما تقدم لهم صدور الذهب ليأكلوا عليها. وكانت تقض حياتي امرأة سوداء تجلس عند إحدى الزوايا في المساء، وهي ترتجف، كلها ترتجف، مثل عصافير الصقيع. وكنت أجمع لها «الفكة» طوال النهار وأحملها إليها في المساء. ولم يكن في مقدورها أن تلتفت إليَّ بسبب الارتجاف. ويوم كنت أذهب ولا أجدها، تتحكم بي رعشة عقدة الذنب. ويوم لم أتمكن من الذهاب إلى زاويتها أحاسب نفسي على القصور.

ليست هذه نيويورك وحدها، على مدى العقود. هذه هي المدن الكبرى في كل مكان. مجمع للغرباء القادمين من الجهات كلها والأرياف كلها. نصحت «الجامعة» المغتربين عام 1908 بالانصراف إلى الزراعة بدل العمل في المصانع والفبارك. وقدمت لهم الأمثلة على تربية البقر والدجاج. تكلفة البقرة الحلوب في العام ريالان، وربحها الصافي ريال. أو «لحلوح» بحاله، كما يقول المصريون. لكن فاتها تفصيل بسيط، هو أن المغتربين هاربون من شقاء المزارع والوحدة مع الأبقار والحرث في الأراضي الصخرية.

أشعر بحنين إلى نيويورك: حديقتها العظيمة ومتاحفها ومكتباتها، وأشعر بعقدة ذنب حيال المرتجفة السمراء، بثوبها الأسود البالي. وإذا كانت «تمثل» ذلك الدور، كما يقال في الشحاذين، فأتمنى أن تصبح سيدة المسرح في برودواي.

> > >

التعليــقــــات
هشام محمد شطا، «مصر»، 18/05/2011
أحى فيك دفء مشاعرك ولفتاتك الكريمه,في المدينه نفرك العفويه من أيدينا ونتعلم بعض الحيل التى تعين على الحياة!
تنكسر القلوب وتذوب وهى تقاوم الرجوع بحجج واعتذارات يخايلها الأمل فيبدو قريب المنال فيشد العزم حيناً ثم لا يلبث
أن يروغ ويزوغ فتنفرط دمعه حجبها الأمل طويلً !
تراحيب عبدالله الرويس، «الولايات المتحدة الامريكية»، 18/05/2011
لقد لفت نظرك أستاذي ما لفت نظري , فعلا المشردين في أميركا حالتهم مؤسفة جدا ً , لا أنسى منظر رأيته في الشارع
لرجل مشرد يحتضن فتاة مشرده في آخر الليل من قسوة البرد , وقسوة الناس
.
سامي البغدادي--تورينو، «ايطاليا»، 18/05/2011
انها اضواء المدن الكبيرة ،تجذب انظار الحالمين والقادمين اليها من المدن المظلمة نهارا فتسحقهم في ازقتها ليلا,,.كفعل
المبيدات مع الحشرات الراقصة حول انوارها!!ليست نيويورك وحدها انها لوس انجلس وسان فرانسسكو والقائمة تطول
،هنا في اوروبا ايضا وبفعل الهجرات غير الطبيعية من العالم الثالث والرابع والعاشر اصبح التسول ظاهرة مألوفة خاصة
قرب الفنادق الراقية وامام المتاحف والمعالم الاثرية ،ازداد عدد ماسحي زجاج السيارات المتوقفة لبرهة بفعل الاشارات
الضوئية ناهيك عن السرقات وعمليات النشل في الحافلات والقطارات والنوم في اجمل الحدائق التي تحولت الى مرافق
صحية واسعة فانتحرت الورود والازهار احتجاجا على ما حل فيها من خراب !!انها مأساة المدن الكبيرة ...
مازن الاعور ( لبنان )، «فرنسا ميتروبولتان»، 18/05/2011
كلام جميل و وصف دقيق لكن يا سيدى لماذا لا نتكلم عن المشردين فى بعض الدول العربية الغنية عندما
ياتون اليك يطلبون بعد الفكة و انت داخل االسيارة متوقف على الاشارة.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال