الثلاثـاء 18 رجـب 1432 هـ 21 يونيو 2011 العدد 11893 الصفحة الرئيسية







 
مأمون فندي
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
لملمة نفايات الحرب الباردة

كتبت، في الأسبوع الفائت، مقالا طرحت فيه أن ما يحدث في منطقتنا العربية ليس ثورات بل هو بيوت قديمة تنهار في سياق ما سميته «تحلل دولة ما بعد الاستعمار» في العالم العربي، الذي لم يكن بدايته في تونس، بل بدأ بتفتيت السودان الذي نراه الآن على قطعتين وقد يصبح 4 أو 5 قطع في القريب العاجل.. إذن السودان كان البداية، ثم تلته تونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا. هذه التحولات كلها، كما شرحت في المقال سالف الذكر، قد تأخذ أشكالا مختلفة تتراوح بين النموذجين، نموذج تونس الهادئ ونموذج السودان الانشطاري، يعني أن المشهد سيكون، في أقصاه، التمزق الكامل للدولة أو انشطارها إلى نصفين، وفي أدناه ما نراه اليوم في تونس، وإلى حد ما في مصر، على الرغم من أن تفكك الدولة في مصر ليس بمستبعد جدا، على الرغم من أنه لن يصل إلى حالة السودان، أو ليبيا، أو اليمن، لكنه قد يقترب من الوضع في سوريا في نهاية المطاف. ومع ذلك يبقى تحلل دولة ما بعد الاستعمار واحدا من ثلاثة مفاتيح أساسية لفهم ما يجري حولنا في الشرق الأوسط الآن. أما المفتاحان الآخران، فأحدهما هو فحوى هذا المقال (لملمة نفايات الحرب الباردة)، أما المفتاح الثالث للفهم فهو داخلي لكل دولة على حدة يفهمه الباحثون المختصون في كل دولة بطريقة أعمق مائة مرة مما أكتبه هنا. ولنبدأ بالمفتاح الثاني للفهم، الذي يرمي إلى أن ما نراه في العالم العربي اليوم هو ليس مجرد ثورات، لكنه جزء من لملمة نفايات الحرب الباردة بين المعسكرين الشيوعي، الذي كان متمثلا في الاتحاد السوفياتي آنذاك، والنظام الرأسمالي العالمي، الذي تقوده الولايات المتحدة ومعها أوروبا الغربية.

ما من شك أن رؤية العالم من التفاصيل، من كل بلد بمفرده، تعطي انطباعا مضادا للفكرة الكبرى التي ترى أن ما نشهده هو «لملمة أو عملية كنس لنفايات الحرب الباردة»، إلا أن المشهد لا يمكن أن يظهر بصورته المتوازنة إلا من خلال طرح الصورة الكبيرة للمشهد جنبا إلى جنب مع الصورة التفصيلية لكل دولة، فثوراتنا في العالم العربي وأخواتها في أوروبا الشرقية، التي حدثت من قرابة ربع قرن مضى واستمرت حتى نهاية القرن العشرين، وإسدال الستار على مشهد صربيا ويوغوسلافيا القديمة.. كلها ثورات عظيمة في حد ذاتها، لكن لا يمكن عزلها عن التغيرات التي حدثت وتحدث كل يوم في المشهد الاستراتيجي العالمي الكبير.

بالطبع، كل ثورة على حدة وفي داخل حدود كل دولة لها ديناميكياتها الخاصة، ولها زخم تأييدها الشعبي الجارف، وربما لجميعها معجبون خارج الحدود أيضا، ولها جميعا، دون شك، دور في تشكيل العالم الجديد الذي نشهده الآن. لكن الصورة العالمية بشكلها الأوسع، بداية من براغ إلى صوفيا، أو منذ سقوط جدار برلين وتحلل الاتحاد السوفياتي، إلى نهاية صدام حسين في العراق، وانهيار نظام نجيب الله في أفغانستان، ومن بعده نهاية نظام طالبان.. هذه المشاهد كلها مجتمعة أراها في إطار «لملمة نفايات الحرب الباردة»، وأعرف أن هذا التعبير فيه شيء من الحكم القيمي الذي قد يرفضه الفاعلون في الثورات العربية الفائرة، ولكن يقبله أهل أوروبا الشرقية الآن؛ لأن هناك مسافة بين ثوراتهم وبين حالهم اليوم. يعرفون أن ما حدث لهم كان لملمة لنفايات الحرب الباردة، كان شيئا أشبه ببقايا الأسلحة، والصفيح الذي نراه ملقى على الطرقات في نهايات الحروب، وهاهم الآن، وبعد أكثر من 20 عاما، يبدأون العمل الجاد من أجل بناء ديمقراطيات حقيقية في بلدانهم.

إذا نظرنا إلى المشهد العربي الآن نجد أن الثورات تفجرت في عالم حلفاء الاتحاد السوفياتي القديم: سوريا، مصر، ليبيا، وإلى حد ما اليمن، أو نصف اليمن، حتى تونس، التي اتخذت منها منظمة التحرير الفلسطينية مقرا لها، أما من كانوا من البدء مع المنتصر، أي مع المعسكر الرأسمالي، فوضعهم أفضل بكثير ممن تحالفوا مع الروس. حتى حال إسرائيل العجيب نجده منقسما إلى نصفين: نصف يعاني أمراض دولة ما بعد الاستعمار، والنصف الثاني، الذي يحقق لها بعض التوازن على الأقل من الخارج، هو أنها كانت مع المنتصر في الحرب الباردة، تلك المعركة الكبيرة التي تلت الحرب العالمية الثانية حتى سقوط حائط برلين مع نهاية ثمانينات القرن الماضي.

في سياق لملمة نفايات الحرب الباردة يمكن قراءة الحرب على الإرهاب برمتها بشكلها العالمي كمفهوم ينظم عملية كنس هذا الصفيح الملقى على الطرقات، من أفريقيا حتى أفغانستان حتى أميركا الجنوبية وجماعات الفارغ في كولومبيا. كذلك يمكن قراءة نهايات جنرالات منطقتنا الذين تعلموا في الاتحاد السوفياتي، أو رؤساء دول ممن ارتبطوا بذلك النظام الذي تحلل مع غورباتشوف. ما نراه في سوريا ومصر واليمن وتونس وليبيا، بكل تأكيد، هو جزء من تلك الظواهر الكبرى مثل «تحلل أو موت دولة ما بعد الاستعمار في الشرق الأوسط»، وكذلك «كنس نفايات الحرب الباردة»، وعملية إزالة النفايات لا تنتهي تماما؛ لأن منطقة كالعلمين مثلا في مصر ما زالت مرصعة بألغام زُرعت في الحرب العالمية، فليس من المعقول أن تنتهي نفايات الحرب الباردة تماما، لكننا بكل تأكيد في مراحلها الأخيرة. فقط نفهم الثورات العربية عندما نضع التفاصيل الصغيرة لكل دولة مع الظواهر العالمية الكبرى، عدا ذلك يبقى الفهم نرجسيا وقاصرا.

> > >

التعليــقــــات
محمد فاضل، «الولايات المتحدة الامريكية»، 21/06/2011
اتفق مع الكاتب ان مانشهده هو ردات لانهيار الاتحاد السوفيتي وان كانت التقديرات تشير الى اننا سنتبع ثورات اوربا
الشرقية بوقت اقصر الا ان اوربا الشرقية اقرب للحضارة الغربية منا وهي جار مهم لاوربا لذا طال معنا الوقت . السؤال
الذي اود ان اطرحه على الكاتب القدير هو كيف ستكون ردة فعل الشعوب العربية بعد سقوط الانظمة المتهالكة؟ هل سنعيد
تجربة اوربا الشرقية في تقلباتها السياسية؟ ام ستكون التجربة العراقية هي الاقرب؟
محمد الغنام، «فرنسا ميتروبولتان»، 21/06/2011
مرحبا بك أستاذ مأمون، وأشكرك على المقال وتحليلك الجميل..اسمح لي أن ألخص وجهة نظري في جملة واحدة هي :
الشعب عايز فلوس ! ..كل الثورات التي قامت كانت بسبب الوضع الاقتصادي المتردي والفقر المستشري كسبب رئيس
ويكاد أن يكون الوحيد، أثّر في كل النواحي الاجتماعية والامنية والسياسية والنفسية .. إلخ.طبعاً هذا المنطق يمكن أن
ينسحب على كل المجتمعات بغض النظر عن معسكراتها!.وشكراً لك.
qasyon damascus، «الامارت العربية المتحدة»، 21/06/2011
الأستاذ مأمون المحترم، كيف يمكن مقارنة النظام في سوريا مع النظام في مصر أو الحالة السورية مع الحالة المصرية، ولا يوجد أي تشابه وخاصة فيما يتعلق بالمؤسسة الحاكمة التي هي بالأساس الجيش والأمن، ففي مصر ورغم كل الفساد فإن المؤسسة العسكرية مؤسسة وطنية وليست طائفية أو مناطقية بل هي تشمل كامل الوطن المصري على عكس ما نجده في سوريا.
yousef aldajani، «المانيا»، 21/06/2011
الحقيقة انني العبد المتواضع في السياسة العالمية والعربية اجد في هذا التحليل لما اسميتة لملمة نفايات الحرب الباردة هو
بعيد جدا جدا عن الثورات العربية الشعبية واقول شعبية لانها ليست من جيش او حزب او جماعة او دولة اجنبية او
مؤامرة ولا دخل لها لا ب روسيا والاتحاد السوفيتي ولا بالولايات المتحدة الامريكية ولا باحد فانها ثورات داخلية قامت
للدفاع عن الفساد والظلم والجهل والمرض والركود ومراكز القوى سنين طويلة والشعوب تقاسي ان كان في زمن الاتحاد
السوفيتي الفقير ام في زمن الولايات الامريكية التي تتخبط في العدالة والحرية وليس لها صاحب ولا صديق وهؤلاء هم
الذين يحشرون انوفهم في مسيرة حياتنا ويحاولون تجيرها لحسابهم بتوظيف قادة الامة لحسابهم والان قد اختلف الامر
فالقيادة في يد الشعب كل الشعب والقائد سيكون من الشعب ومراقب من الشعب اما عن ما يحدث في العالم من افغانستان
الي كولومبيا الي اوروبا الشرقية الي السودان الي تونس ومصر وسوريا وليبيا واليمن كما ذكرت فلكل بلد ودولة ثورتها
الشعبية تختلف نتائجها عن الاخرى وما يحدث من تداعيات في دولة ليس بالضرورة ان يحدث مثلها في اخرى وانها ليست
نفايات بل ثورات مجيدة
محمد نور الدين، «المملكة العربية السعودية»، 21/06/2011
أختلف مع الكاتب! إذ لا علاقة لحركة التغيير العربية الحالية بـالحرب الباردة؛ فلم يكن العرب طرفاً فاعلاً فيها كدول شرق أوربا، وإن اصطلى العرب بنارها. بل إن حكام تونس ومصر واليمن كانوا من أقرب حلفاء الغرب، عندما عصفت بهم رياح التغيير. وقد لحقهم على الدرب حاكم ليبيا، بعد أن غيّر مرجعياته. حتى حاكم سوريا، كان ولا يزال وجها مفضلاً لدى الغرب.
إن ما حدث كان بفعل داخلي بحت، أجّجه استبداد نظام الحكم، الذي ضيق على الشعب أسباب العيش والأمن. بل إن الغرب ـ الذي لم يتوقع هذا التغييرـ كان من المعارضين له في البداية، حتى استقام المنسم، فتفهم الغرب وتناغم مع الأحداث. وفي هذا أبلغ دليل على ألاّ علاقة لهذه الأحداث بالحرب الباردة. نعم، لقد بدأ الأمر بما يشبه العبث ، من قبل المدونين على الانترنت، الذين تداعَوْا إلى الخروج إلى الشارع ، دونما رابط يربطهم، أو قيادة تنظمهم، أو أهداف محددة تجمعهم. وهذا هو السبب الرئيس لحالة التيه والقلق التي تعيشها حركة التغيير العربية الآن!. ولم تستقم الأمور على الأرض للمحتجين على نظام الحكم، إلا بعدما هبت الجماهير المطحونة اليائسة البائسة،ودعمتها. هكذا إذن تفهم الأمور!
حسن الاسواني، «الكويت»، 21/06/2011
سلمت يدك يدكتور علي هذا المقال الرائع من عملاق الكتابة في العالم العربي
مروة سلامة، «الكويت»، 21/06/2011
لافض فوك ولا جف قلمك يادكتور
يوسف عمر، «المملكة العربية السعودية»، 21/06/2011
تحية طيبة سيد فندي ليست الولايات ألمتحدة ألامريكية وأروبا وحدهم من يقود الرأسمالية بل ألانظمة العريبة هي أساس
الرأسمالية والدليل أنظر ما يحدث في أقتصاد الدول العربية شركات بترول والغاز تدها تمتلك نسبة مالا تقل عن 50%
في أنشطة المقاولات وألازياء!!! بعد ثورة مصر وزج رؤوس النظام في السجون ظهرت فضيحة لم ينتبه لها حتي
المحللون وهي أنه الشخصيات نفسها تمتلك في الغاز وألازياء والترفيه والتغذية والصحة والتعليم!!

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2017 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام