الخميـس 20 رجـب 1432 هـ 23 يونيو 2011 العدد 11895 الصفحة الرئيسية







 
حسين شبكشي
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
أي «جمعة» حزن لا

كان عهد العالم العربي حتى وقت قريب هو أن يوم الجمعة يوم هدوء وراحة وتعبد وذكر وصلاة وتجمع عائلي، يتبادل فيه الجميع التحية، ويخشعون بالقدر المتاح، وينصرفون عن هموم الدنيا قليلا.. حتى مع دخول عالم التقنية الحديثة كانت الجمعة موعدا لتناقل الأدعية والأماني بجمعة مباركة.. حتى جاء ربيع العرب وثوراته الجارفة، فباتت الجمع لها أسماء ومواقع ومهام ورسائل وشعارات وأهداف، تجيش فيها الشوارع والمدن والبلاد، ولكن تسقط فيها الأرواح أيضا وتزهق النفوس عبثا.

من المسؤول عما يحدث في «الجمع» العربية هذه كلها؟ هل هي الجموع المسيسة المندسة المتطرفة الخائنة التي خرجت في الشوارع بناء على توجيه الغير لتثير الناس وتعبث بأمن البلاد؟ أم أن المسائل المتعلقة بالكرامة الإنسانية والإحساس المقيت بالذل والمهانة وصلت إلى حد لا يمكن قبوله ولا تفهمه ولا التعايش معه، وفاض الكيل وأصبح المواطن البسيط يواجه نقطة اللاعودة، وتحطم صنم الرهبة وتدمر حاجز الذعر والخوف؟

الأنظمة العربية المستبدة التي لم تقرأ شارعها جيدا استغلت شعوبها وفصلت دساتيرها على «مقاس» ضيق جدا يناسب العائلة المحيطة بالحاكم، فاحتكرت السلطة واستولت على الاقتصاد في استغفال تام لكل الناس. وليت الأمر وقف عند هذا الحد، لكن كل ذلك كان يجير بأنه يتم بناء على رغبة الشعب نفسه، وبمطلب شعبي جارف وعارم، وبنسب مئوية هائلة!

قسمت هذه الحكومات شعوبها إلى ثلاثة أنواع من المخلوقات: أرانب، وهي مجموعة تعيش في حالة رعب دائم لا تستطيع أن تتفوه بكلمة خشية العواقب، ولا تأخذ أي موقف، وهي في حالة استقرار دائم على «السور» تشاهد بعيون مفتوحة ومندهشة باستمرار وأفواه مكممة من الرعب. وهناك فئة الحمير، وهي فئة يعتقد النظام الحاكم أنها ستصدق أي شيء سيقوله لها مهما كان كذبا أو تلفيقا أو تزييفا، فهي تعودت على هذا النوع من التواصل وهذا النوع من الخطب السياسية، و«ستفاجأ» وتصدم لو تم استخدام غير هذا الأسلوب معها. وهناك نوع ثالث هو الخرفان، وهي عبارة عن مجموعة من القطيع تسير خلف بعضها بعضا بلا وعي ولا إدراك ولا دراية لما تفعل أو تقول، فاليوم نندد، وغدا نؤيد، وغدا نعد بأننا سنفدي فلانا بالروح والدم، وبعد غد سنبكي ونولول ونندب حظنا. إنها تقسيمة فئوية مناسبة جدا لكل حاكم ونظام متسلط ومستبد. لكن «ديمومة» واستمرار هذه الشرائح على حالها مسألة مستحيلة، فالأرانب ستنحصر وستدفع دفعا للنزول من على السور وتبني موقفا مع تفاقم الأوضاع، والحمير سترفع عاجلا أم آجلا شعار «لا للاستحمار» لتنفض عن نفسها الذل والاستعباد، والقطيع سينفك عندما يلاحظ ما يحدث أمامه من تساقط إلى الهاوية السحيقة.. هذه سنة الكون وسنة الله في الأرض.

أراقب بتمعن الخطاب الإلهي لكليم الله موسى عليه السلام وهو يقول له «اذهب إلى فرعون إنه طغى».. لم يقل له اذهب إلى فرعون لأنه أشرك ولأنه كفر، بل لأنه طغى، فالطغيان والظلم مظلمة عظيمة عند الحق عز وجل كما يتضح في القرآن الكريم الذي خصص لقصة موسى وفرعون الكثير من الآيات للتدبر والاتعاظ والتفكر. لكن لا أحد يتعظ، ولا أحد يدرك حرمة الدماء التي أزهقت مقابل الكرسي والمصالح المحيطة بالكرسي. إنها أنانية الذات وجبروت المنصب والقدرة على الظلم. مهما كان القائد ملهما ومفوها بالكلمات ومهارة إلقاء الخطب والكلمات الرنانة فإن الحكام الذين تفردوا بالسلطة عبر برلمانات مزورة ودساتير مشوهة وانتخابات غير صحيحة، وجاءت إليهم المناصب عنوة أو غصبا أو ورثة، حين تنتفض شعوبهم فإنها تريد سماع كلمات واضحة ومحددة «تعهد بتسليم السلطة في وقت زمني محدد للغير»، حين لا تقال هذه الكلمات يكون هناك استخفاف بالعقول، ومحاولات لتسويف المطالب وتزييف الحقائق على أرض الواقع، وإبراز أمور أخرى لا علاقة لها بأصل المشكلة ولب الموضوع، وهذا طبعا يفاقم المشكلات، ويرفع ثمن الإصلاح وتكلفة البناء.

الثقة اهتزت، والفجوة كبرت واتسعت بين الشعوب الثائرة وحكامها، ولا أحد يتعظ، ولا أحد يفهم، ولا أحد يستوعب. ها هي جمعة جديدة تحل علينا من دون إصلاح ولا تغيير ولا استيعاب لما يحدث في ليبيا واليمن وسوريا، وسفك الدماء سيستمر، والصمت العربي المعيب يتواصل، وبالتالي لا يمكن الاستغراب ولا التعجب من التدخل الغربي والتركي في شؤون البلاد العربية ما دام الوضع العربي بهذه الهشاشة. جمعة جديدة تحل والحزن بادٍ على الوجوه في أكثر من موقع، ومراسم العزاء والجنازات والقمع والوحشية مستمرة بلا توقف. لكن للطغاة والظلمة يوما، وللشعب المقهور المظلوم أياما. ولقد وعد الله عز وجل وأقسم بعزته وجلاله بأن ينصرن المظلوم ولو بعد حين.

hussein@asharqalawsat.com

> > >

التعليــقــــات
جيولوجي / محمد شاكر محمد صالح، «المملكة العربية السعودية»، 23/06/2011
مرض الطغيان والأستبداد الذي اصاب دولنا العربية خلال الستون عاما الماضية للأسف توطن من جسم هذه الدول وترك
بها بصمات مرضية واضحة ولكي تتخلص منها هذه الدول لأبد لها ان تستمر في ثورتها الي ان تقتلع جذور فساد هذا
الطغيان والأستبداد فمصر مثلا للأن توجد بؤر صديدية تعج بفساد الحكم السابق ومحاسبة الحاكم يلتفون عليها فساعة
يقولون مريض بالسرطان وساعة يقولون مكتئب وساعة يقولون له اتباع سوف يتظاهرون من اجله وساعة يقولون لديه
رصيد هنا او هناك الي اخر الأخبار الملفقة التي تدل علي وجود فاسدين مازالوا يعبثون في مصر للأن ولا أدري لماذا لم
تجتث رؤس هذا الفساد حتي تستقيم الأمور فليس من المعقول ان نبني بيت جديد علي بقايا فساد واضح للعيان ولماذا
استمرار شيوخ السلطة في المسؤلية مثلما كان يحدث في ايام مبارك ؟ اين دور الشباب الذي ضحي من اجل مصر ؟ولماذا
المسؤلين الأن يقولون ليس من حق أن أحد ان يقييم أدائنا ؟ اذن مالذي تغير في مصر؟ مبارك ومن معه في السجون
المكيفة والمجهزة فقط لاغير اما السياسة كماهي اذن سوف يعود الفساد والأفساد مرة اخري وسوف ياتي حاكم يجعل
الشعب كالقطيع مثلما كان يحدث من قبل والله المستعان
سالم السالم، «فرنسا ميتروبولتان»، 23/06/2011
هي جمع حزن بلا ريب وحزن بلا شك . لكنها جمع عزة وكرامه. جمع استاعد الناس من خلالها مكانتهم اللائقة بهم. فهم
عرفوا تقسيم الحكام لهم فهبوا يقولوا للطبيب الذي صنفهم بانهم جراثيم ليقلوا له :انت لا تعرف التصنيف. الجراثيم لن تبقى
في الجسد الى الابد .وقد قررنا ان نزيلها فاختر مكانا يليق بك .ففي جده او أي مدينه في المملكه العربية السعودية مكان
لكل سفاح مستجير . فالمملكه لازالت تحتفظ باخلاق العروبة الاولى الا وهي ان تجير من يستجير .
عبدالله بن قليل الغامدي@الباحة، «فرنسا ميتروبولتان»، 23/06/2011
إذا زرعت محبة الشرطة في عقول المواطن العربي وتغيرت مهنتها من إهانة وإذلال والبطش الشرس بالمتهم سواءاً بريئ
أو متهم وتحقيره وتخويفه والنظر إليه بإزدراء واللطم وغيره وبالذات اثناء التحقيق-ولماذا ننتزع الإعتراف بالقوة!نظام
الغرب في المرافعات مذهل ..
عواطف علي الكويت، «الكويت»، 23/06/2011
ماذكره الكاتب من تقسيم الشعوب الى أرانب وحمير وخرفان أجلكم الله في حكومات الأنظمة العربية المستبدة هو واقع
مؤلم حزين فيه انتهاك للحرية وهذا هو من أهم أسباب خراب البلاد والعباد وكأن الأوطان مزارع ورثوها عن آبائهم فتم
تحويل الناس الى قطعان وانعام والأوطان الى مزارع خاصة .

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2017 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام