الثلاثـاء 01 رمضـان 1432 هـ 2 اغسطس 2011 العدد 11935 الصفحة الرئيسية
 
هاشم صالح
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
بن لادن نرويجي؟

هل يمكن اعتبار وحش التطرف والإجرام اندرس بريهنك برييفيك بمثابة بن لادن أوروبي أو نرويجي؟ إلى حد ما، بل إلى حد كبير. نفس الهوس بالهوية الدينية ونفس التصميم والإصرار على الدفاع عنها حتى عن طريق قتلها أو قتل أصحابها قبل أعدائها من أجل العظة إذا لزم الأمر. لولا العيب لقلت: ومن الحب ما قتل! قلت العيب لأني أرفض أن أقرن كلمة الحب المقدسة بشخصيات من هذا النوع. الفرق الوحيد الذي إن لم يكن يعذر بن لادن فعلى الأقل يفسر ظاهرته: هو أن بن لادن نتاج نظام تعليمي خطأ منتشر انتشارا كبيرا في معظم أنحاء العالم الإسلامي. هذا في حين أن هذا الوغد الذميم النرويجي ينتمي إلى واحد من أرقى بلدان العالم وأكثرها استنارة من الناحية الفكرية.

لو كان برتغاليا أو بولونيا أو صربيا لفهمت الأمر إلى حد ما. ذلك أن الأصولية المسيحية لا تزال منتعشة نسبيا في هذه البلدان. أما في النرويج، وفي البلدان الاسكندنافية التي هي أرقى من سويسرا فإن الأمر غير مفهوم على الإطلاق. كيف يمكن تفسير الظاهرة؟ عن طريق شيئين: عدم نشر صورة تاريخية واقعية عن الإسلام والمسلمين في الغرب. فقط صورة البعبع التي تم نشرها وتعميمها بعد تفجيرات «القاعدة» وبن لادن هي المسيطرة. إنها الصورة الأكثر سوادا والموروثة عن العصور الوسطى أيضا. ثانيا: عن طريق إهمال الحكومات الغربية للجاليات الإسلامية إذ ترفض فتح كليات لتدريس الدين الإسلامي بطريقة علمية حديثة كما تفعل المعاهد الكاثوليكية والبروتستانتية.

وما دام الأمر كذلك فإن المسلمين الفقراء عموما لن يستطيعوا إعطاء صورة مستنيرة عن دينهم وتراثهم في أوروبا. وسوف يظل اليمين المتطرف يستخدمهم كبعبع لتخويف الناس منهم في حين أنهم هم الخائفون والقلقون على مستقبلهم ومستقبل أبنائهم بسبب البطالة والعطالة والتهميش والاحتقار. هناك فرق آخر بين ضربة 11 سبتمبر (أيلول) الإجرامية ومجزرة أوسلو التي لا تقل إجرامية: هو أنه حتى حركات اليمين المتطرف الأوروبي أدانت بوضوح المجزرة الأخيرة هذا في حين أن غزوة نيويورك لقيت الترحيب والتصفيق من قبل معظم الحركات الأصولية في العالم الإسلامي بل وخارجه. ولم تدنها الشخصيات الإسلامية الأخرى إلا من رؤوس الشفاه كرفع للعتب أو كتلبية لطلب هذا المسؤول أو ذاك.

هناك سؤال ثالث يفرض نفسه: هل يعقل أن تظل هناك شخصيات مريضة بالأصولية إلى مثل هذا الحد حتى في بلدان أوروبا التي استنارت دينيا وعلميا وفلسفيا منذ مائتي سنة على الأقل؟ نعم يعقل. فمؤرخو الحداثة يقولون لنا إنه تظل هناك جزر معزولة في المجتمع حتى بعد أن يصبح حديثا مستنيرا من أقصاه إلى أقصاه. تظل هناك أقلية تعيش بعقولها في العصور الغابرة وأجسادها في العصور الحديثة. تظل هناك أقلية متزمتة رافضة لأفكار الحداثة بل وتخونها وتكفرها كما يفعل هذا الأفاق النرويجي. فهو يلقي باللائمة على الحركات الماركسية المؤمنة بتعددية الثقافات وانحلال الثقافة الأوروبية في الثقافات الأخرى وبالأخص الإسلامية، والعياذ بالله! وأي شخص محدود المعرفة يعرف أنه لم يعد هناك من أثر يذكر للماركسية في أوروبا بعد سقوط الشيوعية وجدار برلين. ولكنه يقصد بالماركسية هنا كل الحركات الإنسانية والتقدمية الأوروبية بدءا من عصر النهضة الإيطالية وحتى اليوم. وبالتالي فيريد تسفيه كل ذلك تحت اسم الماركسية.

هناك شيء آخر أصبح مؤكدا الآن: وهو أنه حصل تحالف وثيق بين حركات اليمين المتطرف الأوروبي وحركة اليمين الصهيوني الأوروبي والعالمي أيضا. وهذه ظاهرة جديدة نسبيا لأن اليمين المتطرف الأوروبي كان من ألد أعداء اليهود سابقا. ولكن يبدو أن كره الإسلام والخوف منه جمع بين الطرفين مؤخرا. والدليل على ذلك أن هذا المجرم النرويجي يشيد بنتنياهو والحركة الصهيونية باعتبارها خط المقاومة الأول ضد الإسلام والعرب. وهذه الإشادة تحرج حكام إسرائيل ولذلك نلاحظ أن وسائل الإعلام الغربية تحاول تمريرها تحت ستار كثيف ومريب من الصمت.

ولكن لا أحد يستطيع أن يحجب الحقيقة. فالشبيبة الرائعة التي مزقها الوحش إربا إربا في جزيرة «يوتوياه» كانت ترفع في مؤتمرها المغدور شعارات تدعو لمقاطعة إسرائيل والاعتراف بالدولة الفلسطينية في سبتمبر المقبل في الأمم المتحدة. وقد رد عليها وزير الخارجية قائلا: لا فائدة من مقاطعة إسرائيل ولكن ينبغي أن تكون للفلسطينيين دولتهم، وينبغي أن يتوقف الاحتلال، وينبغي هدم الجدار. وينبغي أن يتحقق كل ذلك فورا من الآن. تحية إذن ومحبة للشهداء الذين سقطوا هناك. وينبغي علينا منذ الآن فصاعدا ألا نأخذ الغرب ككتلة واحدة صماء بكماء عمياء معادية لنا ولقضية الحق والعدل كما يفعل الأصوليون المتطرفون الذين هم حلفاء موضوعيون لمجرم أوسلو. فالشبيبة النرويجية في قسمها الأعظم لا يمثلها إطلاقا هذا الوحش المفترس. على العكس تماما. فهي مفعمة بالأفكار النهضوية والتنويرية والإنسانية التي صنعت مجد الحداثة والحضارة الأوروبية منذ القرن السادس عشر وحتى اليوم.

بقيت كلمة أخيرة: هذا الرجل لا علاقة له بالمسيحية الحقة، دين المحبة، مثلما أن المتطرفين عندنا لا علاقة لهم بالإسلام الحنيف، السمح، المتسامح. والدليل على ذلك أنه يهاجم الكنيسة البروتستانتية التي ينتمي إليها عائليا هجوما عنيفا بقدر ما يدافع عن الصهيونية المتطرفة والنازية. بل ويهاجم البابا الذي كنا نعتبره رأس الحربة ضد الإسلام منذ محاضرته الشهيرة في جامعة راتسبونغ. إنه يصفه بأقذع الأوصاف لأنه اختار طريق الحوار مع المسلمين. فهو ينعته بأنه شخص جبان، رعديد، فاسد، غير كفء أو غير جدير باحتلال منصبه، وبالتالي غير شرعي. لماذا؟ لأنه لا يدافع عن المسيحية بالقدر الكافي ولا يتصدى للمسلمين كما فعل البطل شارل مارتل في معركة بواتييه!

هكذا نكون قد فهمنا نوعية الرجل. ولكنه ليس فردا معزولا إلى الحد الذي نتصوره. صحيح أن الغرب في مجمله أدانه إدانة قاطعة. ولكن ينبغي العلم بأن حركات اليمين المتطرف في تصاعد مقلق في شتى الأقطار الأوروبية. وهذا ما حذر منه أحد كبار القادة الأوروبيين ذوي النزعة الإنسانية، ثاباتيرو. كما حذرت منه جريدة «البايس» الإسبانية التي انتقدت بشكل صريح موقف قادة اليمين الأوروبي الحاكم الذين يغضون الطرف عن أطروحات اليمين المتطرف بل ويلتقون معه جزئيا في حربه ضد التعددية الثقافية في البلدان الأوروبية: أي ضد الاختلاط الإسلامي - الأوروبي الذي سيغني أوروبا وينعشها إذا ما حصل. وسوف يحصل! فالإسلام الأخلاقي الروحاني حظ لأوروبا بقدر ما أن أوروبا التنويرية المفعمة بروح العقلانية العلمية والفلسفية حظ للإسلام.

والمستقبل لحوار الحضارات وتقاطعها وتحالفها من أجل خدمة البشرية جمعاء وليس أبدا لصدام الحضارات والأحقاد التاريخية.

> > >

التعليــقــــات
مازن الشيخ، «المانيا»، 02/08/2011
ليس دقيقا على الإطلاق وصف سفاح أوسلو ببن لادن، لأن الثاني يمثل حركة فكرية عقائدية متطرفة لكنها ذات شعبية وانصار وامتداد جماهيري واسع، بينما يمكن القول بثقة قريبة من الواقعية أن الأول لا يمثل إلا نفسه، أو نفر قليل لا وزن ولا تأثير لهم على أي مستوى، فالمجتمع النرويجي بغالبيته المطلقة يعتبر من أرقى الأمم، وأكثرها انسانية وتحضرا، لكن ذلك لا يمنع من أن يظهر فيها مثل هذا المعتوه الذي لم يستطيع ان يقنع عاقلا بدوافع ارتكاب جريمته النكراء، وكان أمامه ألف طريقة ووسيلة لمحاربة الإسلام، دون ايذاء الابرياء من ابناء شعبه، لذلك لا يمكن تصديق ما سيق من ادعائات، حتى لو كان هو شخصيا من تفوه بها، ولابد من ان وراء تلك العملية سرا لم يُكشف حتى الآن. ولكنه لن يبقى سرا الى الابد. اخيرا لابد من الاشارة الى ان السفاح كان يعاني من شخصية مضطربة, وكان معزولا حتى عن عائلته, وقد قرأت تصريحا لوالده ادعى انه لم يلتقي به منذ 12 عاما, رغم انهما يعيشان في نفس المدينة, ولذلك لابد من التحدث بأنصاف وموضوعية قبل ان نطلق الاحكام, ونفترض المقاربات غير المعقولة وغير المنطقية.
علي حسين جاسم، «المملكة المتحدة»، 02/08/2011
تحية لك استاذ هاشم صالح لقد ناقشت الموضوع من كل جوانبه ألدينية والسياسية وألأجتماعية بكل جدارة وتساءلت كيف
يحصل ذلك في بلد أوربي متحضر ولكن المجتمعات مهما كانت متحضرة أو متطورة فأنها أحيانآ تنبت مانسمية
ب(خضراء الدمن) فهناك النائب السويدي الذي رفع شعار محاربة ألأسلام وهناك اليمين المسيحي الصهيوني ألأمريكي
المتمثل ببوش وتشيني فهم رغم ثقافة مجتمعهم ألا أنهم يبقون أسرى معتقدات دينية خرافية يرفضها حتى مجتمعهم
المسيحي
عزالدين معزة، «الجزائر»، 02/08/2011
الأخ هاشم صالح،كل عام وانتم بخير،مقالك رائع وأقدر فيك كراهيتك لكل تطرف وتعصب أيا كان مصدره وصدقت في
قولك أن بقايا مخلفات عقلية العصور ستبقى ،وأنا أقول بل بقايا ماقبل التاريخ مازالت موجودة في كل المجتمعات بدرجات
متفاوتة فهي نادرة في المجتمع الاسكندنافي ومنتشرة في المجتمع الاسلامي والعربي التلذذ بالقتل والتمثيل بالجثث وترهيب
المجتمع وظهور الحاكم أمام شعبه بمظهر ملك الغابة وبعض الناس على دين ملوكها ،ما يفعله الاسد ونظامه تجاوز ما
فعله بن لادن والظواهري وكل تنظيم القاعدة على الآقل إنهم منبوذون ومطلوبون عالميا أما الاسد فإن له تمثيل ديبلوماسي
في كل دول العالم باسثناء مع شعبه الذي أعلن جهرا أنه سيقاومه ويمانعونه من حقوقه كبشر(الممانعة والمقاومة) فأنت
تعيش في فرنسا وتعمل فيها قل لي بربك كيف ينظر الغربيون من الشعب للأعمال الاجرامية التي يقوم بها النظام السوري؟
ألا يروننا بأننا بقايا ما قبل التاريخ؟ الجيش السوري أليس هو جيش الحجاج ؟ أو نبوخدنصر ؟أو بقايا البرابرة الجرمان ؟
والاسد اليس هو هولاكو أو تيمورلنك أو هتلر؟ وربما أسوأ دون شك هؤلاء لم يقتلوا شعوبهم وإنما في نظرهم قتلوا أعداء
شعوبهم .

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال