الاربعـاء 16 رمضـان 1432 هـ 17 اغسطس 2011 العدد 11950 الصفحة الرئيسية







 
عثمان ميرغني
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
المكشوف والمستور في الأزمة السورية

إلى أين تتجه الأزمة السورية من هنا؟ فالشعب أعزل، والنظام يستخدم أقصى درجات العنف لقمع الانتفاضة، والمعادلة لا تستقيم في مثل هذه الحالة. هناك من يراهن على أن النظام لا يستطيع نشر قواته في كل مكان، وأن المتظاهرين لو صمدوا وواصلوا انتفاضتهم فإن النظام سيرهق، أو أن قواته ستنقسم وسينشق بعضها على النظام. لكن مثل هذا السيناريو يعني أن الأزمة ستطول وأن الشعب السوري سيدفع ثمنا باهظا أمام نظام أثبت أنه مستعد لاستخدام كل آلته العسكرية والأمنية لإخماد الانتفاضة ولقمع المتظاهرين، بغض النظر عن عدد الضحايا، ودون أي اعتبار لبيانات الإدانة والاستنكار من العالم العربي والمجتمع الدولي. كما أن النظام يستخدم الفرق الموالية له، التي يقودها أشخاص يرتبط وجودهم ببقائه، لذلك يقاتلون بشراسة من أجل حماية مصالحهم وبقائهم في السلطة.

السؤال الأخلاقي الذي يبرز هنا هو: هل يُترك الشعب السوري وحده في مواجهة نظام تجرّد من أي رحمة؟

لقد صدرت مواقف عربية واضحة في شجب القمع السوري ضد المتظاهرين، كان أقواها الموقف السعودي الذي تمثل في رسالة علنية مباشرة غير مسبوقة خاطب بها الملك عبد الله بن عبد العزيز الشعب السوري والنظام السوري ناصحا ومحذرا ومُدينا القمع والتنكيل بالمدنيين. دول الخليج والجامعة العربية أدانت أيضا سياسة النظام السوري في مواجهة الاحتجاجات والاستخدام المفرط للقوة. هذه المواقف مثلت خطوة عربية متقدمة مقارنة بسياسة الصمت السابقة والتعبير عن الضيق والإدانة وراء الأبواب المغلقة. المشكلة أن الشجب والإدانة قد يقدمان دعما معنويا للمنتفضين، لكنهما لن يغيرا من الواقع كثيرا لأن النظام السوري مثل غيره من الأنظمة التي تعودت على عدم الاكتراث بأي رأي عام أو خاص غير رأيها، سيصم أذنيه ويدير وجهه ويواصل سياسة البطش والتنكيل لخنق الانتفاضة.

دمشق تراهن على أن المجتمع الدولي، أو بالأحرى الدول الغربية، في ظل أزماتها الاقتصادية والمالية، وبعد أن طالت عملية الناتو العسكرية في ليبيا، وأحرقت أصابع أميركا وبريطانيا قبل ذلك في العراق وأفغانستان، لن تقدم على تدخل عسكري في سوريا. هذا في الظاهر، أما في الباطن فإن النظام يراهن على أن أميركا مهما كرهته فإنها تفضل وجوده على المغامرة مع بديل غير معروف، والمجازفة باحتمال بروز الإخوان المسلمين كقوة على الساحة السياسية السورية قرب الحدود الإسرائيلية، خصوصا مع وجود حماس في غزة وحزب الله في لبنان، والمؤشرات على الصعود المتواصل لنفوذ الإخوان المسلمين في مصر. وربما فهم النظام من التصريحات الأميركية أن واشنطن تريد إصلاحات سياسية وليس تغيير النظام.

تفكيك الشفرة الدبلوماسية جعل النظام السوري يتوصل إلى مثل هذه القناعة، فواشنطن أدانت بشدة وتبنت عقوبات ضد نظام الأسد وبعض رموزه، لكنها لم تطالب علنا وبوضوح برحيل النظام. وكانت وزيرة الخارجية الأميركية قد لمحت إلى مخاوف واشنطن عندما صرحت في مقابلة مع شبكة تلفزيون «سي بي إس» الأميركية قبل أيام إلى أن المعارضة السورية ليس لديها عنوان معروف يمكن التعامل معه، وأنه رغم وجود بوادر هنا وهناك، ووجود شخصيات معارضة في الداخل والخارج، ووجود مواطنين سوريين شجعان يواجهون النظام، فإنه لا توجد معارضة منظمة لها عنوان معروف يمكن التعامل معه. وعندما ألح المذيع في سؤالها لماذا لا تقوم واشنطن بالخطوة التالية في الضغوط وتطالب علنا وبوضوح برحيل الأسد، قالت كلينتون في ثنايا ردها: «سوريا لديها انقسامات كثيرة، وأحد الأسباب في أن هذه المسألة كانت تشكل تحديا لنا نحن الذين كنا نراقب من الخارج، هو أن هناك مجموعات سكانية كثيرة، أقليات سكانية، داخل سوريا، تقول بصراحة إن الشيطان الذي نعرفه أفضل من ذلك الذي لا نعرفه».

كلينتون أشارت بعد ذلك إلى أن هذه الأقليات تؤيد النظام، ليس لأنها توافق على ما يحدث، بل لأنها قلقة مما سيأتي بعده، مشيرة إلى أن واشنطن تشجع المعارضة على تبني أجندة موحدة للناس وضامنة لمشاركة كل الفئات من سنّة وعلويين ودروز وأكراد ومسيحيين.

قلق واشنطن يعكس أيضا قلق الحليف الإسرائيلي الذي لم يخف موقفه الذي يفضل بقاء النظام القائم في دمشق، ولا يريد تغييرا ربما ينهي حالة الهدوء السائدة على الحدود السورية منذ عقود. ولا ننسى في هذا الإطار الرسالة الشهيرة التي وجهها رامي مخلوف، رجل الأعمال وابن خال الرئيس السوري، إلى إسرائيل وأميركا في مقابلة مع صحيفة «نيويورك تايمز» مع بدايات الأزمة في سوريا، عندما ربط بين وجود نظام الأسد وأمن إسرائيل قائلا: «لن يكون هناك استقرار في إسرائيل إذا لم يكن هناك استقرار في سوريا، ولا أحد سيضمن ما سيحدث إذا وقع أي شيء لها النظام». الرسالة الواضحة أحرجت النظام في دمشق لأنها كشفت المستور وأفصحت عما لا يقال علنا. لكن مخلوف ربما لم يكن في حاجة إلى هذا التصريح لأن إسرائيل أصلا تبنت موقفا مؤيدا لاستقرار نظام الأسد، وأفصحت عن ذلك في تصريحات سياسية.

اللافت أن القلق على نظام الأسد يضع أيضا إيران في صف واحد مع موقفي إسرائيل وواشنطن، وإن تباينت الدوافع والأهداف. فإيران تتحرك سرا وعلنا لإنقاذ حليفها الاستراتيجي إلى درجة أنها اعتبرت هذا الدعم «واجبا دينيا»، وهو تعبير يضع الأزمة السورية في خط التجاذب الطائفي الحاصل في المنطقة. وليس سرا أن طهران تتحرك مع حلفائها في المنطقة، خصوصا حزب الله وبعض الأحزاب والأطراف في العراق، لدعم النظام السوري لأنها لا تريد خسارة حليف استراتيجي لصالح الطرف السني في المنطقة الذي تتهمه علنا بأنه يريد تقويض الحلف القائم بين طهران ودمشق.

كل هذه الأمور قد تعني أن الأزمة في سوريا قد تطول، فالمحتجون أظهروا عزيمة على مواصلة انتفاضتهم رغم القمع الشديد، بينما النظام فشل حتى الآن في تحقيق هدفه في إنهاء الاحتجاجات بسرعة. ولأن العرب كالعادة غير موحدين في مواقفهم، وغير قادرين على تحرك قوي يجبر النظام على وقف سياسة البطش والتنكيل، فإن الأرجح أن تشهد المرحلة المقبلة تصعيدا لسياسة العقوبات وتحركات دولية ومن بعض الأطراف العربية لعزل النظام في سوريا، في انتظار تطورات داخلية في اتجاه تغيير في النظام بشكل أو آخر.

o.mirghani@asharqalawsat.com

> > >

التعليــقــــات
سعود بن زيد، «فرنسا ميتروبولتان»، 17/08/2011
مهما حدث من قتل وتعذيب وبطش طائفي فإن الشرفاء من الشعب سيستمرون بالانتفاضة حتى إسقاط هذا النظام حتى لو وصل العدد إلى عشرات الآلاف من الشهداء، فإلى متى والشعب يعيش بفقر وذل وقمع أمني هتلري طائفي استأثر بالبلد سياسيا وإقتصاديا حيث تمتلك عائله الرئيس واقربائهم وأعوانهم من طائفتهم عشرات المليارات من الدولارت وبقيه الشعب بحاله يرثى لها وقد رأينا كيف قاموا بتهريب 23 مليار دولار إلى إيران ولبنان؟ وطالما أن إيران وحكومه المالكي وحزب الله تدعمان هذا النظام بشكل علني رغم حاله الفقر في بلدانهم ودعموا النظام بخبراء القتل والتعذيب والسلاح والقناصه وكل شيء ممكن خلافا لمليارات الدولارات التي الشعب الايراني والعراقي أحق بها، فلماذا اذن تسكت بقيه الدول العربيه والإسلامية؟ لماذا لا تطالب ايران بوقف التدخل الطائفي بسوريا؟ بأي حق طائفه اقليه تحكم بالحديد والنار؟ بل ان تعيين وزير دفاع جديد مسيحي هو مسرحيه هزليه يريد النظام كسب الأقليه المسيحيه وكأنه يريد منهم ان ينسوا ما فعله هو ووالده من قتل وتعذيب واغتيالات لكل الطوائف ووضعهم على حافه الفقر بينما هو وعائلته ينعمون بالمال الوفير؟ لنوقف تدخل إيران أو تدعم الشعب.
اياد الايوبي، «المملكة العربية السعودية»، 17/08/2011
أعجبتني المقالة و طريقة التحليل و ان كنت أرى فيها بعض المغالطات الخطيرة التي لا يمكنكم تجاهلها عندما تتطرقون الى الشأن السوري، أستاذي الكريم أنا و جميع أصدقائي لسنا بمثقفين و لكننا اشخاص عاديون وانما نرفض تغيير النظام رغم علمنا بما يحدث وخوفا على بلدنا من القادم. نحن لم نرى الموت لكننا رأينا الذين ماتوا قبلنا هذا مثل يجسد حالة اكثر السوريين الذين يعون أنه لو ذهب النظام فسيكون من المستحيل اعادة بناء دولة، رغم وجود جيش محتل بالعراق نرى أن الدولة ما زالت غير مستقرة و قابلة للانقسام باي وقت، ورغم وجود معارضة واحزاب بمصر ووقوف الجيش على الحياد فاننا للان لا نرى مسارا واضحا ينجلي للشقيقة مصر، ولا يختلف الوضع كثيرا في تونس فما بالكم بسورية التي لا توجد معارضة منظمة او معروفة وانما عدة اشخاص لا نثق بالكثيرين منهم نظرا لماضيهم الاسود، و لا يمكن لاي تدخل خارجي، نحن نرى أن تتم الاصلاحات حسب مواعيدها وأن نتأمل أن الاحزاب التي ستشكل ستكون قادرة على اصلاح احوال البلد والمشاركة بالحياة السياسية. للاسف انا اعتقد ان كل ما يجري الان هو نزف للدماء بلا طائل لان الاسد باق.
حسان عبد العزيز التميمي، «المملكة العربية السعودية»، 17/08/2011
أعلنت وزيرة الخارجية الامريكية هيلاري كلينتون في آخر تصريح لها بأن على المملكة العربية السعودية وتركيا العمل على ايقاف نزيف الدماء في سورية حيث أن الولايات المتحدة الامريكية لا تستطيع ذلك بسبب ضعف تاثيرها على سورية .

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2017 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام