الفيلم السوري السيئ والفيلم الأميركي الأسوأ

TT

كادت هيبة الأمتين العربية والإسلامية تضيع بين الفيلم السوري السيئ، المتواصل عرضه للشهر التاسع عشر على التوالي والمحقق خسائر للبلاد والعباد لا مثيل لها، في ويلات الخسائر المادية والبشرية الناشئة عن رهانات يمارسها أشخاص في قمة السلطة، والفيلم الأميركي المنشأ الأكثر سوءا، الذي رماه في صيغة فخٍ أرباب السوء استباقا لأحداث ربما تشكل حسما لقضايا كثيرة عالقة، من بينها موضوع الدولة الفلسطينية الذي بات لزاما على المعنيين بالموضوع، فلسطينيين وعربا وأجانب، إنجاز خطوات في شأنه خلال الدورة الجديدة العادية للجمعية العمومية للأمم المتحدة هذا الشهر (سبتمبر/ أيلول 2012)... إننا بين هذا الفيلم المسيء للرسول العربي الكريم وذاك الفيلم المسيء لفكرة الوحدة الوطنية والعيش المشترك ومبادئ تعامل الذين في السلطة مع المواطنين والأخذ في الاعتبار شكواهم ومطالبهم وكذلك التأمل في انتقاداتهم - رأينا الأمتين، ومعهما الدولة الأعظم أميركا، تعيشان أكثر الارتباكات في صفوف صانعي القرار. وعلى الطريق ارتباك محتمل الحدوث في فرنسا بعد الفخ الكاريكاتيري المنشور في شكل رسوم مسيئة لمشاعر المسلمين، نشرتْها يوم الأربعاء (19 سبتمبر) مطبوعة غير ذات أهمية اسمها «شارلي إبدو».

بل قد يجوز القول: إن الفيلمين أحدثا جراحا عميقة في النفوس، تكاد الآلام الناشئة عنها تتساوى مع الآلام التي تسببها قذائف تأتي بتوجيهات أهل السلطة ضد مواطنين أصحاب مطالب مشروعة واحتجاجات محقة.

ما زلنا - بالنسبة إلى الفيلم السوري - نرى أن المنتج، وهو هنا النظام البشاري، غير موفق في فيلمه هذا، وأن الرهان على الحليف الإيراني الخائر ومورد السلاح الروسي المتشاطر والصديق الصيني الحائر لن يحقق له مبتغاه، وأن هذا المثلث لا يقدم للنظام البشاري سوى المزيد من الإحراجات، ذلك أنه مع انقضاء كل يوم - والأزمة تراوح مكانها - يزداد الوضع السوري تعقيدا، ويتواصل رجحان كفة التعامل بالعنف مع أزمة، لا مجال لغير المرونة وتعديل المفاهيم في علاجها. وعندما لا يخرج الوسيط، الأخوي والدولي في وقت واحد، الأخضر الإبراهيمي من لقائه الرئيس بشار الأسد بغير الانطباع السوداوي الذي خرج به - فهذا معناه أن الرئيس بشار، الذي لم يأخذ سابقا بتمنيات الصديق الأفريقي الدولي كوفي أنان، لم يأخذ أيضا بنصائح الأخ العربي الدولي الأخضر الإبراهيمي. وهنا، تصبح كل المسالك مغلقة في اتجاه التعقل، ولا يعود واردا توقع أن الرئيس بشار سيتخذ على الأقل نصف خطوة في اتجاه وقف العنف؛ أي ما معناه يبقي الآليات في الشارع، لكنه يأمر بوقف الظاهرة المخيفة والمخجلة والمتمثلة في إشراك السلاح الجوي في قصف أبنية أو تجمعات. لكن، لا بادرة تصدر عنه، كما لا رحمة في تعامل غير شجاع مع أزمة، طرفاها أبناء من الوطن.

ويكاد يخالجنا شعور بأنه كلما اشتدت الأزمة، فإن رؤية الرئيس بشار من جهة ورؤية الأطياف المعارضة من الجهة المقابلة - لن تقودا إلى تسوية ينتهي بموجبها هذا النزف اليومي، بحيث إن الحال باتت مثل حال البورصة التي يرتفع فيها الخط البياني ويهبط بين عملية وأخرى. ففي الصباح، يكون عدد القتلى عشرة على سبيل المثال، وفي آخر النهار يصبح فوق المائة أو تحتها وهذه هي الحال يوميا، عدا الخط البياني الآخر المتعلق بالبنيان الذي يتم تدميره قصفا من الجو أو من الأرض، وعدا الخط البياني المقابل من جانب الطيف المعارض المتمثل «الجيش السوري الحر» الذي يتباهى هو الآخر - مع شديد الأسف - بأنه يحقق مكاسب ضد رفاق السلاح وأبناء الوطن، ومن دون أن يأخذ جنود وضباط جماعة النظام والجماعة المنشقة في الاعتبار أنهم يقاتلون إخوة في السلاح، ودون أن يأخذوا في الاعتبار أيضا أن نهاية المطاف مأساوية للطرفين.

وكم كنا نتمنى - بالنسبة إلى الفيلم السوري - أن يكتب الأخضر الإبراهيمي، من خلال المسعى الذي يقوم به، مادة المشهد الأخير من هذا الفيلم، وبما معناه أن يكون الأخضر هو المخرج الناجح الذي يحد من خسائر النظام البشاري، المنتج المغامر والسيئ للفيلم، المراهن في ميدان اختلطت فيه العلاقات والأوراق والمصالح أغرب اختلاط، على جياد متعَبة (بفتح العين) داخليا بقدر ما هي متعِبة (بكسرها) لسوريا الوطن والشعب، ولذا فلا أمل لها في كسب الجائزة التي هي سوريا والتي أيضا باتت كتلة من التعب المادي والنفسي والاقتصادي بعد التدمير الذي ترافق مع إزهاق للأرواح وتشريد لعائلات، وبحيث إن ظاهرة اللاجئين السوريين باتت شبيهة بظاهرة اللاجئين الفلسطينيين، وربما قد تصل الحال ذات يوم إلى أن المجتمع الدولي - العربي الذي أخفق في حسْم الموضوع السوري يقرر استحداث «أونروا» للملايين من السوريين الذين دفعهم العلاج الأمني البشاري إلى حياة اللجوء المذلة على أعتاب أراضي تركية وأردنية وعراقية ولبنانية، هذا عدا الذين بدأوا يخططون لهجرة شبيهة بهجرات لبنانية ومصرية على سبيل المثال لا الحصر، وهؤلاء من الميسورين الذين تركوا المنازل بما فيها وغادروا حاملين جوازات السفر - غير المرحب أصلا بها - في بعض بلاد الله الواسعة، إلا إذا كانت كندا وأميركا وأستراليا ودول أوروبية خاب ظنها في النظام البشاري سترحب باستيطان هؤلاء السوريين، كونهم أعزاء قوم أذلهم العلاج الأمني للأزمة التي كانت تحتاج إلى علاج يأتي من حاكم متعقل لا يركب مركب العناد والتحدي. وهو لو اعتمد التعقل لكانت هانت الأمور ولما كان للمشهد السوري، المتكون من جماعات هائمة على وجهها وجثث مرمية على الطرقات وأبنية تحولت إلى ركام، أن يكون على نحو ما بات عليه. وما قاله الشاعر العربي في الزمن الغابر (ربما يوم بكيت منه فلما... صرت في غيره بكيت عليه) - خير توصيف للحال والمآل.

وثمة ما يخشاه اللبنانيون والأردنيون، وإلى حد ما الأتراك، وهو أن يلجأ النظام البشاري - وربما في ضوء نصائح المستشارين من الحرس الثوري الإيراني الذين أتوا للنجدة إلى سوريا ولبنان، وكان الاعتراف رسميا من جانب إيران بابتعاثهم مستهجنا كل الاستهجان وبنسبة استهجان الخطوة نفسها - إلى توسيع دائرة المغامرة، كأن يفاجئ سكان بيروت وسكان عمان وسكان بلدات في تركيا أو إسطنبول نفسها بصواريخ تتساقط عليهم، وهو احتمال بقي مستبعدا إلى أن فعل النظام البشاري الشيء نفسه في مناطق سورية عدة. وعندما يفعل النظام ذلك في بلاده، المؤتمن بموجب الدستور على حمايتها ورعاية شعبها، لا يعود هنالك ما يمنعه من تكرار الأسلوب نفسه على جيران يعملون من أجل التسريع في إسقاط نظامه، وبالذات في حال اشتداد الطوق على العنق، وتحديدا الطوق الاقتصادي والمالي والمواصلاتي والنفطي والتمويني الناشئ عن العقوبات التي لا يقتنع الناس بطروحات تطمينية في شأنها، تأتيهم بأسلوب التعبئة من وسائل الإعلام الرسمي، سواء في إيران حيث ينحدر سعر العملة أسوأ وأسرع انحدار، أو في سوريا التي ينضب احتياط عملاتها وتجف أسواقها شيئا فشيئا. وعندما يصل الانحدار ونضوب الاحتياط إلى ما هو أدنى من القدرة على التحمل - فإن الذراع الروسية ومثيلتها الصينية لا تعودان كما الحال الآن. ففي نهاية الأمر، إن الدولة تكون قوية باقتصادها واحتياطها النقدي، إلى جانب طمأنينة المواطن وإحساس النظام الحاكم بالمسؤولية المشتركة - مسؤوليته أمام الشعب ومسؤوليته تجاه المجتمع المنتسب إليه أو المجاور له أو المتعاطي معه. ومن خلال التأمل، نجد أن المسؤولية المشتركة هذه ضامرة إلى حد الوهن.

وبالنسبة إلى لبنان تحديدا، فإن الذي يتمناه المرء هو ألا يقترف النظام البشاري ما نشير إليه، أي ألا تهز الاستقرار النسبي الذي تعيشه العاصمة بيروت رسالة صاروخية كتلك التي يفاجئ بها، من حين إلى آخر، بلدات الجوار اللبناني بقاعا وشمالا، ذلك أن رسالة من النوعية المشار إليها من شأنها وضع الحليفين القويين حزب الله و«حركة أمل»، ومعهما الحليف شبه القوي في طائفته الجنرال ميشال عون، في وضع كفيل بإحراج الأطراف الثلاثة أمام الناس وأمام المجتمع الدولي الذي سيعتبر لبنان دولة من الضروري وضعها تحت وصاية دولية. ومن الجائز الافتراض أن إطلالة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله شخصيا، وليس عبر شاشة تلفزيونية، على الجمع الألوفي، وهذا يحدث للمرة الأولى منذ يوليو (تموز) 2006 عندما بات ضروريا اتخاذ الإجراءات الأمنية الوقائية خشية تمكين إسرائيل وعملائها من إلحاق الأذى بسيد المقاومة - لها أكثر من هدف؛ أهمها أن المناسبة جليلة ما دامت لاستنكار الإساءة للرسول الكريم، ومن الطبيعي عندما سيقول السيد حسن في الكلمة التي ألقاها ويطلب من الجمع الهائل الترداد معه: «يا رسول الله، فداك يا رسول الله نفسي ودمي، وأبي وأمي، وأهلي وولدي، وكل مالي، وما خولني ربي، فداء كرامتك وعرضك وشرفك..» - ألا يعلن ذلك عبر شاشة تلفزيونية كما اعتاد أن يفعل من باب الوقاية، وإنما يخاطر وبهذا كان في قمة الشجاعة، لأنه مهما أحاط به الحرس المدرب أفضل تدريب، فإن الدقائق الاثنتي عشرة تكفي لعمل غادر يأتي من إسرائيل، التي ترصد كل تحركاته. وإلى ذلك، فإن المناسبة، من حيث ظروفها وجوهرها، تتطلب من السيد حسن بالذات، الذي طالما اعتاد في مناسبات عدة ترداد عبارة «فداك يا حسين..» وغدت العبارة هذه ومثيلتها على لسان كل شيعي وشيعية، أن يستحدث ما يجوز اعتباره توازنا يقطع الطريق على اجتهادات الأطياف الشيعية في شأن تعظيمات الأدوار، ويقلل من ظنون غير الشيعة التي طالما أوجدت في مفهوم الإسلام الموحد الكثير من التنظيرات المذهبية والفتاوى. كما أن إطلالة السيد حسن أحدثت حالة نفسية طيبة في نفوس جماهير الطائفة، التي لا تزال تعيش هاجس احتمال أن تفقد المقاومة سيدها الثاني بعد سيدها السابق عباس الموسوي الذي سبق أن جرى اغتياله. وبالإضافة إلى الحالة المشار إليها، فإن إطلالة السيد حسن تركت انطباعا بأن احتمال العدوان الإسرائيلي بات مستبعدا، بدليل أن رمز المقاومة تخلى عن ضرورات الاختفاء. كما أن «ظهور السيد حسن» كان ضروريا في نظر أبناء الطائفة، لكي يتساوى حضور الشأن الشيعي مع الحضور الطاغي للشأن المسيحي خلال زيارة البابا بنديكتوس السادس عشر للبنان.

وبالعودة إلى الفيلم الأسوأ، وما رافق تعميمه ونتج في صفوف الأمتين من تداعيات لهذه الإساءة، فإن الذي كان يتمناه المرء هو أنه بدل رد الفعل الغوضائي (بمعنى نصفه غوغاء مكروه ونصفه الآخر ضوضاء مشروع) - تدعو منظمة المؤتمر الإسلامي إلى اجتماع استثنائي لوزراء الأوقاف الإسلامية، يشارك فيه المفتون وعلماء، ويصدر عنه موقف موحد يتحول إلى ترشيد روحي إسلامي، مثل «الإرشاد الرسولي» الذي أعلنه من لبنان رئيس الكنيسة الكاثوليكية البابا بنديكتوس السادس عشر. و«الترشيد الإسلامي»، يرفع إلى الأمم المتحدة كوثيقة يتم اعتمادها، لا يعود هناك موجب للتعبير الاحتجاجي كما عايشناه وما رافقه من فواجع وتشوهات للسلوكيات التي لا تنسجم إطلاقا مع «خير أمة أخرجت للناس»، فضلا عن أنه بموجب الترشيد - الوثيقة الممهورة من الجمعية العامة تصبح الإساءة إلى الأنبياء والديانات في نظر الدول جرما يستحق أقصى العقاب وليس مجرد إساءة تحمل المزيد من التأويل والتبرير.

والله الهادي إلى سواء السبيل، وبالذات لمن هم في حاجة إلى الهداية، كي يتوقف نهائيا عرض الفيلم السوري السيئ، ولا يتكرر الفيلم الأميركي الأسوأ... كما لا يضاف إلى الفيلمين فيلم فرنسي بالسوئية والسوقية اللتين اتسم بهما الفيلم الأميركي.